الندوة الدولية للاستثمار «تونس 2020» نجاح تونس يبدأ من هنا

تنطلــق اليــــوم فعاليات الندوة الدولية للاستثمـــار «تونس 2020» بطمــــوحات ضخمة رغم تعثرات البداية فلقد تمكنت الفرق المسؤولة عن إعداد هذه الندوة من تقديم 142 مشروعا ما بين القطاع العام (64) والقطاع الخاص (44) وما هو مشترك بين القطاعين العام والخاص (34)

وكل ذلك بكلفة قدرت بحوالي 67 مليار دينار أي بمعدل نصف مليار دينار للمشروع الواحد وهو ما يعطينا فكرة أولية على ضخامة المشاريع المقدمة وأننا أمام ما يسمى بالمشاريع المهيكلة (Projets structurels) أي تلك التي تغير معطيات الواقع الحاف بها عندما يتم انجازها.

وبغض النظر عن السجالات التونسية التونسية حول توقيت الندوة وجودة الاستعداد لها فالأساسي اليوم أن تجد نسبة هامة من هذه المشاريع طريقها للتمويل بداية وللانجاز السريع ثانية.. وطموح الحكومة معقول هنا اذ تعتبر أن تجاوز حاجز 10 مليار دينار هو دليل نجاح هذه الندوة..

ولكن الأهم من الأرقام - على أهميتها القصوى - هو تغيير صورة العالم لنا أو بالأحرى تحويل الانطباع الجيد جدا عن نجاحنا في الانتقال الديمقراطي الى استثمار كثيف لانجاح التجربة التونسية اقتصاديا واجتماعيا..

الواضح، بداية، ان فرنسا وقطر «الدولتين الراعيتين للندوة» سوف تنزلان بكل ثقلهما لأنهما راهنتا كثيرا على نجاح هذه الندوة.. والواضح أيضا أن بلادنا ستكون على امتداد هذه الأيام القليلة قبلة لكبار المستثمرين الأجانب لا لانجاز مشاريع مباشرة بالضرورة ولكن للاطلاع على أوضاع البلادوفرص الاستثمار فيها ومدى مردوديتها على المديين المتوسط والبعيد أيضا.. وكذلك لمعرفة نسبة المخاطر المحدقة بالعملية الاستثمارية من النواحي القانونية والاجرائية والأمنية والاجتماعية والبشرية...

الأساسي خلال هذه الأيام القليلة هو البدء الفعلي في الاستثمار الاقتصادي لصورة تونس السياسية... فهذه الديمقراطية العربية الوليدة والتي تثير إعجاب الجميع، خارج حدود الوطن، محتاجة اليوم الى صورة اقتصادية وأمنية واجتماعية ايجابية حتى تصبح قبلة فعلية للاستثمار في منطقة المتوسط.. وفي الحقيقة لا ينقصنا شيء كثير لنحقق هذه النقلة.. فالاستثمار في تونس مازال مربحا ومغريا رغم كل صعوباتنا الاقتصادية والاستقرار في بلادنا أقوى وأصلب بكثير مما نعتقد.. فالاستقرار في العالم الحديث لا يكمن في القبضة الحديدية للنظم الاستبدادية بل في حسن اشتغال المؤسسات الديمقراطية وفي عدم ارتهان مستقبل البلاد بالمستقبل الشخصي لـ«الزعيم».. وفي هذا وضع تونس لا يقارن بأي بلد عربي آخر وهذا عنصر هام للغاية في كل الاستراتيجيات الاستثمارية خاصة بالنسبة للشركات الكبرى.
ولكن كل هذا لا يعفينا من ضرورة أقلمة منظوماتنا القانونية والادارية والاجتماعية مع متطلبات المناخ الاستثماري الجيد.. وعلى عكس ما يعتقد بعضنا فالاستثمار يشترط مقاومة الفساد والرشوة والاقتصاد الموازي وكذلك البيروقراطية التي لا معنى لها سوى تتكرار اجراءات مفرغة من كل مضمون وجدوى وفائدتها الوحيدة لا تتجاوز مصلحة وسلطة من يقرها ويدعمها ويتشبث بها..

كما أننا مطالبون بمراجعة جدية وعميقة لمنظومتنا التكوينية والتربوية والارتقاء بها حتى نكون قادرين على استجلاب الاستثمارات ذات القيمة المضافة المرتفعة...

فكما ترون كل الاصلاحات الجدية مترابطة ببعضها البعض ولا معنى لأي عنصر فيها ان كان معزولا أو ان رمنا اصلاحه وفق منظور ضيق لا يراعي هذا المجال الرحب والفسيح للاصلاح..

تمثل هذه الندوة الدولية فرصة هامة لتونس لكي تثبت بأن لديها قدرة على استيعاب الاستثمارات الضخمة بمختلف أصنافها وأن لها ادارة لديها القدرة على المصاحبة الايجابية وعلى تذليل كل الصعاب بدل اختلاق بعضها وان منظومتنا القانونية والادارية تحارب الفساد وتضمن المنافسة النزيهة وشفافية كل المعاملات المالية وتعطي أصحاب الحقوق حقوقهم دون التلويح بشيء ما «تحت الطاولة».. فاليوم العالم ينظر الينا بتعاطف واضح.. ولكن لو فشلنا في هذا الامتحان فسوف نخرج من دائرة الضوء لسنوات طويلة..
ولا ينبغي أن يخشى السياسيون من حيوية حياتنا العامة وكثرة اختلافاتنا فهذه مظاهر ايجابية في كل ديمقراطية.. فالأساسي كما أسلفنا، ليس هنا بل في توفير المناخ الملائم للاستثمار حتى نحقق الانتعاشة الاقتصادية المرجوة..

وهنا ينبغي أن يكون أصحاب المؤسسات الاقتصادية التونسية في طليعة هذا الجهد وأن يبادروا بالمغامرة في المناطق التي تبدو صعبة لأن الاجنبي لن يراهن على بلادنا ان لم نراهن نحن بداية عليها...
مؤشرات عديدة تفيد بأن البداية ستكون جيدة.. وعلينا نحن أن نثبت بأن تونس تتحول بخطى ثابتة لكي تصبح أرض العمل والاجتهاد والابتكار..
الطريق صعبة ولا شك.. ولكن لا نجاح لنا جميعا الا بانتهاجها..
وعندما تخرج بلادنا نهائيا من منطقة النمو الهش والبطالة المرتفعة سوف ندرك كلنا بأن هذه الجهود لم تذهب سدى..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا