الجامعات التونسية: في ظل غياب الرؤية

لطـــالما انتـقـد المحللون والخبراء والسياسيـــــــون المعارضون وغيرهم من الفاعلين غياب الرؤية السياسية في هذا السياق التاريخي المفصلي الذي تمر به البلاد وهي مسألة مرتبطة بمدى وعي من تقلدوا المناصب بالشروط الواجب توفرها في المُسيّر كالحنكة السياسية وتراكم الخبرات

والمعرفة المتكاملة بخصوصية السياق فضلا عن الإلمام الواسع بالدراسات الاستشرافية .ولئن كان عذر المجموعة الأولى التي تولت تسيير تونس أنها وجدت نفسها تحت محك التجربة والحال أنها تعوزها المعرفة والخبرة فإن الذين تداولوا تباعا على المناصب القيادية لم يُبرهن أغلبهم على انشغال كبير بصياغة مشروع متكامل يرسم فيه سياسية وزارته/ها إن كان على المستوى القريب أو البعيد. والظاهر أنّ المعضلة مستمرة إذ قلما لمسنا تغييرا في مثل هذا المستوى.

ها قد مرّت شهور على تقلّد وزير التعليم العالي منصبه ولم نتبين إلى حد الآن، خطة عمله ولم ندرك ملامح سياسته أو تصوره الخاص للأكاديميا في مرحلة الانتقال الديمقراطي(الإطار التدريسي، الطلبة، المكتبات ، والكتب والنشريات المستعملة في المجال البحثي والثقافة الحافة بكل هذه الأنشطة والأشياء والأفضية ...)في علاقتها بمجتمع المعرفة من جهة، والمجتمع التونسي ككل من جهة أخرى.وهكذا يبقى سؤال وضع التعليم العالي بعد سنوات عرفت فيها تونس تحولات كبرى معلقا بل مغيبا ومهمشا في ظل مشهد إعلامي يؤثر الاهتمام بالقشور على حساب الجوهر؟

لا يكترث الناس بانعكاسات «الثورة» على المجال الأكاديمي ولا يهتم هؤلاء بالتحولات الطارئة على علاقة الإدارة بالطلبة ولا علاقة الأساتذة بالطلبة وممثليهم والجهات التي تقف وراءهم فتحركهم متى تريد وتدعهم لشأنهم متى تغيرت حساباتها. ولا يمثل تدحرج مؤسساتنا التعليمية في ترتيب الجامعات موضوعا ذا بال بالنسبة إلى سياسيينا الذين ينخرطون في توظيف ورقة 'أصحاب الشهادات العليا» والحال أن أغلب الجامعات تحولت إلى رياض أطفال يؤمها الذين لم يبلغوا الرشد بعد فيتصرفون دون أدنى وعي بمسؤولياتهم ويتردد عليها العشاق بحثا عن فضاء يحميهم من الرقابة العائلية ويزورها العاجزون عن البحث والكد والتحصيل فيقضون الوقت في البحث عن أشكال من التسلية....ونستثني بالطبع الفئة المولعة بالبحث والدرس والتمحيص والاستقصاء والشغوفة بالمعرفة.

لا ينظر إلى ملف ما آل إليه وضع التعليم العالي بعد الأزمات التي مرت بها البلاد على أساس أنه يمثل أولوية الأولويات ولا يعالج الموضوع بالجدية المطلوبة والإرادة المسؤولة التي تحتم على كل المشرفين على السياسة التعليمية والبحثية أخذ موضوع الإصلاح الهيكلي مأخذ الجد. وبناء على ذلك يغدو الشك في مستقبل أنظمة التعليم العالي وسبل تطويرها مشروعا وتغدو الهجرة إلى الخارج بحثا عن تحصيل معرفي لائق قرارا مفهوما ومبرّرا.

قضايا التعليم العالي متشعبة ومتعددة أشرنا في الافتتاحية السابقة إلى موضوع الفساد الذي ينخر مختلف المؤسسات والهياكل من أعلى الهرم إلى أسفله ونلفت النظر في هذه الافتتاحية إلى عوامل أخرى ساهمت في تأزّم الوضع منها ما يتعلق بالميزانية المرصودة للوزارة والتي لا تتلاءم مع وضع يزداد سوءا يوما بعد آخر في حين تتمتع وزارة الشؤون الدينية بميزانية ضخمة ، ومنها ما له صلة بمستوى التلاميذ في التعليم الثانوي الذي يتدنى قياسا بما كان عليه منذ عقود، ومنها البنية الذهنية والنفسية السائدة لدى عموم المشرفين والأساتذة والطلبة والتي تبرر الاتكالية والتكلس والتقصير والكسل بأن البلاد في وضع كارثي والجامعة ليست استثناء،ومنها عدم انكباب الإطار التدريسي على وضع' خطة إنقاذ'.....أسباب كثيرة أفضت إلى تقهقر قطاع ساهم منذ حقب تاريخية في تحقيق مكاسب إن كان على مستوى التنمية أو توفير صمام الأمان لأجيال وأجيال.

والظاهر أن الجميع بما فيهم الأكاديميون دخلنوا فكرة الأزمة وبات النهوض بقطاع التعليم العالي حلما صعب التحقق في ظل غياب مجموعة من الشروط :الرؤية والشفافية والإرادة والحوكمة الرشيدة والرغبة الصادقة في التثوير.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا