في معرض الفنان رشيد الرحموني: حتّى الكورونا بريشة الكاريكاتير أجمل !

«الكاريكاتير ينشر الحياة على الحبال دائما وفي الهواء الطلق وفي الشوارع العامة، إنه يقبض على الحياة أينما وجدها

لينقلها إلى أسطح الدنيا حيث لا مجال لترميم فجواتها»، بهذا الوصف الدقيق، الجميل اختزل الفنان ناجي العلي براعة هذا الفن الآسر في التقاط الفكرة، ورشاقته في رسم الصورة، وبلاغته في التعبير عن القضية... وبين أنامل فنان الكاريكاتير التونسي رشيد الرحموني تنساب الريشة في طلاقة لترسم حكاية منّا وعنّا، ولتكتب بفصاحة تعاليق طريفة وساخرة عن الآن وهنا...
في إطار «مهرجان صور» الذي نظمته دار الثقافة ابن رشيق، كان الاحتفاء بمعرض الكاريكاتير للفنان رشيد الرحموني بمثابة رد الاعتبار لهذا الفن المنسي والمهمش سيما وأن هذا المعرض توثيق لتصريحات ومراحل دقيقة عاشتها تونس بسبب زحف وباء الكورونا .
85 رسم كاريكاتير عن تونس والكورونا
عن الكورونا وعبثها بالبشر وفسادها في الأرض، رسم الفنان رشيد الرحموني هذا الفيروس الخطير في 85 صورة كاريكاتورية، اتحدّت في الفكرة والموضوع وتنوّعت في الرسائل والقضايا. عند التأمل في هذه الرسوم يبدو لنا أن فن الكاريكاتير هنا كالرصاص الذي يصيب الهدف مباشرة دون أن يسيل الدم. هي رصاصات أطلقتها ريشة صاحبها لتستقر في الذهن والوجدان سيما وأنها تعبّر عن هواجس الناس وتنقل مخاوف الآلاف وتنطق بلسان من عجزوا عن الكلام !
تكفي صورة واحدة من رسومات المبدع رشيد الرحموني لتقول مئات الكلمات وتختزل عشرات الخطابات التي قيلت بالأمس وتقال اليوم عن الحجر الصحي وغلق الحدود و حظر التجول... ويحسب لهذا الفنان أنه لم يكتف بمسايرة الوقائع ورصد الوقائع بل امتلك شجاعة القلم وجرأة القول ليصدح بقضايا الفقراء والمضطهدين ويفضح التناقض في قرارات الحكومة على حساب الشعب المسكين. أكثر من 80 لوحة كاريكاتير بعثها رشيد الرحموني من العدم إلى الحياة دون أن يكرّر نفسه أو يجتر أفكاره، وهو الذي أكد في تصريحه لـ «المغرب» بالقول: «في معرضي 85 رسما ولكل رسم حكاية ولكل صورة قضية، فعندما أرسم الكاريكاتير أتسلح بلسان الضعفاء ودعاء المقهورين وأمل الحالمين حتى أساهم من موقعي في تعرية الفساد وفضح التلاعب بمصلحة المواطن وإماطة اللثام عن أمراض المجتمع وأوجاع العصر...».
عن سمات فن الكاريكاتير في أعماله ومميزات بصمته في هذا الميدان الصعب المراس، يقول رشيد الرحموني: «من حسن حظي ّأني نجحت في العثور على المعادلة الصعبة التي تجمع بين موهبتين: موهبة الرسم وموهبة التعليق. فالكاريكاتير المعبّر والجميل يكون أكثر تأثيرا وبلاغة إن رافقه التعليق المختصر والمفيد بمنتهى الذكاء والطرافة».
الكاريكاتير فن النضال والالتزام
بعيدا عن حشر فن الكاريكاتير في زواية الإضحاك السخيف والنكتة البليدة يدافع الفنان رشيد الرحموني عن وظيفة الكاريكاتير في المجتمعات بما هو أداة دفاع وسلاح هجوم وجسر عبور بين المواطنين والسلطات...
في معرض لوحاته عن الكورونا وغيرها من الرسوم التي يصافح بها قراء الصحف كل صباح، يسخّر رشيد الرحموني ريشته لرسم هموم اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية بكثير من الالتزام ، حيث تنسحب على أعماله مقولة المؤرخ الفني إرنست كريس: «تطوّر الكاريكاتير من نكتة معقّدة تُلقى لإمتاع أصدقاء الفنان ليصبح سلاحا اجتماعيا يكشف القناع عن ادّعاء القوة ويقتل بالسخرية».
ليس الكاريكاتير فنا سهلا والمتاح للجميع بل يحتاج إلى موهبة وذكاء وثقافة واسعة... ومن زواية نظره وخبرته في ممارسة المهنة لعقود طويلة يقول رشيد الر حموني :» الحرية ثم الحرية ثم الحرية هي أساس إبداع رسام الكاريكاتير ودونها يكون هذا الفنان عقيم الفكرة والصورة. إن دور فنان الكاريكاتير تبني قضايا عامة الناس والدفاع عن هموم المسحوقين والمضطهدين... لهذا يجب أن يكون فنان الكاريكاتير مزروعا بين البسطاء والكادحين ومختلطا بكل الفئات الاجتماعية ومطلعا على ما يدور حوله في الشارع. دون مراقبة لصيقة للمجتمع وامتلاك ثقافة واسعة واطلاع متواصل على مجريات الأحداث في تونس والعالم بعين ثاقبة ، يعجز فنان الكاريكاتير عن النفاذ إلى الجمهور العريض  وحتى اختراق الحدود والحواجز باعتبار أن فن الكاريكاتير هو لغة عالمية وجواز سفر مفتوح بين كل المطارات».
فنانو الكاريكاتير في تونس.. مبدعون
ولكنهم مهمّشون!
«من السهل أن يولد فنان تشكيلي في كل يوم ولكن من الصعب العثور على رسام كاريكاتير دائما»، هكذا يقول فنان الكاريكاتير المصري سمير عبد الغني للدلالة على ندرة وقيمة هذا الفن المناضل والمقاوم حتى وإن بدا بسيطا في نظر البعض. ألم يغتل الفنان الفلسطيني ناجي العلي بسبب كاريكاتير «حنظلة» ؟
في تونس يعد مبدعو فن الكاريكاتير على عدد الأصابع ومع ذلك هم يقاومون كل يوم من أجل البقاء ومن أجل عدم انقراض فن عسير آمنوا بدوره ورسائله ... بعد ثورة 2011 كان الكاريكاتير الفن الأسرع في التقاط تفاصيل التحوّل الكبير والأكثر بلاغة في التعبير عن هواجس بقيت حبيسة الصمت في سنوات الجمر. لكن سرعان ما انحسرت هالة الإشعاع عن هذا الفن ليعود إلى صمته وقوقعته المفروضة عليه قسرا . ولولا إصرار المناضلين من فناني الكاريكاتير على المقاومة والصمود لأطبقت كماشة التهميش على أنفاس هذا الفن النبيل. فهل سيجد فنان الكاريكاتير يوما ما المكانة التي يستحقها كما هو الحال في دول أوروبا والشرق الأوسط؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا