ترامب في خطابه الى الامة الامريكية: اعادة تعريف الحرب والسياسة

انتظر العالم خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

على أمل أن يحمل إجابات تنهي حالة الضبابية والتوتر التي نعيش على وقعها، لكن الخطاب فاقم من ضبابية المشهد وأربك الجميع، إذ خلا من أية استراتيجية واضحة لإنهاء الحرب أو احتواء تداعياتها، مكتفيا بالتصعيد والفراغ الذي يحيط به، بلا أفق تفاوضي، ولا إشارة إلى مخرج، ولا حتى وعد بنهاية قريبة للحرب.
خطاب كان أقرب إلى استعراض قوة مكتمل العناصر، يقترب من أن يكون "خطاب نصر"، حيث حرص الرئيس الأمريكي على تقديم ما يشبه جرداً للإنجازات العسكرية، والتي تتضمن، وفق قائمته، تصفية معظم قادة الصف الأول للنظام الإيراني، وتدمير البنية التحتية العسكرية، ومنصات الصواريخ، والقوة البحرية الإيرانية، إضافة إلى ضرب الصناعات العسكرية وامتداداتها المدنية، مع تهديد بإعادة إيران إلى العصر الحجري.
في مقابل تعداد الخسائر في الجانب الإيراني، تضمن الخطاب ما يمكن اعتباره العنصر الأكثر دلالة، وهو محاولة تثبيت أن الولايات المتحدة غير متضررة من الحرب، لا اقتصادياً ولا استراتيجياً، وأنها غير مهددة بأية آثار سلبية جراء غلق مضيق هرمز، في رسالة موجهة إلى الداخل مفادها أن الحرب منخفضة الكلفة على الجانب الأمريكي، وأن ما تحقق من إنجازات ومكاسب لا يقتصر على البعد العسكري أو الاستراتيجي، بل قد يمتد ليشمل مكاسب اقتصادية في حال استمرار أزمة الطاقة العالمية. فوفق ترامب، باتت الولايات المتحدة المنتج واللاعب الرئيسي في سوق الطاقة الدولية، وهي تعرض نفطها على الأوروبيين لتعويض النفط الخليجي.
خطاب قدم فيه ترامب صورة تتجه فيها امريكا نحو النصر في حرب غير مكلفة، بما يوحي بأنه يهيئ الشارع الأمريكي لعدم إنهائها خلال الأسابيع القليلة القادمة على الأقل. فهو، وإن حافظ على إشارته إلى أن الحرب يمكن أن تنتهي خلال أسبوعين، لم يقدم أي التزام فعلي بنهايتها، ولا تصورا واضحا لكيفية إنهائها.
وهذا أخطر ما في الخطاب، غياب أي تصور للنهاية، أو اعتراف بالكلفة، فهذا يوحي بأننا أمام حرب تُدار بمنطق إبقاء المنطقة في حالة سيولة استراتيجية مفتوحة على كل الاحتمالات، في ما يشبه إعلاناً غير مباشر عن دخول طور التصعيد الطويل والمعقد، تصبح فيه الحرب أفقا مفتوحا.
خطاب يكشف أن الشرق الأوسط بات اليوم أسير زمن رمادي. لا حرب حسمت، ولا سلام يهيأ له، زمن سمته الأساسية استمرار القتال والتصعيد والتوتر، حتى وإن بدا أحيانا منخفض الحدة، ما يعني خطر أن تصبح المنطقة أسيرة لنمط من الحروب الدائمة التي تؤسس لقواعد جديدة.
هذا النمط لا يعيد فقط تشكيل موازين القوى العسكرية، بل يعيد تعريف معنى الاستقرار ذاته لا في المنطقة بل في العالم برمته، حيث لا تصبح نهاية الحرب هي الغاية، بل إدارة التوتر والتحكم في مستوياته واحتواء التداعيات، بما يجعل دول العالم مخيرة بين ان تتكيف مع الحرب وان تنخرط فيها .فهذا "الزمن الرمادي" يفرض كلفته على الدول والمجتمعات التي ستتأثر سلبا بحالة اللايقين الاقتصادية وارتفاع الاسعار اي انها ستكون مهددة بالاستنزاف طويل المدى، وهذا ما لمح له ترامب باشارته الى ان غلق مضيق هرمز لا يشكل تهديدا بالمصالح الامريكية بقدر ما يشكل تهديد لبقية الدول التي يعرض عليها اليوم ان تكون جزء في تحالف لاستعادة السيطرة على المضيق.
وهذا هو تصور ترامب لكيفية إدارة الحرب في المرحلة القادمة. تصور لا يبحث عن نهاية سريعة، ولا يعوّل على التفاوض والتسويات بل يقوم على خيارين، تحالف دولي لحسم الحرب كليا او إدامة الحرب ، التي ان استمرت ستشكل إطار جديد للعلاقات الدولية والإقليمية، يعاد فيه تشكيل الزمن السياسي ذاته في المنطقة والعالم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115