الفصل 75 من قانون المالية: صك بلا رصيد

تتواصل مسيرة الكرامة وتحرك العشرات من المحتجين

الذين غادروا منزل بوزيان سيرا على الأقدام في اتجاه قرطاج، للمطالبة بتفعيل فصول القانون عدد 18 لسنة 2025، مؤثثة مشهدا يتجاوز اختزاله في أفراد أو مجموعة تضغط على الدولة ومؤسساتها لتنفيذ قانون صادقت عليه المؤسسات، بل وخصص له فصل في ميزانية 2026 واعتمادات مالية. فخلف هذا المشهد طبقات ومستويات من المفارقات والتعقيدات يمكن أن تندرج كلها تحت مظلة تعثر الدولة عن الإيفاء بالتزاماتها وتآكل مصداقيتها.

فحينما تمت المصادقة على القانون عدد 18 ونشره في الرائد الرسمي في سبتمبر 2025، ثم المصادقة بعد شهرين على فصل خاص به في قانون المالية لسنة 2026، نص على تخصيص اعتمادات لانتداب الدفعة الأولى من المنتفعين به، قدمت السلطات ما يمكن اعتباره خطة والتزاما قانونيا وماليا سيدخل حيز التنفيذ. وذلك في إطار خطة أشمل تضمنها قانون المالية لسنة 2026، الذي أحدث أكثر من 52 ألف وظيفة تتوزع بين تسوية وضعيات وانتدابات جديدة، وقيل في النقاشات التي رافقت مسار المصادقة عليه إن جزءا منها سيخصص لمن طالت بطالتهم.

يومها قدمت الاعتمادات المرصودة والنصوص القانونية على أنها جزء من السياسات الاجتماعية للدولة، التي وجدت نفسها تكرر تجربة القانون عدد 38، وإن اختلفت بعض التفاصيل، وأهمها أنها خصصت اعتمادات مالية في ميزانيتها وفصولا قانونية. ولا يعلم اليوم إن كان غياب تنفيذها يقتصر على تأخر وتعثر، أم إنها ألغت المخصصات المالية أو أعادت توجيهها إلى أبواب إنفاق أخرى.

إذ إن السلطة اختارت الصمت وعدم شرح لماذا تأخرت في تنفيذ تعهداتها القانونية والمالية، بعد أن كانت قد تعهدت في أفريل الفارط بقرب انطلاق منصة التسجيل الخاصة بانتداب من طالت بطالتهم وتحديد الدفعة الأولى المنتفعة بالانتداب، لكن مرت ستة أشهر تقريبا دون أي جديد، رغم تعدد الحركات الاحتجاجية المطالبة بتفعيل القانون وتصاعد حدتها.

والصمت كخيار اتصالي يمكنه أن يشرح الكثير إن وضع في سياقه الداخلي والعالمي. دوليا، تونس، كغيرها من الدول المستوردة للنفط، تعرضت لتداعيات الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران وانعكاساتها على أسعار الطاقة العالمية، وهذا ارتد سلبا على ماليتها العمومية، خاصة وأنها افترضت سعرا مرجعيا للنفط أقل من 65 دولارا للبرميل، والحال أن متوسط سعر برميل النفط بين مارس وسبتمبر الفارط كان في حدود 95 دولارا للبرميل.

الفرق هنا هو 30 دولارا كمعدل/متوسط، يرتفع وينخفض وفق السوق، وانعكاسه المالي المباشر على نفقات الدعم سيقترب مع نهاية السنة من 5 مليارات دينار، إن انطلقنا من مؤشر قدمته مؤسسات الدولة وسلطتها طوال هذه السنوات، وهو أن ارتفاع سعر برميل النفط بدولار يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الدعم بـ164 مليون دينار تونسي.

وهذا يولد ضغطا ماليا على الميزانية التي اختلت أهم فرضياتها، من سعر النفط ونسب النمو وحجم العجز، ويترك مؤسسات السلطة التنفيذية أمام خيارات محددة، يبدو أنها هذه السنة قد تقلصت أكثر. ففي السنوات السابقة كان يتم اللجوء إلى نفقات الاستثمار وتوجيهها إلى أبواب أخرى لمعالجة الاختلالات، وقد ظهر هذا في التقارير المالية اللاحقة التي بينت أن نسب تنفيذ ميزانية الاستثمار لم تتجاوز 30 بالمئة.

وهذه السنة يبدو أن هذه المناورة التي استمرت لأكثر من عقد انتقلت إلى أبواب صرف جديدة، وهي نفقات التسيير، وهو ما قد يشرح تأخر تنفيذ القانون عدد 18 وتعثر خطط الانتدابات وتسويات الوضعيات التي قدرتها الحكومة بأكثر من 50 ألفا، وهذا قد يكون مؤشرا عن انتقال أزمة المالية العمومية إلى نفقات التسيير.

وهذا، إن تم، فلا يمكن أن تديره السلطة التنفيذية بذات الخيار المعتمد على الصمت وإعادة توجيه الموارد المالية وترتيب الأولويات، وانتظار معجزة لن تقع. فنفقات التسيير هي نفقات ثابتة متكررة، كلفتها ممتدة، وبلوغ المالية العمومية مرحلة عدم القدرة على الإيفاء بالتعهدات المالية المقررة والمرصودة قد لا يقف عند معضلة تفعيل القانون عدد 18 والانتدابات، بل ستظهر تباعا في ملفات أخرى. ولكن قبل ذلك ستتأثر مصداقية الدولة ومؤسسات الحكم، لا فقط لدى المحتجين المطالبين بانتدابهم، بل لدى كل القطاعات والشرائح، إن استمر الصمت وتركت كل الاحتمالات مفتوحة.

وهنا، الأمر يتجاوز قدرة الدولة على الإيفاء بتعهداتها السياسية والقانونية، فالأمر قد يصبح متعلقا بقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها المالية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115