بين شبكات الإرهاب و«الحرقة» والجريمة المنظمة... شبابنا وحلقات الضياع

في كل مرة يضرب فيها الإرهاب السلفي الجهادي المعولم في أوروبا على وجه التحديد يبقى كل التونسيين وجفين من تورط أحد شبابنا في هذه العملية أو تلك... وفي كل مرة يتحقق فيها هذا التوجس يختلط فيها اسم تونس بالإرهاب في كل وسائل الإعلام الأوروبية على امتداد أيام بساعاتها الكاملة...

وحتى إن قيل، أحيانا، بأن بلادنا هي بدورها هدف لهذا الإرهاب السلفي الجهادي المعولم فإن الصورة الطاغية والباقية هي أن الإرهابي في حادثتي نيس وبرلين تونسي وأن تونس من أكبر البلدان المصدرة للإرهاب في العالم...
وانضاف هذه المرة إلى هذه الصورة أن سلط بلادنا غير متعاونة مع الدول الأوروبية في حالة ما إذا طُلب منها قبول مواطنيها المطرودين من هذه الدول لسبب أو لآخر...

لا ينبغي ولا يحق لنا أن نستهين بهذه الصورة لأن ضررها علينا كبير إلى أقصى الحدود... وعندما نعلم أننا إزاء حالة ستدوم ينبغي علينا جميعا أن نبذل قصارى الجهد للحد منها قدر الإمكان...

لا شك أن مشاكل بلادنا كثيرة بما فيها المخاطر الإرهابية التي تحدق بنا داخليا وخارجيا... ولكن لا مناص من الاعتراف بأننا أمام قنابل موقوتة بداية بهذه الآلاف المجندة في التنظيمات الإرهابية وخاصة في سوريا والعراق وليبيا... وكذلك داخل أرض الوطن إذ مازالت الشبكات الإرهابية، رغم النجاحات الأمنية الكبيرة خلال هذه السنة تمثل خطرا مرتفعا للغاية ونضيف إليها تواجد بعض شبابنا في أوروبا في شبكات إرهابية أو إجرامية...
وهنا لم تعد تكفي اللغة الخشبية المعتادة من صنف أن جل شبابنا بعيد عن كل هذا....

لا بد أن نعترف أن تونس تعيش إشكالات متعددة مع شبابها... وأن المخاطر المحدقة بنا جزء منها متأت من إخفاقاتنا كدولة وكنخب وكمجتمع كذلك...

عندما يكون عندنا عدة آلاف من الشباب المنخرط في تنظيمات إرهابية داخل الوطن وخارجه وبعض عشرات الآلاف من الشباب المتعاطف معهم... هذا من جهة ومن جهة أخرى عدة عشرات الآلاف من شبابنا لا يحلم إلا بـــــ«الحرقة» (الهجرة غير الشرعية) بأي الطرق وإن لزم بالعمل لفائدة شبكات إجرامية...

وعندما نجد أيضا شبابا في تونس لديه قابلية للتوظيف في شبكات تجسس إجرامية – حتى وإن لم يكن محيطا بكل أبعادها – من أجل حفنة من المال...

عندما نضع كل هذه المعطيات مع بعضها البعض لا يمكننا أن نواصل في إنكار الأزمة العميقة التي يعيشها مجتمعنا خاصة عندما نعلم أن جزءا هاما من شبابنا غير المتورط في كل هذه الشبكات الإجرامية والإرهابية يعيش في حالات من الغضب والتوتر وجله يعيش في حالة إحباط ويأس...

لا نريد أن نقول بأنه ليس لدينا شباب متفوق يتقد حيوية ونشاطا وإبداعا... ولكن نحن نتحدث عن جزء غير يسير من شبابنا يعيش اليوم على هامش الدورة الاقتصادية والسياسية والروحية للبلاد... شباب لا يعتبر نفسه معينا بمستقبل جماعي ولا يؤمن بحلم وطني... وهذا هو الإخفاق الذي نتحدث عنه... ونحن لا نحمّل أحدا هذه المسؤولية لأننا نجني مسارات وسياسات وسلوكات متناثرة ومتعددة أدت بنا كلها متظافرة إلى هذا الوضع...

ولا ينبغي أن يذهب إلى ظننا أننا بصدد اكتشاف شيء جديد... فهذه الحالة قد قيست منذ عدة سنوات حتى في زمن الحكم المتسلط لبن علي إذ أثبتت كل الدراسات السوسيولوجية التي اهتمت بفئة الشباب أننا قادمون على بركان لا نعرف بالضبط متى وكيف سينفجر...
لا نريد أن نقول إن المنخرط في تنظيم إرهابي أو إجرامي هو «ضحية» لسياسات تتجاوزه... إن الذين اختاروا هذه الطرق هم إرهابيون ومجرمون وينبغي أن نحصّن مجتمعنا منهم ومن إجرامهم وإرهابهم...

ولكن عندما نكتفي بهذا القول نكون قد اجتزأنا الواقع ولم ننظر إلى الصورة في شموليتها... وهنالك دوائر قد تتغذى من بعضها البعض: الانقطاع المدرسي والإجرام الصغير وشبكات التهريب وشبكات «الحرقة» والجريمة المنظمة والمدن والأحياء التي لا تعرف معنى للحياة الكريمة وشبكات الإرهاب المحلية والدولية والهشاشة النفسية والعائلية...

نقول أن هذه الدوائر قد تتغذى من بعضها البعض ولا نقول بأن الانتماء لدائرة ما يؤدي ضرورة إلى دائرة ثانية ولكن ما يجمع بين كل هذه الدوائر، أو جلها هو أن الفئة المستهدفة فيها هي الشباب... والذهنية الطاغية في جل هذه الأوساط هي فقدان الأمل في المستقبل أو بالأحرى في البلاد... وما يحصل منذ بضع سنوات هو إن أصحاب الشبكات الإرهابية والإجرامية من التونسيين هم بصدد الاشتغال على هذه الفئات الشبابية الهشة لضمها إلى مخططاتهم التخريبية... وهذا هو الخطر الأكبر... فوجود شبكات خارجة عن القانون ليس شأنا تونسيا خاصا ولكن في بلادنا ورغم رفض الغالبية الساحقة لمجتمعنا لكل أشكال التطرف والإرهاب والجريمة فإن لهذه الشبكات جاذبية لا تنكر عنه الشباب الذي يشكو من هشاشة فردية أو جماعية...

نحن هنا أمام تحدّ مصيري لا يُعالج بالشعارات أو بالنوايا الطيبة ولا يعالج بسذاجة من يؤمنون بــــ»توبة» الإرهابيين... تحد لا يعالج إلا باليقظة الأمنية في مختلف أبعادها ولكن وكذلك وقبل ذلك وبعده بسياسات إدماجية لهذه الفئات الهشة وبانتشال كل من يمكن انتشاله من براثين جماعات الدمار...

ولكن للأسف مازلنا في تونس نتحمس للقضايا بصفة مؤقتة ثم ننساها لنتحمس لأخرى في حين أننا أمام قضية تستوجب تخطيطا وتنفيذا وإرادة تمتد كلها في الزمن ولا تتغير بتغيّر الحكومات أو الأغلبيات...
ولكن أين نخب البلاد من كل هذا؟!!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا