متواصل من أجل تركيز المجلس الأعلى للتربية “في أقرب الآجال”. تصريح في ظاهره لا يحمل جديدا فقد سبق وتم التأكيد في أكثر من مناسبة على ذات الأمر منذ إدراج المجلس ضمن مؤسسات دستور 2022. لكن في العمق، يكشف هذا التصريح أن تونس ستظل في انتظار ولادة المؤسسة التي يفترض أن تكون عقلها الاستراتيجي في ملف التربية والتعليم.
انتظار سيكون مكلفا، ذلك أن المجلس الأعلى للتربية ووفق تصوره الدستوري ليس مجرد هيكل إداري أو هيئة استشارية بل جهاز دولة مكلف بوضع الرؤية الكبرى للمدرسة التونسية، وقيادة الإصلاح التربوي، وضمان أن تكون السياسات التعليمية خارج منطق الظرفية. فإن نظرنا إلى التعليم كقضية سيادة فلا يمكننا أن نترك مستقبل المدرسة رهين التسيير اليومي وإدارة الحاضر، بينما يجب علينا أن نفكر في المستقبل، في شكل المجتمع، وفي طبيعة الاقتصاد، وفي المواطن الذي تريد الدولة تكوينه بعد عشرين أو ثلاثين سنة.
وهذا تحديدا دور المجلس، كمؤسسة تجمع المعطيات والخبرات، وتقرأ التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية، وتحول التعليم من ملف قطاعي إلى سياسة دولة طويلة المدى. أي أن يكون “العقل الاستراتيجي” الذي وللأسف لا يزال في حالة عطالة رغم استكمال بنائه الدستوري والقانوني بصدور المرسوم المنظم له في 2024، واستكمال النصوص المتعلقة بتنظيمه الإداري والمالي في 2025.
كما تم تحديد مقره وتخصيصه بل وزاره الرئيس في عيد الشجرة، غير أن كل ذلك لم يسفر عن تقدم فعلي في مسار تركيزه، على الرغم من المهام المعلقة التي لا تنجز دونه وهي إعادة بناء المنظومة التربوية التي تمر عبر صياغة رؤية وطنية لإصلاح التعليم واستراتيجيات هذا الإصلاح وخارطة تنفيذه.
وهو ما يجعل من التأخر خطرا مكلفا في ظل أزمة بنيوية عميقة تهدد وظيفة المدرسة نفسها. وهو ما تشرحه المعطيات والأرقام الصادرة عن المسح الوطني العنقودي الذي أجرته اليونيسف ونشرت تفاصيله في فيفري 2024، حيث كشفت أن تونس عرفت تدهورا في مؤشرات تتعلق بالمنظومة التربوية، فقد بينت المؤشرات أن نسبة مرتفعة من الأطفال بين 7 و14 سنة لا يمتلكون الحد الأدنى من المهارات، 36% منهم لا يمتلكون المهارات الأساسية في القراءة سنة 2023 فيما كانت 34% سنة 2018. كما كشفت أن 68.3% من الأطفال في ذات الشريحة العمرية لا يمتلكون الحد الأدنى من الكفاءات الأساسية في الرياضيات.
وهو ما يتم الإشارة إليه في تقرير المسح بـ"الفقر التعلّمي"، حيث إن نسبا هامة من الأطفال يدرسون دون اكتساب المهارات الأساسية المناسبة لأعمارهم. وليس هذا فقط بل أبرز التقرير الترابط المباشر بين الحرمان متعدد الأبعاد والتعثر الدراسي. فالأطفال الذين يعيشون أوضاع حرمان غذائي أو سكني أو صحي يكونون أكثر عرضة للفشل المدرسي والانقطاع عن التعليم، إذ إن الأطفال المنتمين إلى الأسر الفقيرة يواجهون صعوبات أكبر في النفاذ إلى تعليم جيد.
كما كشف التقرير أن الأطفال في المناطق الريفية والولايات الداخلية أكثر عرضة للتسرب وضعف النتائج التعليمية مقارنة بالمناطق الحضرية. وهم الشريحة الأكثر حضورا في جموع المغادرين لمقاعد الدراسة الذين يتراوح عددهم بين 63 ألفا و100 ألف طفل سنويا، نسبة هامة منهم من الأطفال الذكور في المناطق المهمشة.
وذات عناصر الهشاشة تبرز في علاقة بالتعليم المبكر، إذ إن 17% من الأطفال بين 3 و5 سنوات الأكثر فقرا هم خارج مؤسسات الطفولة المبكرة، في حين أن المعدل الوطني هو 47.2%، وهي نسبة شهدت تراجعا بـ3.4 نقاط عما كانت عليه في 2018.
وهذه ليست مجرد مؤشرات تقنية أو أرقام بيداغوجية، بل هي صورة تكشف ببساطة أن المدرسة التونسية فقدت قدرتها على أداء وظائفها التاريخية، فحين يعجز طفل من كل ثلاثة عن امتلاك مهارات القراءة الأساسية، لا تصبح الأزمة مرتبطة بالمناهج فقط، بل بقدرة الدولة نفسها على إنتاج مواطنين قادرين على الاندماج الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وحين يفشل أغلب التلاميذ في اكتساب الحد الأدنى من الكفاءات الرياضية، فإن الأمر يتحول إلى أزمة تنمية وإنتاجية وكفاءة.
وحين تصبح المدرسة غير قادرة على إنتاج المعرفة والمساواة، فإنها تعجز عن القيام بدورها كمصعد اجتماعي يقلص الفوارق، وهو ما تكشفه أرقام الانقطاع المدرسي، الوجه الاجتماعي الأكثر قسوة لأزمة التعليم في تونس، ولهذا فإن كل تأخير في تركيز المجلس الأعلى للتربية يحول دون أن تكون لنا خطة وطنية للإصلاح، خطة تعيد تعريف علاقة الدولة بالمعرفة والاقتصاد والمجتمع.
فالمنظومة التربوية ترتبط اليوم بكل شيء، بسوق الشغل، والتحول الرقمي، والعدالة الاجتماعية، والهوية الثقافية، والتنمية الجهوية، ويستوجب إصلاحها "عقلا استراتيجيا"، عقلا يفكر بمنطق العقود لا بمنطق السنة الدراسية، لكنه لم يبدأ العمل بعد. والسؤال الذي يفرض نفسه هو لماذا التأخير رغم وضوح الأزمة وخطورة المؤشرات؟
والجواب يتضمن الجانب السياسي، فتركيز القرار داخل مؤسسة الرئاسة أدى إلى فرض نسق الرئاسة على مسار تركيز المجلس، وهذا التثاقل قد يكون جراء الخشية من أن يتحول "العقل الاستراتيجي" إلى مركز رمزي وفكري مستقل عن مؤسسات السلطة التنفيذية التي تخشى أن تقود هذه الاستقلالية إلى صدامات في أكثر الملفات حساسية وتعقيدا، ملفات تحمل في داخلها إمكانات صدام سياسي واجتماعي وثقافي واسع. لذلك يبدو أن السلطة اختارت التدرج البطيء والحذر في بناء المجلس، بدل إطلاقه بسرعة كمؤسسة مستقلة وفاعلة.
لكن كلفة هذا التأخر باهظة، فكل سنة تتأخر فيها عملية الإصلاح تخسر تونس جزءا من رأسمالها البشري. فأخطر ما في تأخر تركيز المجلس الأعلى للتربية هو تأخر ولادة العقل الذي يفترض أن يفكر في مستقبل البلاد خارج منطق إدارة الأزمات اليومية.
المجلس الأعلى للتربية: العقل الاستراتيجي الذي لم يولد بعد
- بقلم حسان العيادي
- 15:00 14/05/2026
- 29 عدد المشاهدات
مرة اخرى يؤكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد أن العمل