رواق «صلاح الدين» في سيدي بوسعيد في معرض: أنشودة الحياة» للطاهر عويدة كل فنان يحمل وطنه داخله ...

تسكنه ثورة من الألوان عشق مدينته وتماهى مع كل تفاصيلها، ذلك العاشق الازلي لأرضه تونس والمحب الدائم لوطنه اختار ان تكون الالوان

صوته لتنقل حقيقة عشقه لوطنه، اختار الالوان الترابية لتكتب حبه للأرض و الازرق لون الماء ليقدم للآخرين سحر موطنه وانفتاح مدينته على العالم من خلال الفن هو الطاهر عويدة ابن الجزيرة عاشق الصحراء والمتيّم بالبحر والشعر مزج كل التلوينات الفنية في أعماله التي تعرض الان في رواق صلاح الدين بسيدي بوسعيد.
«نشيد الحياة» اسم المعرض الذي ضمّ27لوحة نقلت جزء من اهتمامات الطاهر عويدة بالأرض والبحر والمرأة، تجربة ابداعية رسمتها انامل فنان تونسي يؤمن بالتجريب والتجديد رسام مغرم بالشعر حاول تطويع الكلمات وتحويلها الى لوحات تشكيلية هي جزء من روحه وفكره.
ثورة لونية جمعت الذاكرة بالحاضر
تعطّر بحبّ الأرض عشق وطنه وأراد ان تصبح الالوان صوته وواقعه، من الذاكرة تبدأ القصة، قصة فنان مشاكس يبحث عن التجديد في الالوان والتجارب لكنه متمسك ابدا بوطنه، في الجنوب ولد الطاهر عويدة تحديدا في جرجيس هناك تشبع بالصحراء بالألوان الترابية التي نجدها متدرجة في كامل اعماله تقريبا، الالوان الترابية مع شجرة «التين الشوكي» تحضر في اللوحات كأنها ترادف الذاكرة وتصحبها في رحلة الى الطفولة وحكايات المدينة الاولى وقصص الطفولة والصّبا، وحضور رسمة التين الشوكي ليس من فراغ بل هي ترمز الى الصبر والقوة فتلك النبتة تضل صامدة متمسكة بالحياة رغم الجفاف وقلة الامطار ومن صمودها تعلم الفنان معنى الارض والتمسك بالأرض والفكرة.
اللون نصير الذاكرة والضوء رديف الذكريات، فالضوء مختلف في لوحات الطاهر عويدة هو ضوء الجنوب التونسي، ضوء الشمس الحارّة التي تعطي للون الترابي صفرة الذهب وفي الوقت ذاته انعكاس القمر الذي يكشف الغامض ويعطي للفضاء قيمة ضوئية ولونية مختلفة، فاللون ليس اعتباطا والألوان الترابية بتدرجاتها جزء من الذاكرة التي ينطلق منها الفنان ليحلم وينقل الى الآخر صورا عن ذكرياته عن مدينته عن جرجيس والجنوب التونسي عموما، الالوان الترابية المتميزة في اعماله نجدها ضبابية احيا وكان بالرسام يؤكد ان حرارة الطقس في الظهيرة تصنع خيالات وسراب حوّله الرسام بالريشة الى حركة خطية فريدة تشبه كثيرا الهام الصحراء.
«نشيد الحياة» هو عنوان المعرض الطاهر عويدة، اسم مستوحى من قصيدة «ارادة الحياة» للشاعر ابو القاسم الشابي، والرسام من محبي الشعر وعشاق القصائد التي تتغنى بالوطن والطموح والإرادة، والمتتبع للّوحات المعروضة في نشيد الحياة يستشفّ مدى تمسّك الفنان بفكرة الارادة ومعنى الطموح والقدرة على الرسم واستحضار الماضي ومزجه بالجديد لصناعة شخصية تشكيلية عنوانها الارادة ومعاندة كل التلوينات بغاية الإبداع فالمعرض بألوانه الترابية والمائية وشخصياته المتعددة وألوانه الهادئة والثائرة يتماهى مع الابيات التالية:
وَرَنَّ نَشِيدُ الْحَيَاةِ الْمُقَـدَّسِ
في هَيْكَـلٍ حَالِمٍ قَدْ سُـحِر
وَأَعْلَنَ في الْكَوْنِ أَنَّ الطُّمُوحَ لَهِيبُ الْحَيَـاةِ وَرُوحُ الظَّفَـر
إِذَا طَمَحَتْ لِلْحَيَاةِ النُّفُوسُ فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَـدَرْ
«نشيد الحياة» هو نشيد الفنون هو صوت الريشة وحركتها المتمردة، في لوحات الطاهر عويدة يكتشف الجمهور مدى تمسك الرسام بأرضه، في لوحاته تحضر تونس بكل اختلافاتها وامتدادها الجغرافي، فالألوان الترابية تتماهى مع الازرق وكان الرسام ينقل الثنائية العجيبة التي عاش فيها في جرجيس بين الصحراء والبحر وكل منهما ألهمه ليرسم.
كما تحضر في أعماله العمارة التونسية، فأحيانا تجدك امام الكنوز الصحراوية في الجنوب ومنازل الحفر في الجبال ومرات تجدك امام قباب سيدي بوسعيد والمدن العتيقة فالتراث المعماري لتونس تستحضره ريشة الفنان اثناء الرسم والشاعر عاشق للأبواب الابواب بكل تفاصيلها وألوانها يرسمها احيانا ومرات يصبح القباب او قطعة منه محمل يرسم فوقه عويدة كل ما يريد فتجمع اللوحة بين التقاليد والحداثة والملفت أيضا هو الخط العربي والشعر فالرسام عاشق للشابي وفي العديد من اللوحات يطوع القصائد لتصبح مادة تشكيلية.
«نشيد الحياة» معرض تشكيلي هو جزء من فتنة الصحراء وسحر البحر الذي تماهى مع ذكريات الطفولة وعبق الوطن فكانت اللوحات فاتنة تشد الناظر اليها وتغريه بزيارة المعرض والتجوال بين لوحاته ومعانقة تفاصيل الفتنة التي تسكنه.
الأزرق فاتن كما المرأة: الوطن
عاشق البحر، أكاديميته الاولى التي تعلم فيها الابداع والاصرار والتمسك بحقه في التحليق في سماء التميّز، المتيّم بالبحر ولونه الازرق الفاتن، في «نشيد الحياة» كل اللوحات تقريبا تحمل مشاهدها الى البحر الى تدرجات اللون الازرق الساحر تحمله عنوة الى السباحة في افكار الرسام ومعاندة حركة الريشة اثناء الرسم عله يكتشف سرّ الحضور القوي للون الازرق انطلاقا من الزرقة الداكنة الى الفاتحة وكأنك تنتقل من اعماق البحار الى السماء المفتوحة على الحب والأمل.
اللون الازرق في اعمال الطاهر عويدة عنوان لشموخ المرأة وقوتها، اللون الازرق الممتد يتماهى مع امتداد طاقة الحب والحياة عند المرأة، فالمرأة والبحر يتشابهان كلمنهما يعطي للانسان شحنة من الطاقة كلاهما فاتن ومغر وغامض ايضا وبالريشة واللون حاول الرسام فكّ شيفرات الغموض في لوحات بدت مبهرة ومميزة لوحات زادها اللون الازرق اشراقا ويشحذ المتأمل فيها بقصص البحر وحكاياته الساحرة.
المرأة في اعماله هي الام هي الارض والوطن، لذلك تحضر بكثافة في اعمال الطاهر عويدة، تحضر شامخة وقوية، بالوان زاهية تتمازج مع اللون الازرق فتعطي قيمة تشكيلية مميزة تمثل الرسام وتنقل هواجسه وافكاره، المرأة هي الحياة والامتداد، المرأة السعادة و البهاء والمرأة الصحراء في بهائها وأعماق البحر في سحره ومنهما ولدت الخلطة الغريبة التي تميز لوحات ابن جرجيس وعاشق الجزيرة الفنان الذي يقول « في داخلي ثورة من الألوان والأماكن فمن ألوان الغروب وهي تلعب خدعة الألوان والظلال في وهم الكثبان وعزف الريح، إلى ألوان البحر المليء بالفتنة والإلهام والإبداع والجنون».
«نشيد الحياة» معرض تتماهى داخله الافكار وتتشابك الالوان، اللون الازرق الطاغي مع صور للمرأة التي نجدها في اوضاع مختلفة جميعها تعبر عن الشموخ مع حضور لصور العصافير التي ترمز الى الحرية والانطلاق وكانّ الفنان يدعوا متاملي لوحاته الى التحليق في سماء الابداع والانطلاق الى جرجيس وجربة التي فتنته فكانت اعماله بتلك الفتنة، من حبه للبحر يستمد الكثير من الطاقة ليرسم، والرسام من ممارسي الغوص أيضا فقد ورث حبّ الغوص عن والده وقد يكون تعلّقه بما تحت المياه واكتشافه لأعماق البحر قد جعلا نظرته للأزرق تبدو مختلفة وتخفي الكثير من الاسرار تماما كما البحر.
«نشيد الحياة» جزء من رحلة فنية وتجربة ابداعية يخوضها الفنان التونسي الطاهر عويدة، مزيج من تقنيات مختلفة تجمع الرسم والبريكولاج محاولة للتجريب تتطور كما الأفكار تجربة ابداعية هي روح صاحبها تنقل عشق الرسام للبحر للوطن وللأفكار التواقة للحرية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا