مسرحية «آخر مرة» إخراج وفاء الطبوبي: الممثل حمّال ألوية النقد وجسده وصوته أسلحة لا تلين

تجربة مسرحية جديدة تخوض غمارها الفنانة وفاء الطبوبي، المراة المشاكسة والمنتصرة للمسرح وللمرأة تقدم للجمهور عملا جديدا بعنوان بنطلق من نقد علاقة

المرأة والرجل ليصل الى نقد العديد من الظواهر الاجتماعية والنفسية المركبة التي تؤثر على المجتمع.
«آخر مرة» عمل من تقديم المبدعة مريم بن حميدة التي تطوع لغة الجسد خدمة للمسرح والمشاكس دائما اسامة كشكار اجتمعا في عمل مسرحي يرشح بالنقد وثنائيتي الالم والامل ناقدا وناقلا صراع حواء وادم منذ البدء الى اليوم.

التمثيل: طاقة عجيبة تقنع المتفرج
طاقة عجيبة على الركح، من اين استمد الممثلان كل تلك القوة والعظمة على خشبة المسرح؟ طاقة لعب مميزة تشاركها ثنائي عشق المسرح وقدم الكثير على الركح فكانا عملاقين، لساعة وعشر دقائق والممثلان يتحركان دون «اخذ نفس»، سبعين دقيقة من اللعب الجسدي والحسي والمنطوق دون ان تتراجع الرغبة او اللهفة على ما يقدمانه.
كلّ منهما لعب ثلاث شخصيات، لكل شخصية عوالمها النفسية والجسدية، لكل شخصية طريقتها في نطق الكلمات والتعبير، لكل شخصية عوالمها يدخلها الممثلان دون خوف ويجذبان الجمهور الى تلك العوالم الدرامية القصية ليكون الاداء بمثابة الشهقة، وكل عبارات الاعجاب لا تفي اسامة كشكار ومريم بن حميدة حقهما فيما قدماه على خشبة مسرح الريو من اتقان للنص للعبة المسرحية ولتفاصيل الحكايات والشخصيات التي قدماها في مسرحية «اخر مرة».
في الاداء الكثير من الصدق ومعايشة للشخصيات وانفعالاتها، رحلة داخلية وذاتية يعيشها كل ممثل في ذاكرته الانفعالية ليجد مميزات تلك الشخصية او الأخرى ليكون اللعب بتلك الجدية والصدق، اداء الممثلين تنطبق عليه مقولة ستانسلافسكي:»إن فننا هو أن تعيش في دورك في كل لحظة من لحظات أدائه. وفي كل مرة يعاد فيها خلق هذا الدور، يجب أن يعاش من جديد، ويجسد كأنك تؤديه لأول مرة» وعلى الركح بدا اسامة كشكار ومريم حميدي كانهما يخرجان من خزانة الذاكرة ملامح الشخصيات يلاعبونها قبل تقمصها وتقديمها الى الجمهور.

صراع المرأة والرجل وسؤال عن المجتمع والدولة
صراع منذ الأزل صراع المرأة والرجل تنقله وفاء الطبوبي في مسرحيتها الجديدة على الركح، اسم العمل «اخر مرّة» تناولت بالنقد وحاولت الكشف عن مميزات العلاقة بين الانثى والذكر في وضعيات درامية مختلفة.
«آخر مرة» مسرحية تكاد تكون دراسة سيوسيولوجية نفسية تتناول بالطرح العلاقة رجل- امرأة من خلال العلاقة الشغلية بين «العرف» والسكرتيرة، وعلاقة الام بأنها والعلاقة الزوجية بين زوجين يعملان وكلاهما يرسم طريق نجاحه، في الوضعيات المختارة الثلاث حاولت المخرجة وكاتبة النص كشف دلائل القوة والضعف في تلك العلاقة ومنها تنقد العائلة فالمجتمع فالدولة ومؤسساتها.

المشهد الاول ينقل العلاقة الشغلية بين الرجل والمرأة ناقدا المنظومة الشغلية القائمة على الامتيازات والمحسوبية دون الانتباه الى الكفاءة، من خلال شخصية «السكرتيرة» ومعاناتها تنقد كاتبة النص ظاهرة التحرش التي تعاني منها الكثير من النساء في عملهن، بالاضافة الى الشعور بالمهانة احيانا فالسكرتيرة متحصلة على شهادة الدكتوراه بينما رئيسها المباشر لم يتجاوز مرحلة الاستاذية وكأنّ بالعمل يحاول اعادة فتح ملف الترقيات المهنية والاهتمام بالشهادة عوض «من طرف فلان» او «زوج فلانة» وما السكرتيرة إلا صورة الكثيرات من الخريجات اللواتي اضطررن بالعمل تحت امرة من هم اقلّ منهن علما ومعرفة فقط لضرورة العمل.
في المشهد الاول ابدعت مريم حميدة في الأداء بكعب عال رقصت وتحركت بخفة طفلة صغيرة حافية القدمين والفكر، تركت لجسدها الحرية ليعبر عن غضب داخلي، صوت الجسد وحركاته كان ابلغ من الكلمات أحيانا لخّصت وجع المرأة العاملة وخوفها وشعورها بالإحباط في كثير من المواقف، تحركت برشاقة تاركة للجسد ولغته مساحة حرة للتعبير والبوح فكانت سكناتها عنوان لصوت داخله تبعثه النساء اثناء الخوف وكان جسد الممثلة بكل ما حمله من معان دليل المتفرج ليدخل الى عوالم المرأة ويفهم سبب ثورتها الداخلية.
ومن خلال الحديث عن العلاقة الشغلية يوجه اصابع النقد لوسائل النقل العمومي والشرخ الموجود في العائلة التونسية وعدم تحمل الاباء مسؤولية الابناء بالإضافة الى البنية التحتية المهترئة كل هذه المواضيع تنقد في حوار بين الرئيس وسكريترته.
نهاية المشهد الاول تكون بداية للثاني، لتتغير الملابس وطريقة الحركة وموضوع النقد وتطرح ثنائية الام-الابن وما تعرفه هي الاخرى من مشاكل فالأم ترى انها صاحبة القرار وتعبت ليكون ابنها نسخة من تفكيرها والابن يخوض ثورته الداخلية ويريد التحرر من سيطرة الام العائل، ليطرح عبر الحوار مواضيع انتشار البطالة واغتصاب العجائز وانتشار المخدرات ومواضيع اجتماعية يتمّ التطرق اليها بطريقة غير مباشرة.
اما الجزء الاخير فهو محاولة لدراسة نفسية للعلاقة الزوجية، مزاجيتها ومشاكلها ونقاط القوة فيها، تناقض حد الاختلاف وتواصل حدّ التماهي، حبّ فرتابة، تلقائية فخوف ومشاعهر نفسية متناقضة تقدمها الشخصيات وتحمل معها المتفرج ليبحث هو الاخر عن ذاته وسط تلك المشاعر المتأججة حبّا ورهبة، الممثلين اتقنا الشخصيات حدّ ادماج الجمهور في اللعبة المسرحية ليطرح اسئلة عن هذه العلاقة المقدسة الغامضة منذ الازل ومنها يتساءل عن حقوق المراة العاملة وموقعها في المجتمع والعائلة ثم ينخرط في رحلة تفكير عن مؤسسات الدولة وإداراتها وسياستها المنعكسة دوما في علاقة الرجل-المرأة.

الاضاءة تصبغ اغوار المتفرج النفسية
طاولة وكرسيان هما ديكور المسرحية، والكثير من الضوء، الضوء في «اخر مرة» شخصية مستقلة بذاتها، طريقة توزيع الاضاءة على الرّكح ابدعت فيها المخرجة وفاء الطبوبي فاستغنت على الديكور وركزت اساسا على الاضاءة لتجعل منها عنصرا محركا للشخصيات والأحداث.
في المسرحية للإضاءة دلالات متعددة لما يمتلكه الضوء نمن قوة متحركة تزوّد العرض المسرحي بالحياة وتصل مباشرة الى الذاكرة البصرية للمتفرج فالضوء عنوان للاتصال والانفصال من خلاله تحمل الطبوبي الجمهور الى عوالم نفسية تمزج الامل والالم، الضوء الاصفر المقسم الى اروقة يرمز الى الالم الذي تعيشه المرأة والرجل على حد السواء، مشاعر الخوف و الرهبة تنقل من خلال توزيع الاضاءة وابعاد الكرسيين عن بعضهما ومتى ارادت نقل مشاعل الامل المنبعث من ركن قصي تكون الاضاءة مشحونة بالالوان.
بالإضافة الى الاضاءة تكون الموسيقى والمؤثرات الصوتية جزء من العملية الابداعية التي تخوض غمارها وفاء الطبوبي دائمة البحث عن التجديد فيما تقدمه لجمهور المسرح التونسي، الموسيقى تتماهى مع الاضاءة في دغدغة المتفرج ومحاولة اقتحام كل الابواب النفسية المغلقة فبهما تلج المخرجة الى دواخلك تراقص ألمك وتنصت الى فرحك تصبغ اغوار الروح وتشاكسها لتخرج ما يسكنها في شكل حركات راقصة واحيانا كلمات موجعة تتماهى مع طريقة توزيع الضوء وتقسيم الركح صوتيا وبصريا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا