محمد زين العابدين وزير الشؤون الثقافية المقترح في حكومة الشاهد: هذه أولوياتُك...

عند منح الثقة لحكومة رئيسها المكلف يوسف الشاهد سيكون الدكتور محمد زين العابدين سادس وزير للثقافة بعد قرابة ست سنوات على ثورة جانفي 2011، كل وزير يشرع في بلورة أولويات يعمل عليها كخطّة عمل خلال توليه لحقيبة الثقافة، أولويات تسلّط الضوء على أبرز وأحرق القضايا الهيكلية

التي تتعلق بالعمل في القطاع الثقافي، منها قطاع التراث بصنفيه المادي واللامادي وتثمينه والتسريع في إنجاز مدينة الثقافة والنهوض بالملكية الفكرية وتفعيل الدستور في مجال الثقافة.. وغيره من الملفات الحارقة، فهل سيقلب محمد زين العابدين بيروقراطية وزارة الثقافة رأسا على عقب بقرارات ثورية وجريئة ؟

بعدما عيّن الدكتور محمد زين العابدين مديرا لمهرجان قرطاج الدولي، وبعدما كان يشغل منصب مدير المعهد العالي للموسيقي في تونس، مع العلم أنه المدير المؤسس للمعهد العالي للموسيقى في سوسة هاهو يعيّن وزيرا للشؤون الثقافية خلفا لسنيا مبارك.

من هو محمد زين العابدين؟
محمد زين العابدين تحصّل على الأستاذية في الموسيقى من المعهد العالي للموسيقى بتونس وعلى الإجازة في علم اجتماع الثقافة والاتصال وشهادة الماجيستير في تاريخ وعلوم الموسيقى من جامعة السوربون وعلى الدكتوراة في تاريخ وعلوم الموسيقى من جامعة السوربون، كما تحصّل محمد زين العابدين على الدكتوراة في علم الاجتماع السياسي والثقافي من جامعة السوربون سنة 1998 وعلى الدكتوراة في الجماليات والجغرافيا السياسية من نفس الجامعة سنة 2004، وشغل خطة خبير لدى اليونسكو وكبرى الجامعات في أوروبا ومدير للمعهد العالي للموسيقى بسوسة ثمّ بتونس وهو أول من فتح الباب لشهادتي الماجستير والدكتوراه في علوم الموسيقى في المعهد العالي للموسيقى بتونس الذي أداره إلى غاية تعيينه مديرا عاما لوحدة التصرف حسب الأهداف لمدينة الثقافة إلى تاريخ استقالته في شهر ماي 2011.. هذا إضافة لإصداره العديد من البحوث العلمية..

محمد زين العابدين هو أيضا رئيس مخبر البحوث في الثقافة والتكنولوجيا والتنمية ورئيس جمعية منتدى تونس الدولي للحق في الثقافة الرشيدة والحوكمة الرشيدة، ;كان قد اشتغل على ملف مدينة الثقافة إلى أنّ قدّم استقالته منها في 2011، وكان قد تحدّث لـ«المغرب» في العديد من الأحيان عن تجاهل وزير الثقافة قبل ثورة 14 جانفي عز الدين باش شاوش لمقترحاته ومجهوداته في ملف مدينة الثقافة..

تفعيل الدستور في مجال الثقافة
عديدة هي الملفات التي تنتظر معالجة وإستراتيجية محمد زين العابدين منها الاستثمار في مجال الثقافة والنهوض بالملكية الفكرية وتثمين التراث الوطني وإعادة النظر في سياسة الدعم وهيكلة التظاهرات الثقافية وإكمال تأهيل المؤسسات الثقافية وإرساء وتعزيز الثقافة الالكترونية ومتابعة مشروع مدينة الثقافة وتفعيل الدستور في مجال الثقافة، وفي هذه النقطة بلغت سنيا مبارك مواصلة لعمل مراد الصكلي، شوطا مهما فقد وضعت اللمسات الأخيرة مؤخرا لمشروع القانون المتعلق بالفنان والمهن الفنية..الذي اعتبرته سنيا مبارك ثورة في مجاله..

وفي نقطة ملاءمة الدستور مع قوانين جديدة يعتبر محمد زين العابدين أنّ ميزانية وزارة الثقافة ضئيلة، وهنا «يفرق بين الحق في الثقافة المندرج ضمن ديمقراطية الثقافة وضرورة دمقرطتها وبين الحقوق الثقافية التي تندرج ضمنها حقوق الملكية الفكرية والأدبية التي مازالت تتعثر لبلورتها».. فهل سيدافع عن ترفيع ميزانية وزارة الثقافة لاحقا؟ وهل سيطبق هذا الكلام على أرض الواقع؟

مدينة الثقافة ووصية محمد زين العابدين
مشروع مدينة الثقافة هذا الذي اشتغل عليه محمد زين العابدين وتعطّل لسنوات، هذا المشروع الذي يعتبره زين العابدين «مفخرة دولة الاستقلال الثقافية»، كان قد قام بتأطير العديد من الشباب وتكوينهم بالتعاون مع الجامعة التونسية وفي سياقات أخرى في تونس والكاف وقفصة وقابس وسوسة، لكي يكونوا في خلايا عمل مدينة الثقافة، غير أنّ الأشغال تعطلت، ليجدوا أنفسهم بفضل هذا التأطير والتكوين في عدد من العروض والفضاءات والتظاهرات والمؤسسات الاتصالية والثقافية.. ومواصلة في عمل مدينة الثقافة فقد ترأس محمد زين العابدين وشارك في عشرات اللجان القطاعية المتخصصة لإعادة النظر في الأوركسترا السنفوني الوطني وفي مركز الفنون الكوريغرافية والمكتبة السينمائية، غير أنّ هذه التوصيات ذهبت هباء منثورا ولم ينظر إليها، فهل سيثأر لمدينة الثقافة ويدفع عجلتها كما خطّط؟

معضلة التراث المادي واللامادي
في النقطة المتعلقة بتثمين التراث الوطني، المادي واللامادي قامت وزراة الثقافة مع مراد الصكلي بتشخيص واقع التراث ليستخلصوا أنّ أكثر من 70 بالمائة من المواقع غير مستغلة لذلك تمّ اقتراح تقديم تراخيص استغلال لمدة 25 أو 30 عاما لفائدة الخواص شرط أن يكون لوكالة إحياء التراث نصيب من المرابيح لتخصيصها لمشاريع أخرى، وتكوّنت في الغرض ثلاث لجان تمثل المعهد الوطني للتراث وأخرى وكالة إحياء التراث وأخيرا لجنة مستقلة لدراسة واقع التراث وتقديم اقتراحات.. أما في عهد سنيا مبارك فقد بدأت العمل على تحديد المسؤوليات بين المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث لتحديد المسؤوليات بين هذه المؤسستين.. كما نذكر أنه في ولاية لطيفة لحضر قامت بتعيين حراس لعدد من المواقع الأثرية بالتعاون مع وزارة الداخلية إلا أنّ هذه الجهود لم تمنع السرقات التي تطال هذه المواقع...

وعن التراث اللامادي فقد تمّ تكوين «محفّظين» مختصين في الحرف التقليدية، في ولاية الصكلي، يؤطرهم فريق من اليونسكو.. ونشير إلى انه في ولاية مراد الصكلي حدثت بلبلة في قطاع التراث بعد قراره بخوصصة بعض المواقع واضرب أعوان التراث آنذاك لمدة ثلاثة أيام واعتبروا قرار الصكلي بيعا لتاريخ البلاد وفي هذا الباب شرعت الوزارة في اجراءات وضع عدد من المعالم لاستغلالها في إطار «لزمات» في إطار قانون يضمن الشراكة بين الخواص والقطاع العام فالدولة غير قادرة على توفير الأموال وهناك أكثر من 95 بالمائة من المواقع غير مستغلة لذلك ستوضع بعض المواقع تحت استغلال الخواص لمدة معينة وتتكفل وزارة الثقافة بالمراقبة العلمية التي يشرف عليها المعهد الوطني للتراث، وهذا أيضا ما دافعت عنه أيضا سنيا مبارك.. وهنا أيضا أمضت سنيا مبارك اتفاقية معsmithsonian institution حيث «جاء خبراء لهم كفاءة عالية وعالمية، إلى تونس لمدة ثلاثة أشهر فزاروا متحف باردو وموقع الجم ومتحف جربة والنفيضة.. لتكوين شبكة بخمسة متاحف من مختلف أنحاء الجمهورية، هذه المتاحف تكون ضمن شبكة في المتاحف العالمية.. إضافة إلى ذهاب ثلة من كفاءاتنا للتدّرب هنالك في تلك الجامعة.. كما قامت إدارتها باتفاقية مع متحف «توسكان» لكي يرسلوا لتونس خبراء لإعادة تهيئة المتاحف التونسية كما تمّ تضمين متحف باردو وسوسة بـ google cultural institute، الذي يقوم بالترويج لها في العالم.

رغم هذه المجهودات فإنّ نسبة 95 بالمائة من المواقع الاثرية التونسية غير مستغلة إضافة إلى العديد من الانتهاكات التي تطال المواقع الأثرية والمعالم التاريخية، منها الحفريات العشوائية، التي تقوم بها عصابات تهريب الآثار، ومنها ما ينجم عن الأعمال الفلاحية، وما يقع بسبب التوسع العمراني العشوائي، لضعف المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث، فهل سيعالج محمد زين العابدين هذا ويرتقي بقطاع التراث كي يشعّ في العالم؟

الإستثمار في مجال الثقافة وسياسة الدعم والنهوض بالملكية الفكرية
لا نستطيع أن نتحدّث بإطناب عن مختلف القطاعات الثقافية لأنّ كل قطاع يطول فيه الحديث وتتشعّب فيه المسالك، ولكن بإيجاز يمكننا حصر الملفات التي تنتظر محمد زين العابدين في عدة نقاط على غرار الاستثمار في مجال الثقافة، فقد تحصّلت وزارة الثقافة سابقا على الموافقة من قبل المنظمات الدولية على غرار الاتحاد الأوروبي واليونسكو لتقديم دعمهم بداية من جانفي 2015...وفعلا تحصلت تونس على هبة بـ 6 ملايين يورو من الإتحاد الأروبي لتدعيم السياسات الثقافية، كما أمضت وزارة الثقافة منذ ولاية مراد الصكلي مرورا بلطيفة لخضر وسنيا مبارك العديد من الاتفاقيات التي من شأنها أن ترمم مجال العمل الثقافي، فهل سيحسن استغلالها على الوجه المطلوب؟

ومن بين النقاط الأخرى النهوض بالملكية الفكرية، فقد قامت الوزارة والجهات المسؤولة بالعديد من الحملات التحسيسية كما أصدرت الوزارة منشورا ينصّ على توقيع اتفاقية بين المهرجانات ووكالة حقوق المؤلفين، ولا ننسى اختيار المنظمة العالمية لتونس حتى تكون مقرا للمنظمة الإفريقية لحقوق الملكية، أما في الجانب القانوني وتحديدا في مسألة «مراجعة النصوص القانونية لاقتراح مشروع إطار قانوني جديد» فقد تمكنت وزارة الثقافة من إقناع وزارة المالية بمشروع قانون جديد تكون له مردودية أفضل على الثقافة وخاصة الجهات التي ستتخلص من الارتباط العضوي بدعم الوزارة بعد إدراج القانون الجديد ضمن الميزانية التكميلية لسنة 2014.. وقامت وزارة الصكلي بتدخلات ميدانية مشتركة بين أعوان المؤسسة وأعوان المراقبة الاقتصادية الراجعين بالنظر لوزارة التجارة والصناعات التقليدية بلغ عددها 26 تدخلا بالإضافة إلى إحالة الملفات المتعلقة بالخروقات إلى القضاء كما أبرمت عددا من الاتفاقيات بين المؤسسة التونسية لحقوق التأليف وعدد من المهرجانات تتعلق بدفع المعاليم المستوجبة بعنوان حق الملكية الأدبية، غير أنّ كل هذا لم يفرض حقوق الملكية الفكرية ولم يتم احترامها، ولو تمّ لما جاع فنان أو مثقف في تونس ولم يتمّ العمل على الارتقاء بالوسائل التقنية والموارد البشرية المعتمدة صلب المؤسسة التونسية لحقوق التأليف ولم ترسّخ هذه العقيدة بقوة القانون..

بيروقراطية الإدارة والدبلوماسية الثقافية
سنتحدث في وقت لاحق عن مختلف القطاعات في وزارة الثقافة، غير أنّ أهم نقطة على الإطلاق هي بيروقراطية الإدارة وتكلسها وضبابيتها، فالمتعاملون مع وزارة الثقافة ينادون بضرورة إعادة النظر في سياسة الدعم، وتغير القوانين البالية التي أكل عليها الزمن وشرب، ويبقى موضوع الدعم ورشة مفتوحة لا نحصر بداياتها من نهايتها، والإقتراحات عديدة ومتعددة ولكنها مرتبطة بتغيير الإطار القانوني لها.. كذلك لا ننسى العديد من الإتفاقيات التي أبرمتها وزارة الثقافة لكننا لم نر إستراتيجية ناجعة للتصرف فيها وفي الفرص المهمة التي ستتيحها، ولم نر ديبلوماسية ثقافية ناجعة تكثّف من حلقات النقاش والموائد المستديرة لأنها تنتهي في الأدراج ولا نرى إشعاعا ولا تطبيقا على أرض الواقع..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا