الكاتب والباحث «محمد المي» لـ«المغرب»: التوثيق هو سلاحنا لحماية الذاكرة زمن العولمة

كثيرا ما تكون الذاكرة الجماعية عرضة للتشويش والمغالطة ومحاولة التضليل أو حتى التجهيل... وحتى تبقى هذه الذاكرة

حية وشاهدة على التاريخ، تبذل الشعوب المتحضرة الغالي والنفيس من أجل حفظ ذاكرتها وصونها من الاندثار والنسيان.
في تونس، تبذل بعض المؤسسات عدد من الأشخاص مجهودا جبّارا لتوثيق الذاكرة التونسية ضد الاضمحلال.
• منتدى الفكر التنويري التونسي والمعرض الوطني للكتاب التونسي:
توثيق للندوات الفكرية والشخصيات الثقافية
من الشخصيات الثقافية التونسية المولعة بجمع شتات الذاكرة والتعريف بأعلامها والتخليد لسير ومسيرة عظائمها، يفرض الكاتب والباحث محمد المي حضوره وذكره وهو الذي لا يدّخر جهدا ولا وقتا في تخليد كل أثر للمفكرين والمبدعين الذين ساهموا ويساهمون في نحت معالم الهوية الثقافية التونسية. ويحسب لمحمد المي أنه كان سبّاقا في تأسيس منتدى الفكر التنويري التونسي للتعريف برموز الثقافة التونسية على غرار حسن حسني عبد الوهاب وعلي البلهوان وجلال الدين النقاش و محمد صالح المهيدي ومنصف المزغني ونافلة ذهب وحسن نصر... والقائمة تطول. ولئن كان الاحتفاء بكل هذه الشخصيات بادرة تذكر فتشكر، فلّعل الأهم والأجمل هو توثيق كل المداخلات التي تم تقديمها عن كل شخصية في كتاب ورقي خاص بها. كما تميّزت إدارة محمد المي للمعرض الوطني للكتاب التونسي في سنة 2021 بحرصه على ترك أثر لكل الندوات الفكرية التي تم تنظيمها وذلك بتوزيع كتاب مجاني على الحاضرين إثر نهاية كل لقاء فكري سواء اهتم بالتاريخ أو القصة أو الرواية أو الشعر أو الفن التشكيلي أو بادر بتكريم رواد الفكر على غرار محمود بن جماعة ومحمد الخبو ومحمد الشرفي وحبيب بيدة...
في كشف لسر هذا الشغف والولع بالتوثيق والأرشفة للذاكرة الثقافية التونسية، أفاد محمد المي في تصريح لـ»المغرب» بالقول:» من باب الأمانة وللتاريخ علينا أن نذّكر بأن الراحل محمد صالح المهيدي كان من أوّل المهتمين بالتوثيق من خلال إعداد ملفات شاملة عن الشخصيات الثقافية التونسية وقد اشترت المكتبة الوطنية أرشيفه الخاص بعد وفاته. وكذلك لا بد من تثمين جهود الحيبب شيبوب في هذا المجال ومن بعده أبي القاسم محمد كرو الذي تأثرت به شخصيا. ولأني أعتبر نفسي سليل هذه المدرسة الفكرية التونسية، فقد سعيت إلى تأسيس منتدى الفكر التنويري التونسي تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية وتحديدا بدعم من المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية للتعريف بأعلام ومعالم الفكر والثقافة في تونس. ومما لاشك أن الذاكرة الثقافية التونسية هي ذاكرة مشرفة وثرية وحتى رائدة لذلك من واجبنا صونها وحفظها وتوثيقها للتاريخ والأجيال القادمة. فأمة بلا ذاكرة هي أمة بلا مستقبل. ولا يمكن للفرد أن يكون ابن الغد دون أن تطل برأسه على ماضي ثقافته...».
«كتاب الأمثال والأقوال العامية» والتوثيق للتراث اللامادي
وفي صلب اهتمامه بجمع الأرشيف والحرص على التوثيق وحماية الذاكرة، أصدر محمد المي مؤخرا كتابه الجديد بعنوان «مختارات جديدة من الأمثال والأقوال العامية التونسية». وفي هذا السياق ، صرّح محمد المي لـ»المغرب» بالقول:» إن اهتمامي بتوثيق التراث اللامادي لا ينفصل عن هوسي بحفظ الذاكرة الثقافية التونسية. ويأتي صدور هذا الكتاب كتتمة لكتابي السابق عن الأمثال الشعبية المرتبطة بصورة المرأة في الذاكرة الجماعية والتي كانت للأسف في معظمها سلبية باستثناء الأمثال المتعلقة بالأم. وقد وجدت أن الأمثال الشعبية تمثل حقلا خصبا لدراسة ظواهر الجهوية والذكورية والعنصرية وغيرها... وفي كتابي الأخير «مختارات جديدة من الأمثال والأقوال العامية التونسية» قمت بجمع أكثر من 2500 مثل شعبي بالاستعانة بواقع التوصل الاجتماعي سيرا على خطى الدكتور الطاهر الخميلي الذي أصدر سنة 1967 مختارات من الأمثال العامية مستعينا بالصحافة وتحديدا جريدة الصباح.
وأعتقد أن حفظ الذاكرة هي مسؤولية الجميع من مؤسسات وأفراد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جذور وثقافة وهوية في زمن العولمة المتوحشة.
صدور «دليل المسرح التونسي»:
بادرة للتوثيق و خطوة للترويج
تضع المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية التوثيق لذاكرة المهرجانات الكبرى في صدارة أولوياتها على غرار أيام قرطاج المسرحية ومهرجان قرطاج الدولي ومهرجان الأغنية التونسية.... وبعد صدور كتاب «ذاكرة أيام قرطاج المسرحية» بالتعاون بين أيام قرطاج المسرحية والهيئة العربية للمسرح، تم مؤخرا إصدار «دليل المسرح التونسي» للتعريف بالإنتاجات المسرحية وطنيا ودوليا بالشراكة بين المؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية وأيام قرطاج المسرحية. وجاء هذا الدليل في نسختين ورقية ورقمية موثقا لكل الأعمال المسرحية التي تم إنتاجها سنة 2019 وسنة 2020 في عرض للفريق الفني وملخص لمضمونها... وفي تقديمه لصدور هذا الدليل، يقول المدير العام للمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية يوسف الأشخم: « دليل المسرح التونسي هو خطوة أولى ضمن إستراتيجية عمل متكاملة لدعم الانتاج المسرحي التونسي من خلال الترويج له على النطاق الدولي ...لا نختلف اليوم في أنّ مرحلة التوزيع تبقى الأضعف حاليا في سلسلة الإنتاج الفني في تونس ومن المهم وضع الآليات اللازمة للمساهمة في تعزيز جهود الفنانين والمهنيين من أجل تمثيلية أكبر لهم على المستوى الدولي. ».
وسيتم إصدار  »دليل المسرح التونسي » بصفة دورية كل سنة، ويجمع كل الإنتاجات المسرحية الموجهة للكهول والأطفال التابعة للمؤسسات والهياكل العمومية والخاصة ليكون على ذمة الراغبين في الاطلاع على الإنتاج المسرحي التونسي وبرمجته بالفعاليات والتظاهرات الدولية، إضافة إلى أهميته كوسيلة أساسية للتعريف بالإنتاج الفني التونسي وترويجه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا