مسرحية «نفس» من إخراج دليلة المفتاحي ضمن تظاهرة «سهريات الحمامات 2020» «خوذ نفس» قبل أن تكشف قبح المجتمع وتشوهاته ...

هل أن كل المساجين يستحقون تلك العقوبة ام أن الصدفة تلعب دورها في رميهم خلف القضبان؟ أي دور للمجتمع في دفع النساء

الى هاوية السجن والسقوط بين جدرانه؟ ايّ دور للتعليم في إنارة عقل المرأة وكيف تساهم الأسرة في وأد أحلام بناتها امام مصلحة الزوج؟ واسئلة اخرى تطرح على الركح بكل جرأة في مسرحية «النفس» إخراج دليلة المفتاحي وانتاج الفرقة البلدية لمدينة تونس.
«النفس» كتابة للطاهر رضواني وتمثيل ريم عبروق وعبير صميدي وليلى الطرابلسي وكمال الكعبي ومساعد اخراج يسرى القصباوي، مسرحية ناقدة تسلط الضوء على مشاكل المراة في المتجمع وتنقد الظواهر الاجتماعية التي قد تدفع بالانسان الى السجن.
«النفس» الترميز لنقد المجتمع
هنّ ثلاثة سجينات، هنّ نساء وجدن صدفة في مواقع الجريمة «ماقتلتاش نا، لتو ماقتلتو» محكومات بأكثر من 100عام من السجن وبعد اربعين عاما من حبسهنّ يصدر قرار عفو في حقهن فيرفضن الخروج «مانحبش نخرج، البره ما نعرفاش، ماعادش نعرف في نمشي في دنيتهم» فتلك الجدران المغلقة والابواب الحديدية اصبحت عندهنّ ارحم من قسوة المجتمع في الخارج وسجن الداخل اقل وجعا من السجن الخارجي الكبير.
«النفس» هو عنوان المسرحية ومن رمزية الاسم ودلالته تنطلق الاحداث وتتصاعد، فالممثلات على الركح يتحركّن كثيرا ويبذلن مجهودا جسديا جدّ منهك إلى حد أن يصبح اخذ نفس أمر صعب للغاية ومن قسوة انقطاع الاوكسجين عن الانسان وتلك الشهقة التي يطلقها تصاغ حولها أحداث المسرحية القائمة على النقد من خلال مشاهد تجمع التراجيديا والكوميديا، فتلتحم الدمعة بالضحكة وبين ضحكة وأخرى تقدم للمتفرج وجعا مخفيا ترسله الشخصيات إلى المتفرج لتدفعه عنوة للسؤال ومحاولة مساءلة ذاته والوقوف أمام روحه ومرآته ويسألها « هل انا حي، هل انا حرّ، هل أعيش حياة كريمة؟ هل أتمتع بحريتي أم ادّعي ذلك؟» اسئلة تولد من المشاهد المقدمة في مسرحية «النفس».
«النفس» فعل رمزي سوريالي في الاسم والمدلول، ومن الترميز ترسل شيفرات عديدة لنقد المجتمع التونسي ونقد القضاء والمؤسسة السجنية، في العمل نقد للمجتمع الذي يحرّم الحب ويرفضه ويضع شرف المرأة في قطرات دم محدودة «اش يحبوا عالدم»، نقد لمجتمع يرفض أن تحب المرأة و تحمل جنينا في احشائها دون زواج فتجبر على إجهاضه أو قتله ثم التعرض للعقوبة الجزائية وتلك قصة إحدى الشخصيات، نقد للأسر التي تبيع بناتها لأصحاب المال قبالة حزمة من الاوراق النقدية، نقد للعائلة التي تجبر البنات على الانقطاع عن الدراسة لاجل الزواج، هي مشاكل اجتماعية ترفضها مجلة الأحوال الشخصية وكل الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة وكأنّنا بدليلة المفتاحي نبشت في هذه الظواهر التي لازالت موجودة في مجتمعنا التونسي رغم التقدم القانوني والحقوقي فالمسرح هنا فعل لتعرية الحقيقة وكشفها وإبراز قبح المجتمع وبشاعته ونزع لقناع «الحقوق والحريات».
الممثل سمة نجاح العمل وجسده مطيته للنقد والمشاكسة
خمسة ممثلين على الركح صاغوا تفاصيل مسرحية «النفس» وتميزوا في نقل مشاهدها إلى جمهور مسرح الحمامات، أربعة سجناء وسجّانة، على الرّكح اختلفت القصص والحكايات وانتقل الممثلون من الشخص إلى الشخصية إلى التمثيل بكل حرفية وإتقان، استطاعوا نقل وجع السجن والخوف من الخارج، جرأة في الطرح والأداء مع طاقة جسدية وذهنية مميزة صاحبت الممثلات كامل العرض، في النفس الممثل محور الفعل الإبداعي المسرحي.
الممثلات لم يكتفين بأداء الشخصيات بل كن يحركن الديكور «مربعات حديدية تشبه الزنزانة» وتحريكها يتطلب قوة جسدية أتعبت الممثلات فوظفن التعب الجسدي لخدمة العوالم النفسية للشخصيات التي يتقمصنها فكنّ جد صادقات إلى حد الشعور أنهن فعلا يعانين وجع السجن وعلى ادائهنّ تنطبق مقولة ستانسلافسكي»إن فننا هو أن تعيش في دورك في كل لحظة من لحظات أدائه. وفي كل مرة يعاد فيها خلق هذا الدور، يجب أن يعاش من جديد، ويجسد كأنك تؤديه لأول مرة».
في «النفس» يحمل الممثلون وزر العمل ويتحملون مسؤولية اقناع المتفرج من خلال شخصيات مركبة، على الركح تكون الشخصيات المقدمة جدّ معقدة فهنّ سجينات تجاوزت مدة حبسهنّ الاربعين عاما، أربعون عاما من الظلمة والوجع والانقطاع عن العالم الخارجي أربعون عاما اكسبتهنّ صفات ذكورية وتصرفات رجالية لا تمتّ للأنوثة بصلة، اربعون عاما فقدن فيها كل الدلالات الأنثوية وقد استوحت دليلة المفتاحي شخصياتها من الواقع من خلال تجربتها في مسرح السجون ومن قصص السجينات الحقيقية شكلت معالم شخصيات مسرحيتها «النفس» فتماهى الواقعي بالخيالي لتقديم نص موجع وفعل مسرحي نقدي مشاكس.
الشخصية الرابعة كانت شخصية السجانة، تبدو طيلة العمل صارمة وحازمة مجبرة على إتقان عملها والالتزام بتطبيق كل التدابير القانونية إلى حدّ تساقط الكثير من الشباب بالرصاص الحي في الشارع حينها تفتح الأبواب على إنسانيتها وتبكي وتخبر السجينات أنها الأخرى إنسانة نصف سجينة فهي تعود كل مساء إلى بيتها محملة بقصص السجينات وحكاياتهنّ ولثلاثين عاما من العمل أصبحت تشبه الآلة في تطبيق القانون، وفي إحدى المشاهد تنقلب الأدوار فتدخل الزنزانة وتتركهنّ في الخارج صورة رمزية عن السجن الكبير الذي يعيشه أي إنسان.
مشهد سريالي يؤكد أن السجّان بدوره مسجون داخلة القوانين والتعليمات حتى وان غادر جسده الجدران العالية تظل روحه وفكره محكومين بقوانين السجن، فجميعنا مسجون وكلنا سجين وان اختلفت السجون، فاحدنا تسجنه الأفكار العائلية وأخرى تسجنها التقليد المجتمعية وثالثة مسجونة في القوالب الاجتماعية الجاهزة ورابعة تسجن باسم الدين، جميعنا مساجين في انتظار ثورة فكرية تحرر المرأة من سجن كبير دون جدران ولا قضبان.
اغتصاب الذكور موضوع طرح بجرأة
موضوع مسكوت عنه في المجتمع إذ كثيرا ما يخفي المغتصب حادثة اغتصابه حتى لا يلفظه المجمتع، اغتصاب الأطفال والذكور موضوع مطروح في المسرحية بكل جرأة، في المسرحية شخصية «300» تعرض للاغتصاب طفل وانتقم من مغتصبه بالقتل ليعاقب بسنوات طويلة من السجن، طرح الموضوع في المسرحية وكأنها دعوة للأسرة التونسية لتسمع أطفالها وتنتبه لهم وتحاول الإحاطة بالطفل المغتصب بدل رميه إلى غياهب الخوف.
دليلة المفتاحي مدافعة شرسة
عن حقوق المرأة
دليلة المفتاحي سيدة الشاشة الصغيرة والكبيرة،ابنة الفرقة الجهوية بجندوبة هناك تعلمت ابجديات المسرح والابداع، نجمة الدراما التونسية لها طاقة رهيبة أمام الكاميرا وعلى الركح تتجدد طاقتها وتتضاعف إيمانا منها ان المسرح فنّ حي. دليلة الممثلة المميزة والمتميزة هي مخرجة تنحت مسيرة نجاح خاصة بها مسيرة تدافع فيها عن المرأة وحقوقها وصارمة جدا مع الممثلين «مانحبش ممثل يحفظ نفسو، نحب الممثل إلي يشارك بالصوت والجسد ويحس انو لقشة من العمل» حسب تعبيرها.
لدليلة المفتاحي مشروعها المسرحي الذي تدافع عنه وتحاول ان توجه مسار سفينتها في سياق الدفاع عن حقوق المرأة عبر نقد المجتمع وظواهر الرجعية والذكورية التي تسكنه تشرح في اعمالها الظواهر الاجتماعية السيئة والمشوهة وتحاول تقديمها واضحة للمتفرج علّه يستيقظ من سبات الحريات وينتصر هو الآخر للمرأة.
دليلة المفتاحي الممثلة والمخرجة تونسية تؤمن ان المسرح حياة والمسرح فعل ابداعي حرّ ومقاوم ، المسرح وسيلتها للنقد والبناء، وسيلتها لكشف قبح المجتمع ومحاولة تقديم بعض النقاط الإصلاحية علّ حقوق المرأة تصبح حقيقية وليست مجرد كلمات تكتب في المجلات واغلب النساء لا يعرفن حقوقهنّ ولازلن يتعرضن للتعنيف والتخويف.
دليلة مفتاحي مدافعة شرسة عن المرأة، على الركح تنقد وتقدم رؤية إصلاحية للمجتمع، تؤمن ان المجتمع لا يستقيم دون تمتع المراة بحقوقها كاملة، في اعمالها تنحاز للمرأة لان المراة عندها عنوان الخلق.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا