الفنان لسعد بن عبد الله لـ «المغرب»: السياسات الثقافية مريضة ولا حاجة إلى قوانين مهترئة وهرمة

بكل تفان وفن وبمنتهى العشق والعطاء يلبس لسعد بن عبد الله أثواب الشخصيات التي يتقمصها فتكون على مقاسه

وحده ولا يمكن أن تسلم أزرارها وأسرارها لغيره... هو الفنان الذي تطيعه خشبة المسرح وتحبّه كاميرا السينما وتطلبه شاشة الدراما... والسر في ذلك انتحال الشخصية حد الانصهار والتماهي وتبني فلسفة جميلة وخاصة في فن التمثيل. إذ يقول لسعد بن عبد الله إن الممثل يبقى مريضا بالدور وموجوعا بالشخصية ولا يشفى من هذه الحالة إلا عند المرور إلى عمل جديد ووجع متجدد على الدوام... فالفنان في النهاية شمعة تحترق لتضئ.

• أتت بك «نوبة» وجها تلفزيا في دراما رمضانية حظيت بالإشادة وأهدتك هتاف التحية وحرارة التصفيق عن تقمصك الجميل لدور «صادق»... حدثنا عن هذه التجربة؟
منذ بداياتي والموسيقى تلازمني في كل أعمالي كعنصر حي وتوظيف مباشر وصولا إلى الأعمال الأخيرة من «المنسيات» إلى «الزقلامة» إلى «المغروم يجدّد».... طالما كان الاشتغال على الموروث الموسيقى قضيتي وهوايتي وخصوصية عروضي. ولما اقترح علي عبد الحميد بوشناق دور «صادق» في مسلسل نوبة قبلت ولم أتردد في الموافقة لأن الشخصية المجرمة والقابعة في السجن كانت محملة بالتراجيديا ومضمخــة بالجــــراح والوجـــــع ومؤثرة في مسار البطل ومصيره الذي هو الموسيقى أولا وأخيرا.

• بعد أن حظي مسلسل «نوبة» بالإطراء والاهتمام ... كيف تنظر إلى العمل بعين الناقد الذي ينبّه من الثغرات ويثمّن الميزات؟
أكتفي بتعداد خصال هذا العمل الدرامي الذي استولى على إعجاب الجمهور الكبير على غرار الكتابة الجيّدة والحبكة الذكية والخرافة المشوّقة... في «نوبة» مفاجآت مربكة وشخصيات محيّرة ورواية طريفة لقصص الحب واشتغال مدروس على فن المزود، هذا الفن الذي يضرب عميقا في عمق الشخصية التونسية فيحتل في ذاكرتها ووجدانها مكانة خاصة جدا. ولعل من ميزات «نوبة» عبد الحميد بوشناق إحالتها إلى طبيعة المجتمع في التسعينات حيث بدأ الإدمان والمخدرات يتغلغلان في زوايا الأحياء الشعبية وهوامش العاصمة...

• ما بين «النوبة» لفاضل الجزيري على ركح قرطاج و»نوبة « عبد الحميد بوشناق على شاشة الدراما ... هل من خطوط التقاء وتقاطع؟
«النوبة» هي عمل موسيقي فرجوي من أكبر الأعمال وأهمها التي رسخت في الذاكرة والسجل الفني التونسي، أما «نوبة « المسلسل فلا تتقاطع مع هذا العرض الضخم سوى بالتعريج على بعض الشذرات والإيماءات التي علقت في خزانة ذكريات المخرج عبد الحميد بوشناق وهو يرافق والده الفنان لطفي بوشناق في التسعينات إلى ركح قرطاج استعدادا لعرض النوبة. إن جوهر المسلسل ليس العرض في حد ذاته بل هو النبش في حياة فنانين نشاهدهم على الركح ينثرون ورود النشوة والفرح والمتعة ولا نعلم شيئا عن حياتهم ودموعهم ومآسيهم ...

• بعد موسم رمضاني صاخب، ما هي الأعمال التي رجحتها كفة ميزان الفنان لسعد بن عبد الله؟
في الحقيقة أعجبني مسلسل «نوبة» وشد انتباهي مسلسل «المايسترو» وأبهــرني مسلسل «قضية 460» ... وفي الكوميديا أحببت تجربة «دار نانا» لأن النص كتب بذكاء شديد وبروح مبدعة كما فاجأني أداء محمد علي بن جمعة ورباب السرايري في هذا العمل وجعلني أتصالح مع فن الإضحاك السهل الممتنع.
أيضا تستحق تجربة «مسرح العائلة» التنويه رغم اعتراضي على التسمية والاستعجال في تصوير حلقات هذا العمل الذي يمكن أن يتحول إلى إنتاج مستمر على مدار السنة حتى تستعيد التلفزة التونسية جمهورها من جديد.

• ككل عام، يتم فتح أكثر من مسابقة للأعمال التلفزية وتوزيع باقة من الجوائز والألقاب ... هل تقنعك هذه المسابقات والتتويجات؟
لا تعني لي مسابقات الدراما شيئا، فنحن في نهاية الأمر لسنا في سباق فروسية ومعايير الجمالية تختلف باختلاف الذائقة الفنية. كان الأمر سيكون مختلفا ومقبولا لو تم الاحتكام إلى لجنة واحدة ومختصة محل إجماع واتفاق، أما أن تبتدع كل وسيلة إعلامية مسابقتها ولجانها فذلك يخلق تشويشا ولخبطة وتمييعا للأمر... فكل يهب جوائزه إلى من يشاء وفي النهاية أجد نفسي مثلا محتارا في من يستحق التهنئة بلقب أفضل ممثل والحال أن هذا اللقب ناله أكثر من فنان !؟

• وأنت الفنان «المخضرم» الهوية والأهواء من المسرح إلى الدراما إلى السينما... هل ترى أننا أمام مشهد فني بدأ بالتعافي؟
أنا سعيد بالصدى المشرف للسينما التونسية في السنوات الأخيرة بعد أن فرضت حضورها المتميز في كبرى المهرجانات العالمية على غرار «كان» و» فنيس» و «برلين»... وفي رمضان هذا العام، أمسك مخرجون شبان بتلابيب الدراما فأصبحت بين أيديهم طيّعة ومبدعة وهو ما يبشر بجيل جديد سيحمل المشعل بأياد أمينة مدعاة للفخر.
أما واقع الإنتاج المسرحي في تونس وإن كان مكبلا بصعوبة الترويج وعسر التوزيع، فقد لاحظت فقرا مدقعا في تأثيث الركح وأرجو أن يكون ذلك فعلا من باب الجمالية والتجديد وليس سببه الإفلاس الفني !

• لئن كان انتماؤك للمجتمع المدني معروفا وانخراطك في النشاط الجمعياتي معلوما... فكيف هي علاقتك بالسياسة؟
لا أحب الاقتراب من السياسة لأني لا أفقه لغتها ولا أجيد لعبتها... وأرفض الانخراط في أي من الأحزاب مهما كانت مرجعيتها، وحتى قبل 14 جانفي تجنبت ذلك رغم تقلدي لمناصب إدارية. ولكني أتابع الشأن السياسي باهتمام... ولا أبخل برأيي متى تمت استشارتي من الأحزاب خاصة في برامجها السياسية ولا سيما في محاورها الثقافية...

• لمن سيمنح الفنان لسعد بن عبد الله صوته في الانتخابات القادمة؟
لم أحسم أمري بعد في ظل اللخبطة السياسية التي نعيشها اليوم... قد أنتخب.... وقد أمتنع عن الانتخاب!

• لو عرض عليك منصب وزير للثقافة، ما الذي ستسعى إلى تغييره عاجلا وليس آجلا ؟
لا أحب أبدا تقلد منصب وزير الثقافة، ولا تستهويني سلطة الكراسي بتاتا وأصلا لا أرى فائدة في وجود وزارة للثقافة ... ولكن من الملفات الحارقة والعاجلة الجديرة بالاهتمام هي قانون الفنان والمهن الفنية. كما نحتاج إلى مراجعة السياسيات الثقافية في تونس وتحديد إستراتيجية عمل واضحة الملامح والأهداف. إلى جانب تحيين القوانين المهترئة والهرمة التي أكل عليها الدهر وشرب.

• أليس من الغريب قولك بعدم وجود فائدة لوزارة للثقافة ؟
ليس من دور وزارة الثقافة تنظيم المهرجانات ولا ترتيب مواعيد التظاهرات الكبرى ... وفي أحيان كثيرة يختلط الحابل بالنابل وتصبح الوزارة نفسها كسلطة إشراف هي الخصم والحكم وأيضا طرف منافسة ونزاع في عديد من الملفات. في المقابل يمكن أن يتولى هيكل محدد الإشراف على توزيع الدعم وفقا لمقاييس مقننة لا غبار عليها ومراقبة صرف المال العمومي مع تفعيل دور الحوكمة المحلية والاحتكام إلى كراسات شروط تحفظ الحقوق وتحدّد الواجبات.

• بعد مسيرة خصبة و ثرية، هل ينظر الفنان لسعد بن عبد الله بعين الرضا إلى نفسه وإلى مجتمعه ووطنه؟
عن مسيرتي لست في خصام عموما لأني راض في المجمل عن أعمالي وأدواري ... ولكن أجلد نفسي بقسوة ككل فنان ومثقف ملتزم بقضايا شعبه ووطنه مسائلا إياها عن مدى نجاح جيلنا في إعداد الأرض الطيبة للأجيال القادمة وفي النهوض بالحياة الثقافية ببلادنا... ولكن في النهاية نبقى نحلم بالأجمل والأفق الأرحب ولا نيأس من التغيير.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية