«حول الكتابة المسرحية الموجهة للطفل» ليوسف مارس: الكتابة للطفل تتطلب الكثير من المعرفة والصدق لتحقيق النجاح

قليلة هي الدراسات التي اهتمت بمسرح الطفل وذلك لأنه مجال مركب وثريّ، يربط مجالات عديدة، علم النفس وعلوم التربية واللغة والمسرح

وعلم الانتروبولوجيا والاجتماع وغيرها من الاختصاصات، لكن الارحب من هذا المجال هو مخيال الطفل ذاته» هكذا يقدم الدكتور محمد ادريس لتجربة يوسف مارس في كتابه «حول الكتابة المسرحية الموجهة للطفل».
صدر الكتاب عن دار «نقوش عربية»، صغير الحجم في 130صفحة فقط لكنّه ثري من حيث المحتوى، بغلاف ازرق سماوي بهيج مع زينة حمراء وبنفسجية في طبعته الاولى وفيه يقدم يوسف مارس مميزات الكاتب للطفل وخصوصيات الكتابة المسرحية للطفل ببعديها النظري والتطبيقي،ويقدم مارس المواقع التي اهتمت بمسرح الطفل دراسة وتحليلا، ويعتبر الكتاب وثيقة تربوية ومسرحية جدّ ثرية.
الكتابة للطفل مسؤولية أمام الطفل والمجتمع والمنظومة
«تعلمت من سنتي الكوفيد أن أعود طفلا، اللعب مع ابنتي صبا وطريقة التعامل معها في ظل الحجر العام وابتكار العاب جديدة تحفز مخيلتها ومراقبة تفاعلها مع الحكايات كان السبب الاول في ميلاد هذا الكتاب» كما صرح يوسف مارس لـ«المغرب»، وفي مقدمة كتابه يقول مارس «البحث في مجال الطفولة مهمّ وخطير في آن، اذ هو يستوجب دربة وحذرا في التعامل مع الطفل الذي يكون موضوع دراسة لا يعايشها الباحث بل يتّخذ في بحثه جانب الملاحظة والمعاينة قصد تربية هذا الطفل على أسس علمية، وكلّ ينهل من بحثه وكل باحث وفق اختصاصه سواء كان علم النفس او علم الاجتماع او علم التربية».
الخرافة بما هي مادة تخيلية مشتركة بين التونسيين والعرب والانسانية (لكل شعب خرافاته)، هي جزء من الذاكرة الجماعية التي كانت تحكيها الجدات وتدفع الطفل لمزيد التعلق بالحكاية المقدمة مع التشويق وطريقة الحكي منها ينطلق يوسف مارس في كتابه واليها يعود بالتحليل «ها نحن نحاول وضع الخرافة على محكّ المساءلة ونبحث في خصوصياتها فوجدنا ان تلك المراجع لم تؤثث للعلاقة بين الخرافة ومسرح الطفل».
ينقسم الكتاب «حول الكتابة المسرحية الموجهة للطفل» الى قسمين كبيرين هما اولا «المسرح والطفل» وثانيا «الخرافة احدى اهم مصادر الكتابة في مسرح الطفل» وكلا القسمين يتفرع بدوره الى اجزاء وفروع حسب الموضوع المنجز ويمكن القول ان القسم الاول نظري يعرّف بالمسرح ويقدم خصوصيات مسرح الطفل وطريقة التعامل مع هذا المتلقي الشديد الذكاء والقسم الثاني تطبيقي يتناول فيه مارس خرافة «علي ولد السلطان» المسرحية التي انجزها مختار الوزير ويقوم بتحليلها ونقدها مسرحيا ونفسيا وعلميا ليكون انموذج واضح المعالم لدارس مسرح الطفل.
بالنسبة للقسم الأول: يغوص الكاتب في تفكيك المراحل العمرية للطفل ودرجة الاستعياب حسب العمر والخيال، يتناول مارس مراحل نموّ الطفل في علاقة بالمسرح مشيرا «ان دراسة مراحل نموّ الاطفال والخصائص النفسية واللغوية المميزة لكل مرحلة منها تكشف لنا جوهر الاختلافات الكامنة في مراحل سنّهم فالفرق كبير وواضح بين طفل في الخامسة واخر في العاشرة، فالاول شديد التعلق بوالديه حديث العهد باللغة ودرجة خياله محدودة، اما الثاني فقد بدأ ادراكه للامور الواقعية ينمو ويتطوّر وازدادت لغته ثراء» (ص13).
في هذا القسم يقدم الكاتب المراحل الاربع لنموّ خيال الطفل وهي المرحلة الاولى مرحلة الواقعية من (ثلاث الى خمس سنوات) والطفل في هذه المرحلة يميل الى المحاكاة والتقليد كما تكون الحواس وسيلته ليتعرف على العالم الخارجي، المرحلة الثانية هي مرحلة الخيال المطلق (من ستّ ستوات الى ثماني سنوات) ويبدئ الطفل في هذه المرحلة بفهم عناصر البيئة وفي هذه المرحلة يبدأ الطفل بالسيطرة على نفسه جسديا ويمكن اعتبارها مرحلة مناسبة للحكايات الخيالية والشعبية القديمة كما يميل الطفل الى الاعمال البطولية والشخصيات البطولية، اما المرحلة الثالثة فهي مرحلة البطولة (تمتد من تسع سنوات الى 12سنة) هي المرحلة الطفولة المتأخرة التي يبدأ فيها الطفل الانتقال من عالم الخيال الى عالم اكثر واقعية اذ يصبح لديه الرغبة في معرفة بعض المفاهيم الاكثر تعقيدا والقدرة على تحمّل المسؤولية ايضا، ويشير الكاتب ان الطفل في هذه الفترة يميل الى المغامرة والشجاعة وهنا تصبح الاعمال المسرحية تستهويه اكثر «لاحتياجهم الى مسرحية مثيرة تشتمل على حكاية فيها احداث ومغامرات مشوّقة وتثيرهم ايضا حماسة الابطال» (ص18).
اما المرحلة الرابعة والاخيرة تسمى المرحلة المثالية (تمتدّ من 12 الى 16سنة) في هذه «المرحلة لا يمكننا تصنيف الاطفال بانهم اطفال بل مراهقون يحاولون ان يصبحوا كبارا وتمتاز بظهور تغيرات جسمية» ويضيف الكاتب ان من مواصفات العمل المسرحي الواجب لتقديمه في هذه المرحلة لا بدّ ان يعتمد مضمونه على القيم والمثل العليا وهي افضل وسيلة تثقيفية تساعد الطفل على تنمية الجانب الانساني فيه.
ويؤكد يوسف مارس ان على ممارس المهنة المسرحية كتابة وانجاز ان يعرف هذه الفئات الاربعة ويفهم خصوصيات كلّ منها اثناء تقديم فعله الابداعي فالطفل متلقى ذكي ولا يمكن خداعه او استسهال تفكيره، منوها ان على الكاتب لمسرح الطفل الاطلاع على علم النفس وعلوم التربية واللغة حتى يكون كاتب ناجح «وهنا تكمن جسامة الدور الذي يلعبه المؤلف المسرحي للاطفال فالجمع والتوفيق بين كلّ هذه العناصر في اطار عمل فنّي مسرحي ابتدائي موحّد: اطفال اليوم هم شباب الغد ورجال المستقبل».
الكتابة للطفل: لها شروطها ومميزاتها
لتكتب الطفل يجب ان تقترب منهم «ان نبذل مجهود للاتصال بهم وان نمضي معهم وقتا في لعبهم واوقات طعامهم» ويشير الكاتب انه تتضاعف الصعوبات امام الكاتب لمجال للاطفال باعتبارها تتطلب شروط ومقاييس محددة، اذ «لكل كاتب تقنياته في تبليغ الافكار التي يريدها في بناء احداث مسرحيته».
ويقدم مارس في قسم «الكتابة الدرامية الموجهة للطفل» بعض الخصوصيات الواجب توفّرها في النص الموجه لهذه الشريحة، وتتمثل هذه الخصوصيات اولا في الصراع الدرامي (له علاقة بالمضمون وتقنيات الكتابة ووضوح الشخصيات) وثانيا اللغة (لغة بسيطة يمكن استيعابها وفهم مفرداتها) وثالثا الايقاع (الايقاع في المسرحية بمثابة النبض في الجسم البشري، ضرورة ترتيب الكلمات بشعرية يسهل حفظها وفهمها) ورابعا الشخصيات (رسم الشخصيات في القصة الممسرحة يتطلب جهد كبيرا من قبل الكاتب، الشخصيات تقسّم: اخلاقية خيّر وشرير، جنسية: ذكر انثى، نوعية: حيواني انساني) وخامسا الحبكة الدرامية (هي الفكرة التي يحولها الكاتب الى نص ويجب ان تكون مبسطة) وسادسا واخيرا التشويق والاثارة (ضرورية في الكتابة للطفل).
ومع شروط الكتابة يفكك مارس شروط الكاتب ووميزاته فالكاتب المسرحي للطفل «هو الحائك للنص الدرامي وتتوفر فيه مجموعة من عناصر تدخل مباشرة في الخصائص المباشرة للكتابة الدرامية الموجهة للطفل، فالكاتب المبدع صاحب الموهبة الخلاقة الذي يكتب لمسرح الطفل يجب ان تكون له روح المخرج وان يلمّ بحرفية التاليف المسرحي» هكذا يصفه يوسف مارس مقدما مجموعة من المميزات اولها الموهبة وهي احدى اهم الصفات المميزة الهامة لاي كاتب وثانيها «الاعتبارات النفسية والتربوية» اي ضرورة معرفة الكاتب بكل ما يهم الطفل نفسيا وتربويا.
ويخصص الكاتب جزء من كتابه ليسلط الضوء على اهمية «الخيال» في الكتابة للطفل «لولا الخيال لما استطاع الانسان الوصول الى حقائق لا يمكن ادراكها الا عن طريق الخيال ولما استطاع ان يستوعب التاريخ ولن يفهم الفنون والاداب والعلوم اذ تقاس جودة اي عمل فني بمدى حضور الخيال الذي يدخل في باب الادب والفنّ».
اما القسم الثاني «الخرافة احدى اهم مصادر الكتابة في مسرح الطفل: مسرحية ولد السلطان نموذجا» هو جزء تطبيقي يحلل فيه الكاتب مفهوم الخرافة ويقدم المنهج التحليلي الذي اعتمده لقراءة المسرحية (حسب المعطيات النظرية التي قدمها في الجزء الاول) ويحلل الشخصيات واللغة المعتمدة ووظيفة الراوي والرواية والحوار والجانب النفسي وينتهي الى نتيجة « ما نستنتجه من تحليل الخرافة في مسرحية علي ولد السلطان تركيزها على انّ الطفل كي يصبح فردا مستقلاّ بذاته وفي مستوى انسانيته لا بدّ ان يجاهد من اجل الحصول على الكنز المادي والمعنوي مرورا بعدة امتحانات وموانع، فهذه المحن من شانها ان تعدّ للخروج التدريجي نحو العالم الكبير».
«حول الكتابة المسرحية الموجهة للطفل» بجزئيه النظري والتطبيقي كتاب يعد وثيقة دراسية هامة للمهتمين بالطفل كتابة وتمثيلا واخراجا، نص يفكّك كل مميزات الكتابة الموجهة للطفل والمراحل العمرية التي يتوجه لها كل كاتب، بحث يجمع الميداني والنظري بخصوص مرحلة عمرية جدّ حساسة هي الطفل، كتاب يمكن عتباره دراسة مسرحية ونفسية وتربوية على دارس المسرح والمهتم بالكتابة للطفل الاطلاع عليها ومحاولة تفكيك جزئياتها فالكتاب ثري بالمضامين والمعاني.
كتاب ينتصر فيه يوسف مارس للطفل ولعقله ويحاول ان يبسّط معنى الكتابة للطفل وكيفية تقديم نصّ جيّد ومتكامل يهتم بالجانب النفسي والابداعي والتربوي في الوقت ذاته، هو وثيقة يجب توزيعها على كل المؤسسات المهتمة بالطفل سواء التربوية او الثقافية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا