رواية «الاسفنجة» للأزهر الزناد: الحرية كذبة، والوطن نحن الذين نصنعه ...

الكتابة وجع، حلم وحُلم، الكتابة فرصة للحرية وللهروب من الموجود، الكتابة نقد ومشاكسة هكذا هي الكتابة عند الازهر الزناد

الذي احتفى بصدور مولوده الروائي الجديد «الاسفنجة» الصادر عن دار مسكلياني.
«الاسفنجة» فكرة وكتاب، هي فرصة لكشف زيف فكرة الحريات عند الاخرين ومحاولة تفكيك وتشريح المجتمعات الغربية وطريقة تفكيرها، الاسفنجة رواية قدمها محمد عيسى المؤدب بالقول «نحن في عوالم روائية اسفنجية فيها المتعيّن والمتخفي، المعلوم والمجهول، المرئي والامرئي، بل نحن في مستودع الاسرار بأمكنته وأزمنته ورموزه وأساطيره وقيمه واسئلته».
الريف منبع الحب دوما:
اختار الكاتب أن تأتي الشخصية المحورية لروايته من الهناك من عمق الريف التونسي، اختار لروايته شخصية مركبة تكره الريف وتقبل بشغف على المدينة ومعالمها، فيتجول القارئ معها في ربوع شارع الحبيب بورقيبة ويتعرف على جمال المدينة العتيقة ويستمتع بحكايات ابن خلدون، مزج غريب بين الريف والمدينة يلتحم في شخصية «عمر التونسي».
وقع اختياره من الاعماق ورغم الكبر لم تنسه المدينة بهاء الريف»هو ابن الريف حنينه الى الريف الدائم لا يفارقه، حدث نفسه يوما بان العودة الى موطن الطفولة غير ممكن، اذن فسوف يستقدمه، سوف يستحضر بعض الامارات منه، ويصنعها من ذاكرته، ترك الجماعة في باريس واشترى ما يكفي لصنع فرن ريفيّ نقشت في ذاكرته صورة منه لا تذوب»صفحة82.
في الرواية كلما ضاقت الازمات وتصاعدت وتيرة الاحداث تكون الذاكرة هي الملجأ للهروب من الخوف، في ساحة «الساكراي كور» يتجمع الفرنسيون للاحتفال يتذكر عمر قريته البعيدة هناك في الشمال، يتذكر دورة الحياة المرتبطة أساسا بالمواسم الفلاحية «الحياة في الريف توقعها الفصول، بعد الحصاد والدراس يستريح الناس ويفرحون، يخطبون ويتزوجون، كبر عمر وعرف انها طقوس ضاربة في التاريخ، لعلها رومانية او فرعونية او سابقة للاديان، الناس هناك لا يعرفون المهرجان، الزردة عندهم هي المهرجان» صفحة 48 ليشبع روحه بتفاصيل القوة.
الريف في الرواية يكون موّلد المفكرين، المتفوقين ولمحبي العلم، في الرواية عمر ليس وحده من تفوق وفرض اسمه وحضوره في باريس فصديقه نجح كذلك في «جوهانزبورغ» واصبح من اشهر الاطباء «جذبت بصره لافتة معدنية لمّاعة على مدخل عمارة فارهة قبالة تمثال غاندي، تحمل اسم الدكتور «الحكيم فؤاد الشافي» باللغة الانقليزية، توقف برهة يخلص الاسم من رطانته الاعجمية ويترك لصورته مهلة الخلاص والانبثاق من اعماق الذاكرة، فقفز ذهنه عائدا الى عهود الصبا والدراسة الثانوية في تونس عند اقاصي الشمال من القارة» صفحة306، فالريف في الكتاب نبع للفكر للعلم وفضاء تولد فيه احلام تشتد لتصبح حقيقة.
مناصرة القضية الفلسطينية: التهمة الجاهزة
القضية الفلسطينية قضية الشخص والشخصية، يبدو انها قضية الكاتب الازهر الزناد وقضية عمر التونسي الشخصية المحورية في الرواية، في «الاسفنجة» يجد القارئ نفسه امام استاذ تاريخ خريج الجامعة التونسية، احب الفرنسية لورا فقرر الذهاب إلى هناك إلى عاصمة الأنوار باريس، هناك أكمل دراسته وتحصل على الدكتوراه ليدرّس في السوربون، في الرواية شخصية عمر التونسي اختارها محبة للتاريخ وتختاره اختصاصا لأهمية التاريخ في معرفة الحضارات وقدرة على تحليل الراهن، فالملم بالتاريخ له قدرة عجيبة على فهم الاني وتقييمه كذلك كان عمر التونسي.
في الرواية تتيح باريس لابن الريف ان يكبر ويصبح الاستاذ المرجع وتترك له المساحات والمنابر لإلقاء الخطب والخوض في شجون التاريخ، لكن مدينة الحريات تنكمش تدريجيا وتحاول ان تضيق الخناق على عمر التونسي فقط لأنه تحدث عن القضية الفلسطينية، «انهار البرجان يوم 11سيبتمبر 2001، وأصيب العالم بالذهول لهول ما جرى، قال لهم في درسه الأول بعد الحادثة أن ما جرى هناك اثر من آثار الاسفنجة، لقد تبدلت القواعد، فصار المغلوب غازيا للغالب في انتظار ان يذوب فيه ويصهره»، جملة تغير مصير الاستاذ الذي تنبأ بسيطرة المغلوب على الغالب فيقول «قال لهم أن أوروبا سوف يغمرها الطوفان، طوفان المغلوبين يتقاطرون عليها وسوف يجد أهلهم أنفسهم قلة قليلة فيذيبون، العولمة تتمدد وشبكات الاتصال تتعقّد، والمسالك تتداخل وتتشابك ولا يفلح الحراس في منع المتسربين»86 لتتصاعد الاحداث الروائية وحينها تكشف كذبة الحرية وتغلق أبوابها امام الاستاذ المفكر ويتهم بمعاداته للسامية «وصلتنا شكاية غريبة، من اشخاص يدّعون ان دروسك الجامعية وبحوثك الأكاديمية مبطنة بنزعة عنصرية تتضمن دعوة الى التطرف والشوفينية» تهم ضدّ الفكر الحر والحرية في التفكير، تهم توجه لصاحب نظرية الاسفنجة ليعزل من وظيفته ويحرم من التدريس فقط لانه اشار الى القضية الفلسطينية ودافع عنها.
مسار أحداث الرواية التصاعدي يكشف ذكاء الكاتب والشخصية معا، فالكاتب اختار شخصية ريفية المنشئ، شخصية تربت على القسوة ومعاندة الطبيعة منذ الطفولة، شخصية أحبت خطب جمال عبد الناصر وناصرت القضية الفلسطينية التي أصبحت محرّك الأحداث في منتصف الرواية لتكشف زيف قيم الحرية و الديمقراطية التي تروجها البلدان الاروبية «في بلاد حرية التفكير وحرية التعبير نمنع من كلتيهما»، ومدى توجسهم وخوفهم من مجرد طرح موضوع القضية الفلسطينية وتكشف أيضا قدرة التونسي وذكائه للنجاح رغم كل العراقيل.
الكتابة: ولادة عسيرة
الاسفنجة رواية للأزهر الزناد المختص في اللسانيات، الرواية كأنها محاولة للتصعيد لإخراج ما يثقل قلب الكاتب وتحبيره في شخصيات وأحداث علها تحمل عنه وزر الكتابة وثقلها.
في الرواية يشير الكاتب إلى صعوبة فعل الكتابة ومدى معاناة الكاتب في هذا الوطن فمن الصعب أن يعيش الكاتب من كتاباته وكم من كاتب ترك أجمل الكتب لكنه عانى الخصاصة والضيم، في الرواية ينعكس وجع الكاتب على الشخصية التي عانت التهميش، فنجد عمر التونسي بعد طرده من الجامعة يتساءل «يزيد من كتبه؟ ولكنّ الحصار مضروب عليه، ومتى كان الكاتب يعيش مما يكتب؟ ومتى وفّر الكتاب لصاحبه ما يكفيه ليعيش؟ وكم يمكنه أن يكتب في العام من كتاب؟ ومن يتولى طباعتها؟ ومن يشتريها؟» (صفحة127) أسئلة تثقل كاهل كل كاتب، أسئلة تكشف وجع الكاتب وعزلته في هذا الوطن، أسئلة موهنة يطرحها من أحب الكتابة لكن الكتابة لا تضمن حياة كريمة للكاتب عكس الشعوذة.
الرواية صورة عن المجتمع
تتناول رواية «الاسفنجة» مواضيع كثيرة تناولتها بالنقد، في الرواية نقد لوضع الكاتب في تونس وان كانت أحداث الرواية تدور في إطار مكاني غير تونس لكن الصورة ذاتها، في الرواية أشار الكاتب إلى الموقع السيء الذي يتبوأه المفكّر عكس المشعوذ، فالشعوذة رزق «حلال» وسهل، الشعوذة اسهل من الكتابة، «وجد عمر في ذلك مورد للمال، فهو في حاجة الى ذلك، والحاجة تبرر الوسيلة والسلوك، يستعين في عمله بمواقع الكترونية كثيرة في قراءة الحظّ، قراءة الطالع تفتح ابواب الامل وتقيم خيالات السراب» (صفحة175)، يمارس عمر التونسي الشعوذة بعد ان كان طالب علم ومفكرا، يكسب الكثير من الاموال من الشعوذة ليصبح «الشيخ عمر» قبلة النساء الباحثات عن زوج، في الرواية الصورة السريالية مضحكة وفي الوقت ذاته موجعة عن وضع المفكر والباحث، فوضع شخصية عمر» لا يختلف كثيرا عن الدكاترة المعتصمين منذ مدة ينتظرون التفاتة من مسؤول .
الزمن الروائي سنوات الثمانيات الى 2010 لكنه ينطبق على الزمن الراهن، فالشخصية بعد الشعوذة تختار «الكذب» تختار مهنة الحديث وتقديم محاضرات في كل المجالات «محاضرات عن الذئاب والحمير والكلاب» لجني المال بعيدا عن الفكر والجامعة، في الرواية تضطر شخصية المفكر لنزع دماغه وتعويضه بلسان لا يسكت وكانّ بالرواية صورة عن بعض المنابر الاعلامية التونسية التي تعمل باستسهال لكسب المزيد من المال.
«الاسفنجة» النظرية والرواية ليست من وحي الخيال بل احداثها وشخصياتها تنطبق مكانيا وفكريا واجتماعيا على المجتمع التونسي، رواية مشاكسة وناقدة هي عصارة روح كاتب مفكر وأستاذ يبحث عن الجديد ويؤمن بالفكر النقدي الحرّ.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا