عاشقان من بلد الغيوم

الساعة الآن الخامسة والربع بتوقيت الفجر المشتهى روحيا وفيزيائيا، أقف على باب زنزانتي أطل منها على ساحة السجن المحصنة بأطنان الحديد المبلل

بقطرات الندى فأسمع زقزقات تأتي وتروح أحدق النظر أكثر لأرى من أين تأتي هذه الأصوات الجميلة التي تطفئ نار القلب فتعيد له جزءا بسيطا من حياة أفتقدها طويلا تمر الثواني ثقيلة فلا أجد أي أثر لما اعتقدت أني سأراه وبرمشة عين وإذ بالمفاجأة السارة تسرق عيناي إليها، كان مشهدا من الخيال الرومانسي الإنساني المفقود تسمرت عيناي وهي تتراقص فرحا لحبيبين يتغازلان ويمارسان العشق والحب والرومانسية بأبهى صورها، حبيبان مغرمان حد الثمالة والتوحد والانصهار، حبيبان يتعاركان أمام ناظري فينقلبان مرات ومرات والأجساد ملتصقة والأفواه لا تفارق بعضها أبدا ويستمر الحب والعراك ويستمر الحب والعراك وتستمر حالة العشق والقبل الجنونية بلا توقف أو ملل.
لحظات كأنها زمن بأكمله يمر أمامي الآن، فهل مسموح داخل هذه الجدران كل هذا الحب وهل يستطيع أحد أن يخترق كل تحصينات السجن ويعشق دون أن يلقى القبض عليه متلبسا وهل تعطلت كاميرات المراقبة التي تلحظ أنفاسنا فلا تترك لنا ما نطلق عليه الحد الأدنى من الخصوصية أو حلما ربما قد تحقق وغادرت قوات القمع المدججة هذا المكان، هل ارتجفت أيديهم وانصرفوا مخذولين من ثورة هذا العشق الجنوني الذي يغلف المكان، ثوانٍ معدودة وكأنها أزمان بأكملها تمر أمامي كشريط واحد فهل هذين العاشقين يستشعران حجم الجريمة المقترفة الآن، حب داخل هذه الأسوار أي جنون هذا، أي جنون يرتكبانه هذان العاشقان حتى أنني ألتفت مرتجفا خوفا من عودة هذا الحارس فالوقت يداهمنا والساعة تقترب من الخامسة والنصف وقد آن وقت إزالة الأقفال عن أبواب زنازيننا ففي كل صباح تأتي القوات لتحصي عدد الأرواح المقتولة بين الجدران، بقي بعض من الوقت ليمارس العاشقان مزيدا من الحب، وقد تصالحا مع وجودي بعدما تيقنا من انحيازي المطلق لهذا الحب فالحب لا يعرف للأزمان ولا للأمكنة أي حدود وهو لا يكترث أصلا لما يقوله المؤولون أو المحللون وهو يأتي فجأة خارج سياق الزمن المحدد بقيود العادة والقبيلة.
ها قد حانت ساعة السفر والفراق فقد افترق الحبيبان واخترقا سياج السجن منطلقين إلى عوالم الحرية المنتظرة انطلقا من حيث أتيا وبقيت أنظر والابتسامة تدغدغ مشاعري وأسمع قلبي يقول ما أجمل الحياة وما أجمل أن تزرع أغلى الورود في المحيط الممتلئ بالملوحة والقسوة، انطلق العاشقان محلقين بالأفق نحو الغيوم والنجوم وإلى حيث تكون الحرية أجمل الأمنيات انطلق العصفوران بعد أن نسجا في قلبي بريقا من السعادة والفرح فالسجن يصلح أيضا ليكون مكانا تتغذى منه الروح وينتعش فيه القلب.
عصفوران جميلان أتيا في لحظة الخوف وانطلقا تاركين أثريهما في نفسي فقد أوصلا رسالتيهما وانطلقا بعيدا عني ولكن حبهما علمني أن الأيام لا تستطيع تغليف قلبي وعزله عن حب أفنى عمره فداء لعشيق ما زال يسافر في كل يوم لعوالم أخرى لا تحجبها الأسلاك والأسوار.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا