الشاعرة فوزية العكرمي في حوار لـ«المغرب»: نعيش وضعا هجينا على جميع المستويات

جاءت فوزية العكرمي إلى عالم الأدب، الصاخب «هاربة من الجور والظلم مستنجدة بالكلمات وعظمة الشعر في مرحلة عمرية صغيرة وتحديدا في الابتدائي حيث كتبت قصائد عديدة عن فلسطين

وما تلقاه من حيف بني صهيون دون تحرّك سواكن العرب.لقد تفتّحت عيونها على حياة بسيطة بائسة في بيت ضيّق تسكنه عيون كثيرة وكان عليها أن تهرب من العبث والاحتياج إلى عالم أوسع وأجمل وأصفى فكانت القصيدة.» هكذا تلخص هذه الشاعرة مسيرتها في الأدب والحياة في حوارها مع «المغرب» كما يلي:

• في البداية هل لك أن تعرّفي القارئ بفوزية العكرمي الانسانة والشاعرة ؟
فوزية العكرمي أستاذة لغة عربية أمّا فوزية الشاعرة فهذه مسألة أخرى أودّ دوما الخوض فيها فأنا انتسب لجيل التسعينات حيث ترعرعت القصائد والأحلام معا في ربوع الجامعة التونسية هذه القصائد لم تنشأ من عدم إذ سُبقت بمحاولات وارهاصات عديدة لفتت الانتباه اليها منذ صدحت بالقصيدة الأولى عن فلسطين لكن في الجامعة تبيّنت المسالك واهتدت الذات لقرينها في الأدب طبعا وصارت الكتابة خبزا يوميا تقاسمته مع أصدقاء المرحلة الذين هم اليوم يعدّون من أهم الأصوات الشعرية وأبرزها دون بهرج اعلامي أو وسائط الكترونية للتعريف بالشاعر آنذاك .ولقيت وقتها كلّ التشجيع والاهتمام والمتابعة من أبرز الأساتذة الجامعيين (محمد لطفي اليوسفي ،كمال عمران، الطاهر الهمّامي ،عبدالله صولة ....)وغيرهم .في هذه المرحلة بالذات نسجت مع رفقتي أولى خيوط التميّز بكتابة قصيدة حداثية مستعصية على القارئ غير الجادّ وتبدو أحيانا مطلسمة غارقة في الغرابة ومتفجّرة لمن يرى الشعر بعين القلب والالهام والابداع فكان ديواني الأوّل «وجوه أخرى للشجن» الصادر سنة 2005 تتويجا لهذه الرحلة المتقلّبة والمؤلمة أيضا جامعا لقصائدي الأولى التي رضيت عنها واعتبرتها منعرجا في كتاباتي ثمّ كان ديواني الثاني الصادر إبان الثورة «ذات زمن خجول» لخّصت في قصائده كلّ الآلام والجراحات التي كانت تطلّ عليّ من فتحة الماضي وكأنّني أثأر من تلك المرحلة المظلمة من حياتي وهي مرحلة غارقة في البؤس والحرمان والظّلم لأكون على موعد سنة 2015 مع ديوان جديد صدر بلندن عن دار مومنت وهو بعنوان «كان القمر لي» قصائد متراوحة بين القصر والطول ومتنوعة المضامين وفي سنة 2017 أصدرت ديواني الرابع وهو بعنوان «جدير بالحياة» إنّه اعلان رسميّ بالحياة رغم الظلام والارهاب المستشري وظهور أعداء الحياة .

• في ماكتبته ما هي أبرز القضايا التي تناولتها ؟
كلّ مبدع هو حامل لرسالة ما رسالة فنّية أو اجتماعية أو سياسية أو انسانية ومن هذا المنطلق تحدّد ماهيته وتضبط عناصر تميّزه ...في مرحلة ما من العمر نتخلّص من عبوديتنا للكلمات ونتحرّر من قيود الوحي نصير أكثر قدرة على تشكيل عوالمنا الخاصة .العوالم التي نمارس فيها طقوسنا الخاصة .كنت مهوسة في البدايات بالتقليد والنسج على المنوال حتّى أضعت البوصلة الحقيقية إلى دنى الشعر وفقدت متعة التلذّذ بنص مغاير . لذلك حرصت على تعديل البوصلة وإثبات الذات بالكتابة في كل القضايا التي تهمّ الانسان وتمسّ القارئ فكتبت عن الارهاب والفقر والغدر والحسد والحب والصداقة والأمومة والأبوّة وذقت ألوانا من الفراق والبعد فتألمت القصيدة لمواجعي وخضت في التفاصيل محاولة فهم سر الوجود دون الانبتات عن انتمائي لهذا الوطن العزيز بدرجة أولى وللوطن العربي الكبير بدرجة ثانية حيث ظلّت الايديولوجيا حاضرة في قصائدي ذات المنحى العروبي فكتبت عن سوريا والعراق وفلسطين

• على مستوى الشكل السائد اليوم هي قصيدة الومضة فهل جرّبت فوزية العكرمي ذلك ؟ وما تقييمك لقصيدة الومضة ؟
أعتقد أنّه على الشاعر أن يكتب في كلّ أنماط الكتابة وفي كل الأشكال الشعرية وقد كتبت قصيدة الومضة دون دراية منّي أحيانا تنكتب قصيدة مكثّفة جدا في سطر واحد ويستحيل اتمامها لأنّها تامة الأركان والشروط .قصيدة الومضة هي من أصعب أشكال الشعر وإن استسهلها البعض وقد برع فيها قلّة قليلة جدا من الشعراء إنّها عصارة فكرة واختزال ممنهج لرؤية ما تتطلّب تيقّظا تامّا وبراعة في التقاط المعنى وقدرة على ادهاش القارئ وارباكه ولنا في موروثنا الشعري ما يدلّ على أنّ قصيدة الومضة لها جذورها فيما كتبه الشعراء الأوائل من قصائد ببيت واحد تتوفر فيه كل مقومات الشعر رغم قصره.

• أنت تكتبين الشعر والقصّة(ومجموعتك القصصية تصدر قريبا ) فماالأقرب إليك ؟ولماذا ؟
المجموعة القصصية بعنوان «هبوط اضطراري» وهي مجموعة دفعتها للطباعة مرّتين ثمّ تراجعت .رغبتي شديدة في أن أظلّ معروفة بكتابة الشعر ولا أريد لأيّة تسمية أخرى أن تزاحم اسم الشاعرة .الشعر هو الأقرب هذا مؤكّد لأنّه المعبّر الوفيّ عن عوالمي الصاخبة والرسول الأمين لدواخلي وسكناتي أمّا القصة فهي مهمّة وهي عالم آخر لجأت اليه عندما أردت أن أتحدث عن تفاصيل وحكايات مستلهمة من الواقع ذات مواضيع ثورية متنوعة.

• فوزية العكرمي المعروف عنها أنّها أسّست عديد النوادي الأدبية وتنشط في صلبها وتكاد لا تغيب عن التظاهرات الثقافية .فكيف تبدو لك الساحة الأدبية في تونس بعد الثورة؟
الساحة الأدبية في تونس متنوّعة وثرية باختلافها وقدرتها على استيعاب الوافدين من الأدباء الناشئة خاصة لكّنها ككلّ المشاهد الأدبية العربية اختلط فيها الحابل بالنابل كما يقال ولم تعد هنالك ضوابط أو معايير تحدّد القيمة الفعلية للحجم المهول من الكتابات والدواوين والقصص والروايات المنشورة اليوم .بل صار المعيار هو العلاقات القائمة على الاخوانيات واللوبيات الضيقة وفق شعار الأقربون أولى بالمعروف .إنّنا نعيش وضعا هجينا على جميع المستويات ولا يمكن الخلاص منه إلّا بايلاء المبدعين الحقيقين المكانة التي تليق بهم .
حوار: الحبيب بن فضيلة

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا