«مكينة السعادة» قد تستريح لكن لن تتعطّل: رحل كمال الزغباني وترك لنا «زغبانيا» من الفلسفة والأدب والحياة


لم يكن جسدا عاديا بل كان روحا من الفلسفة تفكر بعقل من الحكمة وتمشي على ساقين من التمرد والثورة. كان يحلو لكمال الزغباني أن يرسم لنا الحياة

في شكل نقوش هيروغليفية وكأنه يستفزنا على التفكير والتفسير والتأويل. وكان يطيب له الضحك ملء شدقيه ساخرا من التفاهة والسطحية من حوله... كما كان يروق له الكتابة عن «البهيموقراطية والثورة» ليسخر من أكاذيب المارقين عن الحقيقة والإنسانية... وقبل الرحيل الأخير، علمنا فيلسوف السعادة طريقة اشتغال المكينة «في انتظار الحياة»...
انتشر الخبر مساء الاثنين 14 سبتمبر 2020 وكان مفجعا ، مخيفا، مرّا حتى «فزعنا فيه بآمالنا إلى الكذب «... كمال الزغباني مات !؟ كيف ومتى؟ ولم استعجل الغياب؟ ولمَ ترك «زغبانيا» وحيدة؟

«زغبانيا»... الحديقة الخلفية لحياة مختلفة
آخر ما ترك لنا كمال الزغباني من وصيّة، من هدية، من ذكرى... هي صورة شخصية له بدت وكأنها لوحة ميتافيزيقية أو تشخيصة سريالية ! في هذه الصورة لم يستدر إلينا كمال الزغباني تماما، ولم يدر إلينا ظهره كليّا بل ترك لنا جانبا من شعره المتمرد مثله، ونصفا من وجهه المتأمل، ويدا على الذقن تستفز السؤال، وأصابع من اليد الأخرى تمسك بعلبة سجائر طالما كانت الرفيقة والصديقة في حياة الرجل الثائر. لم ينظر كمال الزغباني إلينا / فهل كان يوّدعنا دون أن نشعر؟ بل سبح بنظره في أفق بعيد أو قريب وربما رأى ما لم نر نحن ومن حوله أغصان وأشجار بدت عل طبيعتها دون عبث الإنسان.

من عرف كمال الزغباني أو ارتبط معه بصداقة ولو افتراضية على شبكة الفايس بوك، يعلم على سرّ «زغبانيا» تلك الحديقة الخلفية في منزله والتي حوّلها من أرض بور جرداء إلى روضة من الأزهار وحقلا من الزيتون والأشجار المثمرة والخضروات ... لقد أطلق أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية اسم «زغبانيا» على حديقته التي كانت جنّته وسعادته وهو يسقيها ماء وعرقا ويعمّرها نباتا واخضرارا حتى صارت تسر الأنظار وتسلب الألباب !

لم تكن علاقة كمال الزغباني بحديقته تشبه العلاقة العادية بين الفلاح وأرضه والبستاني وحديقته، بل كانت اجتراحا لتجربة فلسفية في مقاومة العولمة المتوحشة ورأسمالية المجتمع الاستهلاكي . لقد أراد رجل الفلسفة أن يحقق اكتفاءه الذاتي من الغلال والخضر واللحوم بعد جني محصول أشجار وغلّة حقله البيولوجية واستهلاك خيرات ما تجود به حيوانات حديقته سواء أكانت دجاجات أو أرانب من خيرات حديقته.

في «زغبانيا» كانت متعة كمال الزغباني خالصة وهو يطالع كتبه أو يكتب أفكاره أو يداعب قططه.... ومن حوله ورود باسمة الثغر وصفاء ذهن وحياة.

تمرد فيلسوف وثورة مفكر
لمّا كتب «في انتظار الحياة» حاز جائزة الكومار الذهبي، أما رواية «مكينة السعادة» فوهبته جائزة الرواية في معرض تونس الدولي للكتاب سنة 2017. وفي يوم التتويج صعد الروائي والفيلسوف كمال الزغباني على المنّصة لتسلم الجائزة الكبرى، فصنع الحدث مرتين! فحتّى وهو يتسلم جائزة البشير الخريف للرواية كان كمال الزغباني حرّا وثائرا ومحتجا إذ تخلى عن البدلة الأنيقة وربطة العنق المتأنقة واستبدلها بقميص حملة «مانيش مسامح».

عن تتويج «مكينة السعادة» ودور المثقف ورؤاه في الأدب والحياة... تحدّث وقتها كمال الزغباني لـ»المغرب» عن دور المثقف الطلائعي في مساندة المسار الثوري، فقال:»أعتقد أن الفعل الإبداعي ثورة ومقاومة في حدّ ذاته... في الآن ذاته هنالك بعد نضالي لم ينخرط فيه مبدعونا وفنانونا بالقدر الكافي. وأقصد هنا المساهمة في الحراك الثوري باستعادة الكلمة واللحظة الراهنة حتى لا يضيع منّا الوطن! وإن كنت أبارك تجمّع المثقفين والمبدعين تحت راية مبادرات ثقافية موّحدة على غرار مؤتمر المثقفين ضد الإرهاب وبيان قرطاج للدفاع عن الثقافة فإني أرجو من هذه الأصوات العالمة والواعية أن تبحث في أسباب الانتكاسة واقتراح بدائل ورؤى جديدة من أجل اكتمال المسار الثوري ...».
فهل سيسمع من بعده مثقفو تونس نداء كاتب ثائر ومفكر حرّ ؟

فلسفة «الزغباني» في عدم الاعتراف بالموت
قبل أن يغادرنا كمال الزغباني في غفلة منّا، كتب من بين ما كتب عن نظرته للموت وعلاقته بالحياة الأخرى فقال في تدوينة على صفحته بالفايس بوك سنة 2016 ما يلي :»سأكتب كلاما أرجو ألا يخيف ميتافيزيقيا أيّا منكم: لا أعترف بالموت أصلا .. مثلا غادرني يوما رضا الجلالي لشراء علبة «كريستال» قبل الذهاب معي بالتاكسي إلى منزلي ... وكتب لي أولاد أحمد لنتحدث بخصوص مقالي عنه الذي يريده مقدمة لكتابه الشعري المقبل... وبعد يوم أو يومين يأتيك هاتف قائلا: رضا مات...أو أولاد أحمد مات ... لا ماتا لا والو ... شعوري أن رضا سيعود ، بين لحظة والأخرى ، بباكو الكريستال... شعوري أن الصغير سيهاتفني بعد قليل لنلتقي ونتداول أمر كتابه وتقديمي له ...ذات الشعور الذي كنت أعيشه طفلا وأنا أجلس على حائط أحمر قصير ومقشر بين السانية التي كنت أنبت فيها أشذ تعبيرات الحياة اخضرارا وبين المقبرة التي كنت أعشق في مشهدها أولئك النسوة المستفسرات المتنقلات فجأة بين البكاء على الموتى إلى الانطلاق في الحياة... ليس بين الموت والحياة كما بين الثنائيات الأخرى جميعها سوى «فحجة» طفل بين مقبرة وسانية... فهل تعقلون؟؟؟».

قبل الرحيل الأخير، ترك كمال الزغباني وصية أوصى فيه كل من يهمه أمره أن يوّدعه بالرقص أو السكر أو قراءة كتبه ... فقال: «أما بخصوص العلاقة بما يسمّى الموت فإني أوّد إعلامكم بالتالي : أولا: لن أموت. ثانيا: لن أسمح للدود والتراب بالتهام جسدي (سأرتب الأمور على نحو مغاير تكتشفونه في اللحطة المناسية) ولا لأي كان بالوقوف أمام شاهدة عليها إسمي بصيغة «كان» أو إحدى أخواتها أو بنات خالاتها أو أعمامها. ثالثا: سيكون الأمر كله بمقتضى الحكمة الأبيقورية: «لا وجود للموت .. نكون فلا تكون، تكون فلا نكون». رابعا: كل من يراني جديرا بالحب أو التقدير أو بإحساس إيجابي وفرح عليه بتحية شكل كينونتي بعد انقطاع الجسد عن الاشتغال على النحو الذي يشتغل به الآن بأجمل ما يستطيع: رقصة، قارورة نبيذ، مضاجعة، قراءة بعض ما كتبت... وأن يمضي في عشق الحياة حتى الثمالة بعيدا عن تصنيفات اللاهوت والناسوت».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا