حتى نرعى الأمل

بعد ساعات قليلة نودع جميعا سنة 2016.. سنة تبدو ضعيفة الكفة من حيث ما قدّمت للبلاد.. والعديد منا يريدونها سنة للنسيان... ولكن الأهم من كل تقييم إجمالي هو الوقوف عند مواطن الخلل وتفحّص ما يمكن أن نؤسس عليه لسنة ولسنوات أفضل حتى نرعى الأمل الذي انبجس ذات يوم منذ 6 سنوات...

لقد ظنّ جلّ التونسيين أن الانتخابات التشريعية والرئاسية التي أجريناها منذ أكثر من سنتين ستضع حدّا للفترة الانتقالية وسنبدأ معها فترة الإقلاع الحقيقي وإرساء المؤسسات الدائمة للجمهورية الثانية خاصة وأن الحزب الفائز في الانتخابات آنذاك بشرنا بعودة الأمن والاستقرار بفضل استرجاع الدولة لهيبتها وبالإقلاع الاقتصادي الفعلي وقدّر في برنامجه الانتخابي أن يكون معدل نسبة النمو لهذه الدورة النيابية (2015/ 2019) بــــ5 % لتكون تونس في نهايتها أحد نمور إفريقيا والعالم العربي...
بعد مرور سنتين الواضح أننا بعيدون كل البعد عن هذا الغد الوردي الذي بُشرنا به...

لا شك أن الضربات الإرهابية الموجعة في سنة 2015 وخاصة في باردو وسوسة قد أربكت البلاد كلها وضربت قطاعات حيوية في اقتصادها ولكن هذه المعطيات الموضوعية لا تفسّر كل شيء ولا يمكن أن نعيد إليها وحدها فقط عدم قدرة السلطة الناجمة عن صناديق الاقتراع على الإيفاء بوعودها...

يبدو أن الخلل الأصلي يكمن في سوء تقدير كل الطبقة السياسية التونسية لحجم تحديات الانتقال الديمقراطي وللسبل الأنجع لحوكمة هذه المرحلة الانتقالية... إذ يظن جلهم بأنه يكفيهم الانتصار في الانتخابات لكي يتحول الواقع بصورة إيجابية وأن البلاد التي تحقق نسب نمو بـــ 5 % زمن الاستبداد سوف تتمكن من خلق المعجزات زمن الديمقراطية...

وسوء التقدير هذا تجلى في سوء الحوكمة وفي عدم الصرامة في إسناد المسؤوليات الحساسة وفي غلبة الشبكات الزبونية الجديدة على ثقافة الكفاءة... كل هذا عقّد من إدارة البلاد وأوجد نوعا من الفجوة المتعاظمة بين الحاكم والمحكوم...
فحكومة الحبيب الصيد لم تسقط بفعل المبادرة الرئاسية بتشكيل حكومة وحدة وطنية، بل سقطت في جانفي 2016 عندما اندلعت موجة من الاحتجاجات الشبابية في جل ولايات الجمهورية...

موجة بينت أن منظومة الحكم حينها لم تكن قد استوعبت جيدا درس الثورة التونسية وأنها لم تفهم أن دوافعها العميقة هي المطالبة بتقاسم عادل للثروة المادية والرمزية..

هذه القسمة العادلة للثروتين المادية والرمزية لم تحصل بعد، بل لم تكن جلّ الحكومات المتعاقبة واعية بمستلزماتها العملية.. فبقيت شعارا يكرر بين الفينة والأخرى تحت مسمى «التمييز الإيجابي» ولكن دون أن تدرك كل النخب السياسية والاقتصادية والثقافية والجمعياتية بأن التقاسم العادل يقتضي، فيما يقتضي، إعادة توزيع الثروة المادية والمعنوية أي إعادة تشكيل نخب البلاد بصفة جديدة... ولكن كل منظوماتنا مبنية على توارث المال والجاه والعلم والثقافة والنفوذ... فالمصعد الاجتماعي ليس معطبا فقط بل تعمل كل سياساتنا العمومية على تعطيله...

في لحظة الفورة الشبابية في جانفي 2016 أدرك رئيس الحكومة آنذاك بصفة حدسية خطورة الوضع فاقترح الإجراء الثوري الوحيد طيلة فترة حكمه وهو اعتبار الشهادة العلمية للشباب المعطل في المناطق الداخلية عنصرا كافيا للمراهنة عليهم اقتصاديا... ولكن هذا

القرار افرغ من مضمونه... ولم يدرك إلى اليوم الساسة في الحكم أنه ما دام الأفق الوحيد الممكن لهذا الشباب هو أن يكون أجيرا أو صاحب مشروع صغير للغاية لا يكاد يؤمّن الكفاف فإن البلاد لن تتقدم ولن تستقر...

اليوم ينبغي أن يشتغل المصعد الاجتماعي في كل اتجاه بدءا من التفوق المدرسي وصولا إلى التفوق الاجتماعي والمالي.. فما دمنا نعيش في مجتمع ينحصر فيه التفوق في أصناف قليلة ولا يكون متاحا للجميع وإن بمقادير مختلفة فسنبقى كالآلة المعطوبة من بعض محركاتها...

هذا هو التحدي الأبرز للسنة القادمة بل وللسنوات القادمة.. وليس المطلوب إنجاز كل شيء في سنة واحدة ولكن لا بد أن يشعر الجميع أننا نسير في هذا الطريق وهذه مسؤولية كل النخب مجتمعة إذ هي التي ستبدأ بإعطاء مضامين عملية وملموسة لمعنى التقاسم العادل الذي ينشده بطريقة حدسية كل التونسيين...

بهذا يرتبط الحلم الجماعي وبهذا يستعيد شبابنا ثقته في نفسه أولا وفي بلده ثانيا وبهذا ينهض اقتصادنا وبهذا نقضي نهائيا على كل جاذبية ولو ضئيلة للجماعات الإرهابية ويصبح الإرهاب مجرد مسألة أمنية ليس إلا..

لا شك أن لهذه الحكومة تحديات آنية في منتهى الخطورة كمقاومة الإرهاب والتوقي من مخاطره الداخلية والخارجية والقيام بالإصلاحات الاجتماعية الضرورية وبعضها غير شعبي بالمرة كمراجعة منظومة التقاعد ووضعية المؤسسات العمومية التي ينبغي التفريط فيها... وإعادة تنشيط الاقتصاد وتحقيق وعود مؤتمر الاستثمار... بالإضافة إلى استباق الأزمات الاجتماعية التي ستندلع هنا أو هناك وكذلك تشديد الخناق على التهريب والاقتصاد الموازي والحد من تفشي جرثومة الفساد...

كل هذه التحديات تحتاج نفسا إصلاحيا صلبا وإصرارا على المضيّ قدما رغم كل العقبات... ولكن الإصلاح الأهم والأبقى والأدوم هو بث الحياة من جديد في المصعد الاجتماعي حتى تتجدد دماء النخب وحتى لا تبقى تونس المهمشة أو المتواضعة مهمشة ومتواضعة أبد الدهر... وهذا يتطلب سياسات على المدى القصير وأخرى على المديين المتوسط والطويل...

فالسياسات العمومية العاجلة ينبغي أن تقوم على فكرة بسيطة: لقد خلقت الدولة التونسية في السبعينات خاصة طبقة من نساء ورجال الأعمال.. وكان هذا ضروريا لنهضة البلاد.. ولكن هذه الطبقة انحصرت، كما شأن جلّ النخب الأخرى، في المناطق الأكثر تقدما وكان حظ الجهات الداخلية منها ضعيفا...

مهمة الدولة اليوم هي الإسهام في خلق طبقة جديدة من نساء ورجال الأعمال في المناطق الداخلية وذلك عبر سياسة إقراض جريئة تساعد الشباب المتحفّز في هذه المناطق على خلق مشاريع وسطى لها قابلية سريعة لكي تتحوّل إلى مشاريع هامة.. أما الاكتفاء بسياسة القروض لخلق المشاريع الصغرى فقط فهذا لن يُغيّر من ديناميكية المصعد الاجتماعي في شيء...

والسياسة العمومية الثانية هي الإقدام على إصلاح تربوي جدي وشامل يجعل من التفوق المدرسي إمكانية قوية في كل مناطق البلاد على عكس ما هو عليه الأمر الآن...
فالتفوق للجميع والثراء للجميع هو الشعار الثوري الحقيقي اليوم.. وهو شعار واقعي وإنجازه يمثل نقلة نوعية لكامل المجتمع التونسي...

فهل ستكون بداية الحلم سنة 2017؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا