الملتقى العالمي شكري بلعيد للفنون: الجدران حمّالة أفكار ثورية تنتصر للإنسان

الفن حياة، الفن ولادة من العدم ، ممارسة الفن ممارسة لكل شعائر الحياة وتفاصيلها دون خوف، الفن حلم هو انتصار

لقيم الديمقراطية ومحاربة العنف والتطرف والصراخ عاليا وبكل الوسائل أن على هذه الأرض كل تفاصيل الإبداع والجمال، أننا بالفن ندوّن افكار الشهيد.

الفن انتصار للانسانية وانحياز للانسان، هكذا هو الفن بالنسبة لممارسيه دين الحالمين وديدن الصادقين، ملهمهم ليبدعوا ويرسموا عبارات ورسائل تقول ان حي على الحياة والفنون والإبداع «دجدج ستريت» الذي يندرج في الملتقى العالمي شكري بلعيد للفنون الذي تنظمه دار الثقافة جبل الجلود بالشراكة مع المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية ببن عروس وبدعم من وزارة الشؤون الثقافية وشعار الملتقى «الثقافة والفن في مجابهة العنف» ملتقى أصبحت فيه الجدران لوحات فنية متاحة للعموم.

جبل الجلود رواق مفتوح للغرافيتي
اكتسح الفن الشارع وأصبحت الجدران البيضاء والواجهات القديمة لوحات تشكيلية مبهرة، أعمال فنية لأمهر ممارسي فن الغرافيتي اجتمعوا على هذه الأرض ليبدعوا ليرسموا نوتات الحياة ويعزفوا تلوينات الرسم فأصبحت الألوان وسيلة للغوص في تفاصيل الجمال والروح التواقة للسلام والانسانية.
هنا جبل الجلود، هنا ولد وعاش تونسي مشاكس وعنيد، هنا حلم شكري بلعيد بالديمقراطية وكتب ضدّ العنف، هنا جبل الجلود مدينة الشهيد وحيه هنا الجيران والأصدقاء وأصحاب الطفولة هنا حيّ سيكون بعد يومين اكبر رواق مفتوح لفن الغرافيتي في الجمهورية التونسية ضمن فعاليات الملتقى الدولي للفنون شكري بلعيد.

«ملجأ» هي اكبر الصور التي تناديك للزيارة، كلمة كتبت باللون الازرق وحولها رسومات عديدة كأنها تخبر الكل أنّ الفن ملجأ الصادقين، الفن ملجأ الحالمين بالحرية والجمال، الفن ملجأ الإنسان والفنان ليرفض العنف والتطرف والإرهاب، و نهج سكيكدة أصبح ملجأ اشهر فناني الغرافيتي ليكتبوا رسائل الحرية على الجدران الصمّاء.

جمعهم حب فن الشارع، جمعتهم الفكرة والهاجس الواحد لمقاومة العنف ونبذه عبر الفن، تركوا لأيديهم حرية الحركة لخط أجمل اللوحات الفنية التي ستبقى شاهدة على فنانين عالميين من أكثر من 15دولة مروا بنهج سكيكدة وتركوا بصمتهم على جدرانه.

اختلفت الرسومات والألوان، الأزرق والزهري والأصفر جميعها تحضر على الجدران التي أصحبت محامل لفن الغرافيتي والرسم، مواضيع تهمّ المرأة فنجد مجموعة من البورتريهات تبدو من خلالها المرأة جميلة شامخة مرسومة بأدقّ التفاصيل تحيط بها الورود وكلمات عن الحب والسلم.

الخط العربي يجد حضوره على الجدران ولمسافات طويلة يصبح الحائط مثل مخطوط نادر مكتوب بأجمل الخطوط العربية مع اللون الأسود والذهبي وانعكاس الشمس تصبح الصورة البراقة مذهلة تسر العين والقلب.

انطلقت أعمال الفنانين منذ أسبوع تقريبا، انطلقوا في رسم أشكال ورسومات تندد بالعنف وترفض التطرف والدموية، الرسومات اشتركت في ألوانها الجميلة وكأنهم بالألوان ينثرون زهور الحياة ويشعرون المارة بجمال المكان.

أكثر من خمسين فنان جمعتهم جبل الجلود وفكرة الرسم على الجدران جاؤوا محملين برسوماتهم وأفكارهم ولكل فنان خصوصيته في الرسم، فأعمال سمير ايرامو من المغرب والمصري عمار بوبكر تشتركان في رسم البورتريهات لوجوه مألوفة ولشخوص نعايشها يوميا، رسوماتهم جدّ دقيقة، السوداني محمد سيكا يتقن جيدا تزيين الجدران بالألوان المتناقضة لتكون النتيجة مميزة، الفنان الصربي milan pantelic يتقن تفاصيل الرسومات العملاقة التي تغطي كامل الجدار ولعلّ اشهر اللوحات التي لاقت رواجا في الملتقى صورة الشهيد شكري بلعيد مبتسما ناظرا إلى الأمام بكل ثقة صورة أبدع في تفاصيلها البرازيلي Anderson grafite الذي رسم بلعيد وكأنه يعرف ملامحه وتفاصيله وقوّة نظرته عن قرب.

هذه الاختلافات صنعت المشهد المبهر في حي سكيكدة الذي سيكون اكبر رواق مفتوح لفن الغرافيتي، رواق انتصرت الأعمال فيه للانسانية للفن للحياة وكتبت شعارات تنشد السلم والتعايش السلمي وترفض العنف والخوف وتحارب التطرف بكل أشكاله، رسومات هي جزء من أرواح فنانين نذروا حياتهم للرسم للإبداع وللصراخ في وجه الديكتاتورية وكأنهم يعتنقون مقولة غيفارا «المثقف الذي يلوذ بالصمت أكثر خرابا من نظام دكتاتوري».

قتل بلعيد لكن الفكرة لن تموت
حين تتمرد الجدران على السائد فأنت في حضرة الغرافيتي حين تصرخ الجدران الصمّاء بشعارات الحرية والمقاومة وتحملك عنوة أيها المارّ إلى تفاصيل الأفكار الثائرة وتعرّفك على وجوه وشخصيات أثّرت في الحراك العالمي وتدفعك للحيرة وتزرع فيك السؤال فأنت في حضرة فن الرسم على الجدران، حين تتخلص الجدران من بياضها الكئيب وتلبس حلة الألوان والرموز والكتابات المنادية بالحرية والقوة فأنت في سيادة الغرافيتي وفن الشراع، حين يرتدي الحيّ الصامت ثوب اللون ويزيّن بصور الشهيد فانت في حي سكيكدة جبل الجلود من ولاية بن عروس.

الغرافيتي أو فن الرسم على الجدران منذ بداياته في أمريكا هو عنوان لفن الرفض والمقاومة، فن يحمل شعارات سياسية ويناهض العنصرية و التفرقة والديكتاتورية وينادي بقيم الحرية والمساواة، فنّ يقول البعض انه قديم جدا قدم الحضارات الإنسانية فالرسومات الموجودة في كهوف الإنسان الأول وبعض الرسومات الفرعونية صنفت ضمن هذا الفن خاصة تلك التي عرّفت بملوك مصر القديمة «رمسيس» مثلا، هو فن النقد والرفض بامتياز وفي جبل الجلود اصبحت الجدران محامل لرسائل انسانية وتوعوية ترفض التطرف والإرهاب من خلال لوحات تشكيلية أبدع رسّامو العالم في نقلها على الجدران.

في جبل الجلود رسمت شعارات وأفكار الشهيد شكري بلعيد على الجدران، أفكاره كتبت في شكل رسومات أبدع الفنانون المشاركون في خطها وكأنهم يذكّرون أبناء الحي بشهيدهم ويذكّرون كل الزّوار بأقوال بلعيد ودفاعه المستمر عن الحقوق والحريات ورفضه للعنف، على الجدران تحضر صورة الشهيد واسمه وأقواله، الجدران باتت محملا فنيا لأفكار بلعيد الذي غادر جسده الأرض لكن الفكرة لا تموت ورفضه للعنف أصبح اليوم مهرجان جمع امهر رسامي الغرافيتي في جبل الجبل تكريما لروح الشهيد شكري بلعيد.

فنّ الغرافيتي هو فن الرفض والنقد، فنّ حامل لشعارات سياسية واجتماعية تنادي بالحقوق والحريات، فنّ كان من نقاط القوة اثناء الثورة التونسية وبعيدها واثّر كثيرا في الحراك السياسي والاجتماعي ويكفي ان نشير الى مجموعتي «زواولة» و«أهل الكهف» اللذين دوّنا شعارات الثورة التونسية وأحدثا الكثير من الصخب وعانى أبناؤها من العنف المسلط عليهما بعيد الثورة لانتصار كتاباتهم ورسوماتهم لشهداء الثورة وانحيازهم لتونس، فالغرافيتي في تونس مارسه الحالمون بالحرية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا