بعد الأخطاء في معالجة ملف جريمة اغتيال الشهيد محمد الزواري تصحيح الآداء

• تخوين أجهزة الدولة مراهقة سياسية غير مقبولة
تعيش تونس، منذ يوم الخميس، على وقع جريمة اغتيال الشهيد محمد الزواري بمدينة صفاقس. كل المؤشرات تشير اليوم إلى أن الموساد

(جهاز الاستخبارات الإسرائيلية) هو المخطط لهذه العملية، ولا نعلم، لحد الآن، هل أن التنفيذ تم عن طريق عملائه المباشرين أم حصل بالوكالة..
ولكن ما لم يعد مجال شك كبير (في انتظار نتائج التحقيقات الأمنية والقضائية) أن محمد الزواري قد تم استهدافه من قبل دولة إسرائيل للدور الذي لعبه مع كتائب عز الدين القسّام (الجناح العسكري لحركة حماس) والمتمثل في تطوير بعض أسلحة المقاومة ولا سيما «طير الأبابيل» وهي طائرات دون طيار استعملتها كتائب القسّام في حربها مع إسرائيل سنة 2014...
ولكن ينبغي أن نؤكد مرة أخرى أننا بصدد رواية إعلامية لم ترق بعد إلى الحقيقة الأمنية أو القضائية وإن كانت مؤيدات هذه الرواية كثيرة ومن مصادر متنوعة...
وفي كل الأحوال فلقد تم الاعتداء على سيادة تونس وعلى حرمة أراضيها مرة أخرى من قبل الكيان الصهيوني كما تم استفزازنا مجددا بتصوير إحدى القنوات الإسرائيلية لريبورتاج في صفاقس بالذات وأمام دار الشهيد محمد الزواري!!
لا شك أن هنالك هنات في أداء منظومتنا الأمنية (وهل تسلم منظومة أمنية واحدة في العالم من الهنات؟) وأن تعامل السلط التونسية، وخاصة السياسية والقضائية، لم يكن، في البداية، منسجما مع خطورة هذه الجريمة ولا في مستوى التحديات التي تطرحها على أمننا القومي...
ولا شك أيضا أن تركيز السلط القضائية المحلية في البداية على توصيف عملية الاغتيال بكونها جريمة حق عام لا جريمة ارهابية فيه ما يثير الدهشة والاستغراب والحال أن الفصل 13 من قانون مكافحة الإرهاب واضح وصريح إذ نجد فيه: «يعد مرتكبا لجريمة إرهابية كل من يتعمد بأي وسيلة كانت تنفيذا لمشروع فردي أو جماعي ارتكاب فعل من الأفعال الآتية يهدف، بحكم طبيعته أو في سياقه، إلى بث الرعب بين السكان أو حمل دولة أو منظمة دولية على فعل أو ترك أمر من علائقهما:
أولا: قتل شخص، (...)».
ولكن تم التلافي النسبي لهذه المعالجة الاتصالية السيئة لملف اغتيال الشهيد محمد الزواري يوم أمس مع تعهد القطب القضائي في مكافحة الإرهاب بقضية الاغتيال وكذلك مع الندوة الصحفية لوزير الداخلية والتي أعطى فيها لمحة مستفيضة عما تعرفه الوزارة عن نشاط الفقيد وعن أطوار القضية والتي بدأت تخطط لها عناصر أجنبية منذ شهر جوان الماضي مما دفع الوزير إلى اتهام «جهات أجنبية» دون تفصيل نظرا لكون التحقيق لم يفض بعد إلى نتائج حاسمة في هذا المجال وإن كانت كل الأنظار والشكوك والاتهامات متجهة بوضوح إلى الموساد... وتواصل هذا التصحيح مع الاجتماع الذي ضم كلا من رئيس الحكومة ووزيري الدفاع والداخلية والذي أكد فيه السيد يوسف الشاهد أن حرمة التراب التونسي خط أحمر وأن الدولة ستبذل قصارى جهدها لمتابعة كل المتورطين والمتواطئين في هذه الجريمة النكراء.
إذن هنالك ولا شك نقائص وهنات أمنية واتصالية وسياسية أقر ببعضها وزير الداخلية ذاته في ندوته الصحفية... ولا شك أن تحسين أداء مختلف أجهزتنا للتوقي من كل عملية اختراق من أي جهة كانت أمر ضروري... ولكن لا ينبغي أن نهدّم بأيدينا ما بنيناه إلى حد الآن، رغم نواقصه، إذ من غير المعقول ومن غير الأخلاقي أن يتم اتهام الدولة التونسية بمختلف أجهزتها بالتواطؤ في هذه الجريمة النكراء مع الكيان الصهيوني أو غيره... ولا نفهم ولا يمكن أن نفهم أن يسمح بعض نواب الشعب لأنفسهم باتهام دولة بلادهم بهذا فهذه مراهقة سياسية وسعي محموم لاستثمار سياسوي في قضية – القضية الفلسطينية – وحّدت الشعب التونسي حولها منذ أربعينيات القرن الماضي...
بعض ساستنا لا يملكون الحد الأدنى من الحياء وهم يلمحون بل ويصرحون بأن الدولة التونسية قد تكون مسرورة باغتيال الشهيد محمد الزواري (نعم هكذا !) ونفس هؤلاء يستنكفون، إلى اليوم، من إجلال شهداء تونس في حربها على الإرهاب ونقصد هنا خاصة الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي...
النخب الجدية تتوحد أمام المخاطر الخارجية والداخلية التي تهدد أمنها القومي وتزهق أرواح مواطنيها.. أما نحن في تونس – لا نعمم هنا – فحتى غضبنا للشهداء انتقائي نقصد من ورائه غنم مواقف سياسوية تسيء لهؤلاء السياسيين قبل أن تنفع أحدا...
نقول ونكرر: لقد أثبتت عملية اغتيال الشهيد محمد الزواري أن أمننا القومي مهدد من قبل أكثر من جهة وأننا اليوم وغدا مطالبون بمزيد تحسين أداء منظوماتنا الأمنية وبخاصة في جانبها الاستخباراتي.. ولكن هذا لا ينبغي أن يدفعنا إلى إنكار ما نحن بصدد إنجازه من نجاحات أمنية ومن عمل دؤوب وجدي لقواتنا الأمنية والعسكرية..
نحن مع النقد، والنقد اللاذع إن لزم الأمر... ولكن لغة التخوين تهدر الطاقات وتشتت الجهود وتبعث الارتياب والحال أن بلادنا في حاجة، اليوم وغدا، إلى تضامن كلي حتى نرفع ونحسّن من أدائنا الفردي والجماعي أمنيا وسياسيا وقضائيا...
أما بعض الجدل الحاصل على شبكات التواصل الاجتماعي حول إطلاق صفة الشهيد على الفقيد محمد الزواري فهي كالزبد الذي يذهب جفاء... فبالنسبة لتونس دولة ونخبا وشعبا القضية الفلسطينية قضية عادلة وهي قضيتنا وكل الفصائل الفلسطينية أيا كان توجهها هي فصائل مقاومة باستثناء الجماعات قليلة العدد التابعة للدواعش أو للقاعدة... وعليه فلا نتردد في وصف كل مناضلي هذه الفصائل من فلسطينيين وعرب عندما تستهدفهم الآلة الصهيونية بأنهم شهداء القضية الفلسطينية...
شهداء نعتز بهم حتى وإن كنا لا نشاطرهم توجهاتهم الفكرية والسياسية...
عندما ندرك أن هنالك قضايا أهم من الاصطفافات الحزبية والعقائدية الغبية... نكون بحق نخبا جدية قادرة على البناء...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا