التجربة التشكيلية والنحتية ليامن العبدلي: لكل مدينة مجنونها وحب الفنون أقدس أنواع الجنون

الفن جنون ومن الجنون يصنع الفنان عوالمه المختلفة ويصنع ابداعه وينطلق بكيانه الى الحياة، الفن نقد ونقل وتجديد،

وكل من الفن التشكيلي والنحت عملية ولادة متجددة ولادة للفكرة وللصورة وللون والشكل ومن الاختلاف بين فنان وآخر تولد تلوينات الابداع.
من ذاكرته وطفولته انطلقت تجربة النحات يامن العبدلي في مدينته المنشإ القصرين، فكانت الذاكرة صوت المدينة وصوت هواجس وأفكار ابنائها ومن الذكريات يصنع الفنان اليوم عوالمه الابداعية الخاصة به، فنان يبعث الحياة في الخردة وفي الاماكن المنسية والمهجورة لتحلق اعماله كما الطيور الحرة التواقة الى الحرية.

الذاكرة فضاء تشكيلي بامتياز
فنان بالفطرة، سكنته الرغبة في الابداع والاختلاف منذ الطفولة، ذلك الطفل الهادئ ابن حي السلام من مدينة القصرين ولد وترعرع في مدينة تشهد حركية كبيرة مدينة لها تاريخ روماني كبير وارث ثقافي مبهر، في مدينته ومنذ طفولته تعرف على الحضارات فاختار ان يكون الفن وسيلته ليعبر عما خزنته الذاكرة . النحات يامن العبدلي ابن القصرين عاد الى الرسم اثناء فترة الحجر الصحي الشامل وعاد الى الذاكرة الى كلّ الصور المخبأة وأخرجها على الورق الابيض موشاة بألوان الحياة، صور الطفولة و المدينة باتت موضوعا للرسم ومادة تشكيلية بعث فيها العبدلي من روحه الكثير من الحب.

يامن العبدلي تعلّم من القصرين الشموخ فعاند الشعانبي وسمامة وشرب حبّ الارض منذ نعومة أظافره فكانت الالوان الترابية هي الاكثر حظوة في رسوماته، البني بكل تدرجاته مع القليل من الاخضر كما في جبل الشعانبي. هكذا باحت الذاكرة فدفعت اليد لترسم وتكتب تفاصيل الطفولة وتقدم اللوحات للجمهور ليجد الكل نفسه في جزء ما من الاعمال.
للمكان اهميته في الفن التشكيلي فالمكان عنوان للذاكرة، المكان عادة عنوان للحنين وعبر العصور كان للمكان او الفضاء الحيّز الهام في الفن التشكيلي عبر مختلف التجارب من مرحلة رسم الانسان الاول على الكهوف الى التجربة الواقعية والتجريبية والسريالية والتكعيبية فالمعاصرة فكلّ هذه المدارس اهتمت بالفضاء واعترفت بقيمته الجمالية والفكرية وللمكان رسم يامن العبدلي اثناء الحجر الصحي فتصالح مع ذاكرته ونبش فيها ليقدم مدينته وتاريخها وآثارها كما علقت بخبايا روحه.

القصرين بمسرحها الروماني وجبل الشعانبي الشامخ، القصرين بمميزاتها المعمارية المختلفة وتفاصيل السوق والمحطة القديمة مزيج من الدلالات رسخت في ذاكرة الفنان فطوّعها وأعاد رسمها وبعث فيها من روحه الكثير من حبّ للمدينة وللفن التشكيلي، فالمكان او الفضاء اصبح لبنة للبناء التشكيلي ومن الحجر المطلق بين الجدران اطلق العبدلي لخياله العنان ليتجول في مدينة احبها صغيرا ورسمها كبيرا، مدينة ولّدت داخله عشق الفنون فعانق كل تلوينات الابداع ليرسم كل ما خزّنه ويصبح للدّال (الفضاء) اكثر من مدلول فهو الحنين والانتماء واسترجاع الطفولة و محاولة استرجاع بهاء المكان من خلال الالوان الزاهية فلوحة جبل الشعانبي نجدها خضراء تشد الانظار وكأننا بالفنان يحاول ان يكسر كل الجدران ويعود ليصعد الجبل كما كان يفعل طفلا.

القصرين المدينة وتفاصيلها، القصرين الفضاء الشاسع ذلك الذي سكن طفولة يامن العبدلي واختار الفنان أن يجزّئه كقطعة «البوزل» الى لوحات وتفصيلات متلوّنة وملوّنة مثلت تحديا بصريا ليامن العبدلي فالمكان جدّ ضروري في ذاكرة الفنان وأعماله وان كانت «العلوم تفترض المكان، فالفن ينتجه كما يقول جون- بول غاليبير» وقد شكل الفضاء (المكان) تحدياً بصرياً للفنان ليقدم اعمال تنطلق من الذاكرة لتلمس الواقع.

النحت هوية وعنوان للتحدي
شاب طموح وفنان حالم، تونسي عشق الارض وآمن بقدرة الفن على التغيير الذاتي و المجتمعي، من ايمانه لقدرة الفنون على التأثير جماليا انطلقت تجربة النحات يامن العبدلي فالنحت كان مساره الاول والحديد مرساه وعرف في القصرين وتونس من خلال تجربة النحت قبل العودة الى حضن الرسم والتشكيل.
في حي السلام هو صديق «الخردة» صديق كل المواد الحديدية المرمية، يجمعها ويوزعها قبل ان ينهمك في صناعة تحفته الفنية تماما كطفل صغير يصنع لعبته بمفرده.

يامن العبدلي الهادئ جدا اثناء النحت وعملية تطويع الحديد وصقله لا يتكلم مطلقا، لساعات طويلة ينغمس مع ذاكرته وأفكاره وحديده، يحادثه بصمت تسمع فقط أزيز الآلات وموسيقاها وهي تتحول من خردة الى قطعة فنية يمكن ان تسكن الفنان والمتأمل فيه اثناء عمليته الإبداعية ليجد علاقة بالخردة جد مختلفة، يجالسها لساعات يحادثها يسمعها قبل ان يبعث فيها الحياة.

النحت مسار صعب اختاره ابن المدينة الصلبة، من واقعه بدأت تتضح ملامح المنحوتات فهو لا ينحت من الفراغ ولا ينتمي الى المدرسة السريالية ولا التجريدية انما هو واقعي في الفكرة والممارسة والانتماء، عن مواضيع اجتماعية تعبر منحوتاته، تنقل وجع عامل النظافة وصعوبة عمله، تلامس الخوف الذي يسكن النساء الكادحات و يقترب الى وجع البطالة و»البطالين» فالفنان ابن بيئته ومن وجع بيئته ومحيطه تولد منحوتات تثور على فكرة الصمت والتهميش.

في ورشته الصغيرة لامس وجع المجتمع وحوله الى اعمال فنية انطلاقا من الحديد فنان يعبر عن افكاره ومشاعره عبر الخردة ليرسم ملامح أبناء جيله من الحالمين ومن المطالبين بحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية فالفنان نصير الحرية ومطالب بالعدالة ومنتصر لقيم الجمهورية وكما حول الخردة الى تحف فنية يسعى الى تحويل التهميش الى عدالة اجتماعية وتنمية حقيقية تتمتع بها مدينته القصرين مدينة التاريخ والحضارة والفن.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا