اختفاءه من متحف سلقطة يثير الجدل: متى تعيد إيطاليا «درع حنبعل » إلى تونس ؟

«حنبعل» ليس مجرد اسم عظيم من الماضي وانتهى الأمر، بل هو القائد العبقري الذي غيّر تاريخ قرطاج وصنع مجدها وقوّتها

بعد أن ألحق بروما الخسائر وهزمها في أشرس المعارك ...كانت التكتيكات الحربية المدهشة والناجعة لحنبعل سر صمود قرطاج في وجه روما حتى أصبح هذا الرجل المعجزة مادة للأساطير وعنوانا للملاحم . ولئن بقي لتونس هذا الإرث الكبير، فإن كل ما يتعلق بسيرة هذا القائد العسكري وأثره وآثاره ... كنز لا يقدّر بثمن يجب حفظه وصونه وعدم التفريط فيه عمدا أو تقصيرا !
إلى حد الساعات الأخيرة لم يتوقف الجدل حول مصير درع حنبعل بعد استعارة نسخة هذه القطعة الأثرية من متحف سلقطة وعدم إرجاعها إلى مكانها منذ حوالي 7 سنوات !
ما بين متحفي باردو وسلقطة: هل ضاع درع حنبعل الأصلي ؟
كثيرا ما تتبادل عواصم العالم المنقولات الأثرية والأعمال الفنية كشواهد على الزمن الآفل وسالف الزمان لعرضها في المعارض الأثرية ضمن استضافة وقتية وفي سياق إجراءات مخصوصة. ونظرا لقيمة القطع الأثرية الثمينة فإن الحفاظ عليها أمانة وإهمالها جريمة في حق التاريخ والحضارة والبشرية جمعاء. في هذا السياق أثار العضو السابق في الهيئة العليا المستقلة للانتخابات سامي بن سلامة موضوع اختفاء نسخة من «درع جنبعل» كانت موجودة في متحف سلقطة (ولاية المهدية). وذلك بعد أن تم استعارتها من طرف وزارة الثقافة في عهد الوزير السابق مهدي مبروك لعرضها ضمن معرض أثري في إسبانيا. وطالب سامي بن سلامة وزيرة الشؤون الثقافية بفتح تحقيق في الموضوع ولم يخف شكوكه في إمكانية الاستيلاء على القطعة الأصلية لدرع حنبعل بمتحف باردو وتعويضها بنسخة سلقطة للتغطية على تقصير ما.
وبالرغم من أن صاحب التدوينة سامي بن سلامة اكتفى بالإشارة إلى عهد الترويكا كدلالة على تاريخ فقدان نسخة درع حنبعل من متحف سلقطة، فإن الوزير مهدي المبروك الذي تسلم مقاليد وزارة الثقافة فترة الترويكا قد تفاعل مع الموضوع داعيا إلى تجنب الإثارة والتوظيف وتحري الحقيقة و الرصانة موضحا ما يلي : «بعد معرض مدريد 2014 استرجع المعهد الوطني للتراث الدرع و تم عرضه في المعرض القار بمتحف باردو إلى حدود يوم 18 مارس 2015 تاريخ حدوث العملية الإرهابية بباردو ) تم على إثرها فورا إيداع الدرع بخزينة المتحف coffre fort لتأمينه و في سبتمبر 2019 تم إرسال الدرع إلى روما للمشاركة في معرض اثري عالمي ( ضمن قطع أخرى مأخوذة من متحف الجم و متحف كركوان ) وهو من تنظيم وزارة الثقافة الايطالية تحت عنوان Carthage le mythe immortel ما بين 27 سبتمبر 2019 – 29 سبتمبر 2020 و كان قد حضر حفل الافتتاح السيد وزير الثقافة الأسبق و سفير تونسي بايطاليا و حظي الدرع بتأمين خاص ضمن 80 قطعة أخرى من مختلف دول العالم حول حضارة قرطاج( من لبنان الى اسبانيا ) و لازال الدرع هناك (توقف معرض روما في مارس 2020 نتيجة غلق الفضاءات الثقافية بموجب الحجر الصحي / كوفيد 19) و توقف حركة النقل الجوي بين بلادنا و ايطاليا هذا و سيعود الدرع إلى تونس في الأسابيع القادمة حسب ما أكدته الهيئات المختصة بالوزارة و تم في جميع المراحل اتخاذ كل التدابير الأمنية والعلمية المعمول بها من أجل سلامة القطعة الأثرية يخضع ذلك على المستوى الوطني الى مجلة حماية التراث والقوانين ذات الصلة. أما دوليا فهو تقليد عالمي يتيح للشعوب و الثقافات الاطلاع على هذا الإرث المشترك ويخضع بدوره إلى اتفاقيات دولية و إجراءات تأمين مالية فضلا عن مراقبة ديوانية دقيقة».
المعهد الوطني للتراث: سيتم استرجاع الدرع قريبا!
لم ينف المعهد الوطني للتراث وجود القطعة الأثرية المتمثلة في «درع جندي من عساكر حنبعل» خارج تونس حيث ذكر في بلاغ له في الساعات الأخيرة أن القطعة المذكورة محفوظة من قبل السلط المختصة في إيطاليا وسيتم إسترجاعها قريبا.
و أفاد المعهد الوطني للتراث في بلاغه أن « درع جندي من عساكر حنبعل » تم عرضه خلال فعاليات المعرض الدولي « قرطاج في روما » في المنتزه الأثري الكولوسيوم بروما، وسيتم استرجاعه في القريب العاجل، وفق ما تنص عليه بنود الاتفاقية الممضاة في 20 فيفري 2019 بين الدولة التونسية والحكومة الإيطالية.وأضاف المعهد بأنه بعد عرض الدرع الأصلي ببرليتا في إيطاليا في إطار التبادل الثقافي خلال الفترة الممتدة من سبتمبر 2016 إلى جانفي 2017، تم عرضه مجددا في « متحف كابو » الإيطالي خلال الفترة الممتدة من شهر ديسمبر 2017 إلى شهر مارس 2018.وتم بعد ذلك إسترجاعه وإيداعه بمخازن متحف باردو ليتم أخيرا عرضه مجددا في إيطاليا بمناسبة المعرض الدولي «قرطاج في روما».
وإن لم يذكر المعهد الوطني للتراث التاريخ المحدّد لاسترجاع درع حنبعل من إيطاليا واكتفى بالإشارة الزمنية «قريبا»، فإن عيون المجتمع المدني ستكون بالمرصاد لكل محاولات التفويت أو التفريط أو إهمال التراث الوطني والإرث الحضاري لحضارة قرطاج الملهمة والخالدة.

لمحة عن الدرع القرطاجي
تم العثور على الدرع القرطاجي من البرونز المذهّب بارتفاع 42 سم في قصور الساف ويعود إلى ما بين القرنين الثالث والثاني قبل الميلاد، أي زمن حنّبعل القائد الحربي الشهير. وقد اكتشف الدرع عام 1909 في مقبرة بونيقية بالقرب من سلقطة التي تبعد عن قصور الساف بأربعة كيلومترات .
يتكون الدرع من جزئين جزء أمامي لحماية الصدر والبطن (صدارة) وجزء خلفي للظهر، وهو مزخرف بنقوش متشابهة، خاصة برأس الربة مينيرڤا بخوذة على رأسها (أو معبودة الحرب القرطاجية مجهولة الاسم، الاسم هنا روماني).
عثر على هذا الدرع داخل صندوق خشبي لخزن الثياب أعيد استخدامه كتابوت بأحد القبور في الجبانة البونية بـقصور الساف من ولاية المهدية التونسية حيث اختصت منطقة الساحل خلال الفترة البونية بصنع هذه الصناديق التي انتشرت شرقا حتى مدينة كراكس بمنطقة سرت الليبية مرورا بمدينة جكتيس بخليج بوغرارة الى مدينة تيمقاد غربا.
صنع الصندوق من لوحات من الخشب الرفيع المتشابك لتفادي ما يمكن من المسامير والقطع المعدنية ولا يعرف إن كان مطلي أم لا، وانفرد هذا الصندوق بوجود درع برونزي به رأس الآلهة مينيرڤا وهو من درر المتحف الوطني بباردو.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا