الفيلم الوثائقي «تلاشي» إخراج حمزة بلحاج وأمين بوخريص: قد يتلاشى البصر لكن الفكرة لن تتلاشى ...

تتلاشى الصحّة، ربما يتلاشى البصر تدريجيا وقد تتلاشى الضحكة أمام ثقل الوجع لكن الأمل لا يتلاشى والفكرة لن تتلاشى أما

حب المسرح فهو تلك الطاقة الحقيقية الوحيدة التي لن تتلاشى مادام في القلب نبض فالمسرح حياة والصعود على الخشبة يشبه كثيرا العودة الى الحياة بعد غيبوبة طويلة.
ولئن كانت الرؤية البصرية ضبابية فإن الرؤية الروحية عبر الفنون مختلفة وتعطي شحنة للمثل وللجمهور ومن فنّه يتشبع الممثل عمار اللطيفي بالأمل و بالقوة امام مرض منهك مرض استهدف بصره وأخذ نظره يتلاشى تدريجيا في مرض اسمه «تلاشي» ومن اسم المرض اقتبس اسم الفيلم الذي اخرجه الثنائي امين بوخريص وحمزة بلحاج.
المسرح ولادة وأمل لا يتلاشى
تشبّع بالشموخ، شموخ الجبال المحيطة بقريته الهادئة، عمار اللطيفي الممثل والكوريغراف عاشق الفنون في قريته الهادئة البعيدة ترعرع على حب الفن، من شموخ الجبل تعلّم القوّة من قسوة الحلفاء تشبّع بقيم المقاومة والتمسّك بحقّه في الحلم، ذاك الطفل الذي كان يمتطي ظهر الحمار ليصل الى المدرسة كبرت معه الاحلام وامتطى الامل ليواصل ويحقق ما يصبو اليه في عالم المسرح، في قرية «قروع الجدرة» من معتمدية ماجل بلعباس من ولاية القصرين تعلم عمار اللطيفي الحب و الثقة والأمل وهاهو اليوم يقاوم الوجع بالأمل.
كاميرا حمزة بلحاج اختارت ان ترافق الممثل في فترة «البرايف» ثم العرض الاول في فضاء كارمن، الكاميرا نقلت تفاصيل اليومي الذي صنع منه اللطيفي مونودرام «تلاشي» فالمسرحية مزيج من الذاتي والمهني «عمل صادق جمعت فيه يومياتي مع المرض وطريقة تعاملي معه ورحلة البحث عن طبيب يزوّدني بجرعة الامل لأواصل» هكذا يعلق اللطيفي عن المونودرام .
«تلاشي» هو اسم الفيلم الوثائقي هو ذاته اسم المسرحية المستوحى أيضا من مرض عمار اللطيفي «تلاشي» (فقدان البصر تدريجيا)، المرض يحوّله اللطيفي الى قوة، منذ 2008 وبصره ينقص تدريجيا وأصبحت الرؤية ضبابية فوجد في الفن ملجأ ليبدع ليحلم وليرى بروحه وقلبه.
تتبع الكاميرا الممثل أثناء تحضير العمل وتتابع تفاصيل اللقاءات مع اصدقائه الممثلة انتصار عويساوي التي تعطيه شحنة وطاقة ليقدم في «البرايف» وصديقه الممثل حمودة بن حسين الذي يشجعه على الامل وكلما تهاوى اللطيفي قليلا وجد صديقه يخبره ان هناك امل ليبصر جيدا من جديد.
«تلاشي» فيلم انساني بامتياز، اختار المخرج المشاهد المظلمة التي تماهت مع الموسيقى الرقيقة وكأنّ الكاميرا تشارك اللطيفي خوفه من العمى وأحيانا يصبح الضوء مشعا حادا كطاقة الامل داخل عمار اللطيفي بعد عرضه المسرحي «مدة العرض ساعة ونصف، أشعر انها حصة للعلاج» كما يقول الممثل داخل الفيلم.
نحيا بالأمل وللأمل
السينما التوثيقية رديف للانسانية، السينما الوثائقية تنتصر للإنسان وللأمل وللجمال وتقترب كثيرا من الشخصيات لتكون صوتها وفي «تلاشي» تصبح الكاميرا صوت الأمل الذي يسكن الممثل عمار اللطيفي، ترافقه الكاميرا في كل تحركاته لتنقل إلى المتفرج ما يستمد منه الفنان قوّته، في مسرحيته «تلاشي» يتحدث اللطيفي عن رحلته مع الاطباء فمنذ 2008 والفنان يبحث من طبيب الى اخر ليكون مرساه مع الدكتور الرقيق الذي احبّه وامن به فقط لانّه زوّده بجرعة أمل.
المشاهد المظلمة في الفيلم تشبه كثيرا المشاهد الضبابية التي يعيشها اللطيفي يوميا» انا عندي خوف اني ماعادش نرى، لكن مرات نقول علاش الخوف هذا الكل، وهذه الجملة تعطيني دفعا لأعيش حياتي بكل تلقائية» كما يقول الممثل الذي يواصل حديثه عن الطفولة ليسترجع مدى حبه لطه حسين وابو العلاء المعري «اشعر ان الاعمى اكثر قوة من البصير منذ الطفولة ارى انهم اقوياء حتى قبل مرضي ومنذ الصغر كنت متأثرا بشخصية الأعمى».
في «تلاشي» الكثير من الأمل الكاميرا تنقل المشاهد الساخرة اكثر من المشاهد الموجعة، في الفيلم تنتصر للكاميرا للأمل انتصار اللطيفي لأمله في الطبيب التونسي ورفضه زيارة الطبيب الالماني لأن التونسي هو من أعطاه جرعة الامل ليحيا ويواصل إبداعه ومسرحه «فالمسرح جمال ويعطي طاقة روحية هي رديف للسعادة» كما يقول طبيبه.
الأرض والجدة كلاهما يعطي معنى القوة والحرية
الجبل عنوان للشموخ والأرض عنوان للحب والعطاء، من الفلاحة والأرض الى المسرح كلاهما تجربة مميزة وكلاهما يعطي القوة والمعنى لحياة عمار اللطيفي، في «تلاشي» يحمل الفنان نفسه ويعود الى الهناك الى قريته الهادئة يعود الى «شويهاته» وإلى رائحة الارض التي تعطّر بها في طفولته يعود الى حضن «دادا» الجدة الشامخة كما الارض ليحادثها ويأخذ من تفاصيلها الكثير من الامل فرؤية الجدة عنده تشبه الدواء لجراحه والبلسم لآلامه.
في «قروع الجدرة» ولد وأحبّ الحياة والفنّ في تلك الاراضي الشاسعة والرؤية الممتدة أبصر وسمح لعينيه أن تلمسا كل التفاصيل وتختزلها وهاهو اليوم قد احتاج إليهما فعاد الى ما خزّنته الذاكرة لإعادة تركيب المشاهد، في الفيلم تلامس الكاميرا التفاصيل تقترب كثيرا من نظرة الجدة لتنقل الوجع الكبير الذي خبأته لرؤية حفيدها الموجوع، الكاميرا تنقل ابتسامة اللطيفي ساعة المغرب وهو يلاحق الشويهات ويرقص فيتحرر من الحاضر والآني ليعود طفلا يمرح ويركض دون قيود ليلامس الحرية ويعانقها.
من البساطة تولد التفاصيل التي تتكاثف لتصبح احداث وحكايات تصلح للمسرح ومشاهد سينمائية أيضا «دادا» الجدة الشامخة تؤمن انّ لـ»سيدي تليل» القدرة على شفاء حفيدها وحين يسألها عن سلالته وعن وجود من عانى من فقدان البصر تجيبه بتلقائية الجدات «جدي قتل غزالا ويقولون من يقتل الغزال يصاب بالعمى» ومن تلقائية الجدة وبساطة الحياة في الريف تصنع مشاهد سينمائية بسيطة وعميقة.
«تلاشي» فيلم يسلط الضوء على قوة فنان مسرحي امن ان الفن حياة، فنان عشق الركح وتزود بحبه، ممثل احب الفن واختاره طريقا وقرر ان يحول المرض الى قوة ليصنع منه بصيص امل تكون الرؤية فيه اكثر وضوحا وجمالا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا