بعد مؤتمر الاستثمار «تونس 2020» حتى لا تعود حليمة إلى عادتها القديمة...

عــاشت تـونس على امتداد اليومين الأخيرين على وقع المؤتمــر الــــدولي للاستثمـار «تونس 2020» بين متفائل بغلق قوس الأزمة الاقتصادية ومتشائل يعمل وفق القاعدة الشعبية «ما نصدّق كان ما نعنّق». ولكن الأعناق ستعود من جديد للتركيز على القضايا التونسية

التونسية بما فيها من حسابات وحرب تموقعات وفئويات...
ولكن قبل توديع الجانب الفرجوي في مؤتمر الاستثمار لا بد من التأكيد بأنه من مسؤولية السلطة الحاكمة اليوم والإدارة التونسية كذلك أن تحوّل هذا الكم الهائل من النوايا والمعاهدات (أكثر من 30 مليار دينار حسب آخر تحيين) إلى إنجازات فعلية وإلى انطلاقة جدية لنمو قوي ودائم...

لا شك أن جزءا هاما من النوايا المعلنة في هذا المؤتمر هي في شكل قروض للتنمية أي ديون إضافية للدولة...

ولكن المهم هنا هو أن تذهب فعلا إلى مشاريع استثمارية في البنية التحتية وفي فك عزلة الجهات الداخلية وفي إنجاز مشاريع كبرى صناعية وخدماتية وسياحية من شأنها أن تبدأ في تغيير الحياة اليومية للمواطنين..

وهذا العمل ليس بالهيّن وكل ما نخشاه أن تطغى عليه مشاكلنا ومشاغلنا الصغيرة فنضيّع هذه الفرصة الهامة على البلاد ونعمّق صورة سلبية لدى أهم شركائنا الذين قد ييأسون منّا بصفة نهائية ويضعوننا في خانة الدول غير الجدية...
ينبغي أن نعلم منذ الآن أن استيعاب هذا الزخم الإضافي من الاستثمارات المباشرة ومن القروض في ظرف سنوات قليلة يقتضي منا ما يسميه الفلاسفة بثورة كوبرنيكية... أي ثورة تتطلّب تغيير زاوية النظر بصفة راديكالية...
لن نخترع شيئا جديدا... يكفي أن ننظر إلى تجارب الدول التي نهضت باقتصادياتها وبمجتمعها في وقت قصير نسبيا وانتقلت من وضعية البلدان المتخلفة إلى مصاف الدول المتقدمة أو القادمة إلى المراتب الأولى بعجل...
ماذا فعلت هذه البلدان؟

أوّلا وقبل كل شيء: العمل ثم العمل ثم العمل... لقد وضعت هذه الدول سياسات عمومية إرادية لتحرك كل إمكانياتها الإنتاجية والإبداعية بأقصى سرعة ممكنة... فالفرق اليوم بيننا وبينها هو كالفرق بين التلميذ سنة الباكالوريا الذي يبدأ بالاستعداد الجدي للامتحان في أواسط شهر أفريل وبين ذلك الذي يبدأ بأقصى سرعة ويعتبر أن كل يوم هو امتحان باكالوريا وذلك منذ أواسط سبتمبر...
لو أردنا أن ننهض فعلا فعلينا اعتبار كل يوم عمل، بل كل ساعة عمل وكأنها قضية حياة أو موت...

لا يعني هذا أنه ينبغي منع الإضرابات أو الاحتجاجات، فهذه حقوق دستورية هي إحدى مكونات الديمقراطية... نحن نتحدث عن العمل بمفهومه العام، عمل المستثمر وصاحب المؤسسة والإطار السامي والعامل والموظف والتلميذ والطالب والسياسي والناشط الجمعياتي والإعلامي... يحب أن نضع نصب أعيننا جميعا مردودية هذا العمل وجودته وقدرته على فتح آفاق جديدة...

والعمل ليس جهدا فرديا أو موقفا خلقيا... إنه أولا وقبل كل شيء منظومات عقلانية في كل مجالات النشاط الإنساني الهدف منها اقتصاد الوقت والجهد من أجل النتيجة الأرفع والأفضل...
فعندما ينتظر مواطن وثيقة إدارية ما لمدة 10 أيام بينما كان بالإمكان الحصول عليها بعد خمس ساعات مثلا فذلك دليل على ذهاب الوقت والجهد والإنجاز سدى...

يبدأ الإقلاع الفعلي لا بتحقيق نوايا الاستثمار المعلن عنها في هذه الندوة بل في ملاحقتنا، جميعا، لكل هذه الساعات والأيام والأسابيع والأشهر المهدورة في كل القطاعات وفي كل المجالات... وهذا يتطلب تغيير العقليات والقوانين والإجراءات.. فقبل إنجاز عمل ما لا بد من تغيير فلسفة العمل في بلادنا...

فما المطلوب من الوثيقة «س» مثلا؟ هل هي إرهاق طالب خدمة ما أم هل وضعت لتيسير الوصول إلى خدمة أهم؟ وما يصحّ على هذه الوثيقة يصحّ على كل إجراءاتنا الإدارية والتي وضعت جلّها قبل رقمنة الوثائق الإدارية..
فلماذا نطلب من يريد تجديد بطاقة تعريفه الوطنية شهادة إقامة وشهادة عمل وهو لم يغيّر مقرّ إقامته أو عمله؟ لِمَ لا نُعوّل على نزاهة المواطن ونشدد العقوبة على من يروم التزوير؟
أليس من الأجدى في كل الوثائق الإدارية التعويل على تصريح المواطن المعني بالأمر بدل اتهامه في كل معلومة يقدمها عن نفسه وطلب تجديد نفس الوثيقة في كل عملية تجديد؟!!
أما عن الوثائق المطالب بها المستثمر المحلي أو الأجنبي فحدث ولا حرج وما يتبع ذلك من آجال جنونية للتحصيل على رخصة الوالي و...و...و...

والحال أن الاعتماد على التصريح يجنبنا إضاعة الأسابيع والأشهر فبلادنا تخسر سنويا مئات الآلاف من الأعوام في إجراءات إدارية لا فائدة منها ولا طائل من ورائها.
وبلاد تخسر هذا الحجم الهائل من السنوات تفقد ولا شك فرصا ضخمة للعمل وللإنتاج ولخلق الثروة...

ثم لا توجد دولة نهضت في العالم لم تضع النهوض السريع بمنظومتها التربوية والتكوينية في صدارة اهتماماتها ولم تعمل بجدّ وكدّ على الرفع المستمر من مردودية المدرسة ومن تحسين مكاسب التلاميذ... ماذا نفعل نحن منذ عدة سنوات وخاصة في هاتين السنتين الأخيرتين؟

صراع مستمر بين الوزارة وبين النقابات... والكل يدّعي حبّا في المدرسة العمومية... والنتيجة هي انعدام ثقة التونسي شبه الكلية في هذه المدرسة العمومية المجانية الديمقراطية.. فما بالك بالحديث عن تحسين الأداء والمردودية ومكاسب التلاميذ...

لا وجود لحلول سحرية... دون عمل ودون الفاعلية القصوى لكل منظوماتنا القانونية والإدارية والقضائية ودون الرفع المستمر من مستوى التكوين والتعليم لا أمل بمستقبل أفضل للبلاد أيّا كانت نوايا الاستثمار وتعاطف الأوساط الدولية معنا...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا