في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج السينمائية: «ستموت في العشرين» نبوءة كاذبة تثأر للسينما السودانية

قبل صدور فلم «ستموت في العشرين»، كانت السينما السودانية نائمة لعقود طويلة في بطون الحروب والانقسامات والمجاعات...

إلا أن هذا الفلم أعاد الأنظار والأضواء إلى السودان كبلد قادر على صناعة سينمائية مدهشة تتخطى الحدود والحواجز لتحتل مكانها وموقعها على منصة التتويج في أشهر المهرجانات العالمية. فليس من الغريب أن يصنع الفلم الروائي الطويل «ستموت في العشرين» للمخرج أمجد أبو العلاء المفاجأة في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج السينمائية 2019.

بعد أن أحدث الضجة وراكم الجوائز المرموقة على غرار «النجمة الذهبية» في مهرجان «الجونة» السينمائي بالقاهرة والجائزة الأولى من مؤسسة «أدفنتاج» بمدينة البندقية وجائزة «أسد المستقبل» في مهرجان «فينسيا» السينمائي لأول مرة في تاريخ السودان، حلّ فلم «ستموت في العشرين « الذي تم انتاجه في 2019 بأيام قرطاج السينمائية ليصحّح مسار السينما السودانية التي أصبحت تحمل بذور الإبداع والتميز.

بؤس حياة رهينة بنبوءة الموت
بمنتهى التشويق والشغف، يرتحل بنا فلم «ستموت في العشرين» إلى عوالم الأساطير والتكهنات... فيحدثنا عن مصير إنسان تتحكم فيه نبوءة بالموت حين بلوغ سن العشرين.

ففي قرية يهرب فيها السكان من الفقر وشظف العيش إلي الارتماء في نوع من السلام الروحي يجدونه في حلقات الدروشة والتصوف، ترزق أسرة سودانية برضيع ذكر يسميانه «مزمل» و يهرعان إلى شيخ القرية لمباركته وتعويذه... لكن تحطمت هذه الفرحة على صخرة نبوءة تقول بأن هذا الطفل البرىء ستنتهي أيام عمره عند عتبة العشرين عاما.

وكلما كبر «مزمل» كبرت في عيونه المأساة ويقترب منه شبح الموت مع كل عام تزيد فيه قامته طولا وعنفوانا... لقد صارت كل القرية تنعته بـ»ابن الموت» وهرب أبوه بتعلة العمل خارج الديار وحتى أمه التي تحمل همّه لبست الأسود حدادا على موت لم يأت بعد.

تمر الأيام و«مزمل» في انتظار الموت المحتوم وفقا لنبوءة سيطرت على حياته وأفسدت استقرار أيامه... فيفشل في الحب وتضيع الأحلام على تخوم العدم.

كان بطل الفلم يعيش موتا وهو حيا ويبيع يقين الحياة بوهم الموت، حتى يلتقي «إسماعيل» ذلك الرجل المتمرد عن تقاليد القرية واعتقاداتها والذي حاول بأقصى الجهد والحيلة أن يثني «مزمل» عن الاعتقاد في نبوءة من محض التكهن ليس إلاّ، نبوءة قد تسكن بيت الخرافة لكن لا يمكن أن تلامس سقف العقل.

السينما ترينا السودان التي لا نعرف
منذ الميلاد حتى سن العشرين، تلاحق «مزمل» النبوءة المشؤومة بأن أيام العمر معدودة وأن فصول العمر لن تعرف خريفا ولا شتاء بل ستنتهي عند الربيع على أبواب سنوات العشرين. ولكن المخرج أمجد أبو العلا يراوغ المشاهد الذي انتظر طرحا فلسفيا عميقا لجدلية الحياة والموت ومدى انغماس هذه الثنائية في حبر الخرافة والمعتقد الديني... فإذا به يجذب الحواس والإحساس عبر صورة سينمائية جميلة وشاعرية متدفقة على ضفاف نهر النيل. فكانت المتعة أساسا بصرية أمام مشهدية تمت حياكتها بكثير من التفنن والذكاء.

كثير من الخصال والميزات يمكن أن نعثر عليها في فلم «ستموت في العشرين» على رأسها النجاح في إعادة السينما إلى السودان بل وأيضا في إشعاع السينما السودانية على منصات أشهر المهرجانات العالمية وحصد تتويجات وتشريفات أعلت راية السودان عاليا.

كما لم يكتف المخرج أمجد أبو العلا بتصوير فلم في السودان عن السودان بل جعلنا نكتشف بكاميراه صورة جديدة عن بلد لا نعرف عنه إلا ما تنقله لنا الشاشات والتلفازات.

وفي مواكبة للحراك الثوري الذي تعرفه السودان، شاء المخرج أن يحيي على طريقة المرأة التي تصدرت المظاهرات الأخيرة للإطاحة بنظام عمر البشير فانتقى شخصيات نسائية صامدة في مواجهة أقدارها رغم تقاليد القرية البائسة.

السينما تنجح في الاقتباس من القصة
ليس فلم «ستموت في العشرين» مجرد نهضة سينمائية سودانية أذهلت العالم وأعادت السودان إلى خارطة الفن السابع، بل ساهم أيضا في التذكير بأمجاد السودان في الكتابة والرواية والقصة وقد أنجب رحم هذا البلد أعلاما شهيرة على غرار الطيب صالح وعبد العزيز بركة ساكن و حمور زيادة الحائز على جائزة «نجيب محفوظ» في عام 2014 عن روايته «موت الدرويش». وقد اقتبس المخرج أمجد أبو العلاء قصة فلمه «ستموت في العشرين» من المجموعة القصصية للكاتب حمور زيادة بعنوان «النوم عند قدمي الجبل». ولعل هذا الفلم المستلهم من القصة قد يفتح شهية بعض المخرجين على البحث في ثروة المكتبة العربية عن نصوص روايات وقصص قيّمة تستحق أن تتحول شخصياتها إلى كائنات من لحم ودم على شاشة الفن السابع.

من قرطاج إلى السودان، قد يعود فلم «ستموت في العشرين» محملا بدروع التكريم وألقاب التتويج ضمن منافسة شرسة في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج السينمائية ولكن ما سيبقى في الذاكرة أن هذا الفلم أعاد سينما السودان إلى الأضواء من الباب الكبير.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا