في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية: «بذور الشر» من الإمارات تفحص جينات العنف لدى الإنسان

كما يمكن للأرض أن تخرج من أديمها الزرع والورد أو أن تنبت الأعشاب الطفيلية، فإن الإنسان قد تغلب عليه جينات الخير

أو قد تهزمه جينات الشر... فيتحوّل من إنسان إلى وحش يبايع شريعة الغاب ويتبنى سياسة العنف مما يعصف بالسلام والحياة. ضمن هذا الطرح الفلسفي والنفسي والاجتماعي... تدور عوالم مسرحية » بذور الشر« التي مثلت الإمارات العربية المتحدة في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية 2019.
لئن نظم الشاعر الشهير بودلير «أزهار الشر» في ديوان شعر، فإن المخرج مهند كريم قد اختار أن يطلق تسمية «بذور الشر» على مسرحيته التي تخوض غمار المنافسة على التانيت الذهبي لأيام قرطاج المسرحية في دورتها الحادية والعشرين.

عنف، فتطرف، فإرهاب
صخب وصراخ، رقص وبكاء، وجع وحلم... جميعها ثنائيات صالت وجالت على ركح مسرحية «بذور الشر» التي رسمت ملامح الإنسان في مختلف وجوهه وحالاته من خوف وعنف واستسلام ومقاومة وخير وشر...

شخصياتها شخصيات قلقة وحائرة تصعد ركحا اتخذ شكل دائرة مغلقة، فتدور حول نفسها في تيه وضياع بحثا عن الخلاص! هي فوضى من المشاعر المعلنة والرغبات المكبوتة التي تسير بأبطال المسرحية شيئا فشيئا نحو النهاية، الهاوية وحتى الحب عجز عن تطهير النفوس الملوثة بالأحقاد والمدنسة بالعقد ، مما يقود الشاب مضطرب النفسية إلى ارتكاب جريمة قتل في حق الفتاة التي عشقها قلبه فرفضته لاختلال شخصيته. أما بقية شخصيات المسرحية فليست سوّية بدورها بل تختزن شحنات من العنف المرشح للانفجار في كل لحظة. وهو ما يتجلى في الحوار المشحون بالصراخ والحدّة والمواجهة العنيفة إلى حد حمل السلاح.

وتبحث مسرحية «بذور الشر» في جينات الشر لدى الإنسان والتي تغذيها التنشئة الاجتماعية الخاطئة، فينمو فيه الشيطان ويضمر فيه الملاك حتى يتحول إلى كائن عنيف ومتوحش لا يتوانى عن اغتيال الآخر المختلف عنه في الفكر والعرق والدين والجنس ... في هذه البيئة العنيفة يولد التطرف ويرتكب الإنسان جرائم الإرهاب بمختلف أصنافها وأشكالها.. وهكذا تنتشر «بذور الشر» لتفسد الرحم الصالح للإنسانية وتخرّب حرث الخير والسلم والأمن في كل مكان وزمان.

خشبة في شكل دائرة سينوغرافيا معاصرة
لعل أولى الانطباعات التي تعلق بذهن المشاهد لمسرحية «بذور الشر» هي إقدام المخرج على إعادة توظيف الفضاء الركحي بالتخلي عن مقوّمات الركح التقليدية واستبدال الخشبة بدائرة مصحوبة بإضاءة حسب الظرف والموقف. فوق هذا الركح الدائري يؤدي الممثلون أدوارهم ويتقمّصون شخصياتهم في احتكاك مباشر مع الجمهور.

ويبدو أن مخرج «بذور الشر» أراد أن يضفي على ركح مسرحيته لمسة معاصرة على مستوى تمظهرات السينوغرافيا وتقنياتها... مما أثار استحسان البعض لهذا الطرح الحديث واستهجان البعض الآخر لافتقاد المخرج للقدرة على التحكم في نظم صياغته الركحية المبتكرة.

ويحسب لشخصيات » بذور الشر« قدرتها على العزف على أوتار لغة الجسد لتؤثث الركح المتقشف في ديكوره عبر الانفعالات والحركات والنظرات التي غاصت في عمق الإنسان وترجمت ضعفه وقوته، طيبته وخبثه، شيطنته وملائكيته ...

وفي نهاية المطاف، يغادر المتفرج القاعة بعد أن لفته ظلمة الركح واخترقت سكونه حيرة الأسئلة على الخشبة فإذا به يدخل في عملية كتابة ثانية لمسرحية «بذور الشر» عساه يهتدي إلى إجابات عن إشكالات كثيرة بقيت معلقة قيد الانتظار !

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا