هدى اللموشي باحثة مختصة في المسرح العلاجي: إذا لـم نكن مختلفين فنحن أموات ومثلنا يحبّ الحياة

تشرع يوميا نوافذها نحو الامل، تفتح شراع الحب لتبحر في عوالم الانسانية حاملة معها أحلام اطفال صغار ولدوا «مختلفين لكنها

تراهم اسوياء تعاملهم معاملة الطفل السليم لانها تؤمن بأن المسرح فعل انساني بامتياز والفنان الذي لا يكون انسانا ويجب عليه نزع صفة «الفن عنه»، هكذا تفكر هدى اللموشي الدكتورة الباحثة في مجال المسرح العلاجي.
مسرحية التكوين وانسانية الانتماء، منذ عشرين عاما وهي تحارب بالمسرح وللمسرح، تنتصر للانسان وتوظف خبراتها العلمية والمعرفية والفنية لعلاج من يقيمون بمراكز الاحتياجات الخاصة وفي السجون فالمسرح عندها بلسم لشفاء الروح والفكر.
عشقت البحث ولازلت أبحث عن معاني الانسانية بالمسرح
هادئة كمحارب يستكين الى الراحة، واحيانا تكون مزمجرة وهادرة كبركان، تتحرك بسرعة ودائمة الابتسامة، متى سالتها اجابت دون تردد عن كل الاسئلة واخرجتها دفعة واحدة ، هي كاتبة ومخرجة وممثلة مسرحية هكذا تقدم نفسها وتضيف قمت بالعديد من التجارب في الكتابة المسرحية منها مسرحية ضيعة الأسماك وهي مسرحية للاطفال أنتجتها شركة ذيونيزوس للانتاج المسرحي، ومسرحية تعويذة قرقورة انتجها مركز الفنون الدرامية والركحية بزغوان و مسرحية الصديق الصدوق وغيرها بالإضافة إلى تجربة الإخراج في مسرحيات «الارض كوكبنا» انتاج فرقة بلدية تونس و «تعويذة قرقورة» لمركز الفنون الركحية زغوان و اما التمثيل فهو في رصيدي ادوار في مسرحيات «ماكبث» انتاج فرقة بلدية تونس و«قال جبران» انتاج شركة المسرح اليومي و «كاف الهوى» و «المنسيات» انتاج مركز الفنون الركحية والدرامية بالكاف.
تعددت الخبرات المسرحية كتابة وممارسة ولكن الهاجس الذي لازمها هو البحث الأكاديمي في مجال تعرّفت عليه بالصدفة في مهرجان نيابوليس سنة 2000 وهو التربص الذي قمت به مع رئيسة المنظمة الفرنسية للعلاج بالعروسة هذا التربص الذي كان فاتحة لطريق تلمست فيه ذاتي والتوجه الذي قررت البحث فيه ولحسن الحظ شاركت في عدة تربصات مع نفس المنظمة في تونس وفي فرنسا والذي توجته برسالة التخرج التي حملت عنوان العروسة العلاجية ماذا ولماذا وكيف ؟ وتناولت فيها تجربة مادلين ليون رئيسة المنظمة الفرنسية للعلاج بالعروسة أنموذجا.
من البحث الى التطبيق: «ذوي الهمم» يسكنهم الحب
حبها للتجديد لا ينضب، سكنها المسرح واستوطنت اعماقها «العروسة» و العلاج فاختارتها وسيلة للدفاع عن حق ذوي الهمم في الابداع واقتربت منهم ولامست قلوبهم النقية وجعلت المسرح نصيرهم ونصيرها، ففي ابتسامتهم تجد بلسمها وفي اسئلتهم الكثير تجد ملجأ الامان والطمأنينة» هم فقط مختلفون، وارفض قول معوقون أو أي تشبيه اخر، اختلفوا عن الأطفال الاخرين وتسكنهم طاقة رهيبة للحب اكتشفتها حين اقتربت منهم ولامست افكارهم» بكل مشاعر الامومة تتحدث عن اطفالها الذين تعاملت معهم في المراكز المندمجة في اطار «العروسة كوسيط العلاجية».
وتضيف محدثتنا كانت هذه البداية انطلاقة التفكير في إيجاد مكانة لهذه الممارسة في تونس وحاجة الأطفال ذوي الإحتياجات الخصوصية لها فلم نحد عند البحث الأكاديمي لإيماننا بأهمية التعرف على المسار التاريخي والتجارب غير أننا انتقلنا مما اكتسبناه تطبيقيا إلى العمل الميداني حيث قمنا بالعديد من الورشات في مراكز الأطفال ذوي الإحتياجات الخصوصية بمختلف أنواعهم كذلك داخل مستشفى الأطفال باب سعدون وهذه الممارسة شحنت فينا الإصرار على مواصلة المشوار لما اكتشفناه من أهمية العروسة في جعل الطفل يتواصل مع ذاته ومع الآخر .
تطنب الحديث عن قيمة المسرح وقدرته على شفاء الروح، المسرح عندها علاج من ادران الخوف والاختلاف، هو صوت من لا صوت لهم، فعلى الركح يخرج الطفل كلّ ما يسكنه يسكبه امامه لتسمو روحه ويشعر بطمأنينة المسرح حسب تعبيرها، وتتابع الحوار بالقول هنا لسائل أن يسأل عن الصلة بين العروسة والعلاج الإجابة عن سؤال الصلة بين العروسة والعلاج يحيلنا مباشرة إلي مفهوم الإسقاط الذي تناولته دراسات علم النفس بكثافة وهو اسقاط المشاعر السلبية والإحساس بالدونية من خلال هذا الوسيط الفني الذي يحقق متعتين متعة الصنع الذي يجعل الطفل يسقط أحاسيسه وأفكاره على ملامح العروسة التي يصنعها وما يسهل هذه العملية قرب العروسة من عالم الطفل فلا نواجه الرفض ومتعة التعبير حين ينطق الطفل هذه العروسة ويجعلها تتكلم بلسانه معبرة عنه فهو هنا في حالة إحساس بالأمان بوجود هذا الوسيط الذي يمكن القول أنه هو وليس هو توجنا هذه التجربة التي دامت عشر سنوات برسالة ماجستير، ثم تعمقنا في البحث وفتحنا المجال أرحب لأطروحة دكتواء حملت عنوان المسرح العلاجي بين التطهير والفعل المسرحي التي رمنا فيها ابراز قدم الممارسة وتجددها وأهميتها.
«ما أحوج من يعاني داخل أسوار السجن الى التعبير الحر»
المسرح دينها والإنسانية ديدنها، تخبرك أنها تشعر بالسعادة كلما مررت القليل من الفرحة إلى الآخرين خاصة من يختلفون عنا، فنانة تجدف ضد التيار وتصنع عوالمها الفنية التي تشبهها، بسيطة ولامعة، هكذا هي هدى اللموشي وبعد أعوام من العمل المسرحي الإدماجي مع ذوي الهمم وفي مراكز الرعاية والإدماج وجهت بوصلتها إلى فئة أخرى.
لان دائرة الإنسانية بدأت تتسع تدريجيا وهذه المرة سكنت سجن «صواف» وقدمت منذ عام عرض بعنوان «كفارة» لنزلاء السجن المدني صواف بزغوان «و هذه التجربة التي تعلمنا منها الكثير وأضافت إلى زادنا الكثير واكتشفنا من خلالها أهمية المسرح كوسيلة فنية جمالية في التعبير الحر وما أحوج من يعاني داخل أسوار السجن إلى التعبير الحر في قالب فني جمالي يجمع بين التطهير الذاتي من أردان الجريمة والتنفيس» وتتواصل التجربة هذه السنة مع سجن برج العامري بمسرحية «خرف» مغامرة انسانية اخرى مسكونة بالخوف والحرية والحب كما تقول اللموشي.
خارج أسوار السجن هناك تجربتان اخرتان، الاولى تجربة جديدة مع شاب له إعاقة عصبية نفسية اكتشفت من خلالها أهمية المسرح في التقليص من فرط الحركة التي يعاني منها هذا الشاب كذلك طلاقة اللسان التي لا تتوفر عنده في العادة اما الفكرة الثانية فموجة أساسا للأمهات العازبات انتصارا لحريتهن ودفاعا عن حقهن في الحلم، اولئك اللواتي ينبذهنّ المجتمع نريد ان يستقطبهنّ المسرح لانه ترياق ضد كل الاوجاع.
لازال البحث متواصلا في ميدان المسرح العلاجي، ولازالت هدى اللموشي تسعى لطرح البديل الفني الانساني فهذا المشوار الذي بلغ من العمر عشرين سنة لم ينطلق من فراغ ولم يكن مشوارا سهلا خاصة بغياب الوعي بأهمية هذه الممارسة وأهمية الفعل المسرحي مع الافراد الذين يعانون من صعوبات في التواصل وحلمنا أن تعي وزارة التعليم العالي بهذا الإختصاص الذي يسمى علاجا نفسيا بالفن في جميع الفنون والذي يفتح أبوابا وآفاقا جديدة للممارس والمتلقي.
هدى اللموشي المختصة في المسرح العلاجي تنشد كل التجارب الانسانية، وهي مدافعة شرسة عن حقّ المختلفين في المسرح فرجة وانجازا، لها مسرحها الخاص الذي ينير القلوب المظلمة جراء رفض المجتمع، ورسالتها دائما « ابنائي السجناء، بناتي الامهات العازبات، اطفالي في مراكز الاحتياجات الخصوصية،ابنائي بمراكز الايواء ساعيش لامنحكم الفرح نحبكم» وما احوجنا للحب.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا