في بعض شؤون الثقافة: لِمَ تُقامُ مدينةُ الثقافة؟

وحيد السعفي

إذا صادف وذهبتَ إلى مدينة العلوم وجدتَ، رغم ضيق الحال، مدينةً للعلوم.

هذه آلاتٌ للقياس. وهذه آلاتٌ لرصد الكواكب. وهذه آلاتٌ لرصد الكسوف والخسوف. وهؤلاء متجوّلون، ينظرون في الآلات أيام الكسوف والخسوف. وهؤلاء شبابُ العلوم، شبّان يخترعون الآلات، وإنْ في مستوًى أوّليّ بسيط. وهؤلاء تلاميذُ جاؤوا مع الأستاذ يدرسون بعض الظواهر وينظرون في المجاهر والمناظير. تشعر بأنّك في مدينة العلوم، رغم ما تعانيه المدينة من ضيق الحال. وتفهم لمَ سُمّيت المدينةُ مدينةَ العلوم، رغم العَوَز، رغم ضيق الحال. لأنّ المدينةَ تتوفّرُ على ما لا يجدهُ الزوّار إلاّ فيها. لأنّ المدينةَ فريدةٌ من نوعها، ولا شيءَ مثلها في البلاد.

وإذا صادفَ وسافرتَ خارج الحدود، وكنت على اهتمام وإنْ بسيط بالعلوم، وجدتَ في أغلب البلاد مدينةً للعلوم، صغيرةً أو كبيرةً حسب تلكم البلاد. انظُرْ مدينة العلوم في لافيلاّت الفرنسية، ماذا ترى؟ مدينةً ضخمةً للعلوم، لا مبنًى للتجوال، وإنْ كان موجوداً. الآلات والمخابر والحواسيب والمحاضرات، كلّها في خدمة العلوم، كلّها علوم. فمرحباً بك في مدينة العلوم. لها برنامج مسطّرٌ على مدى سنين. لها نظرٌ في السماء. والكواكبُ هنا قريبةٌ منك كما ترى. فانظر في الكواكب، ماذا ترى؟ العلوم تشكّلت كواكبَ. ولا شيءَ غيرُ مدينة العلوم يسمحُ بأنْ ترى ما ترى. ولها متابعاتٌ لا تتوقّف للرحلات في الكواكب، القمر أو المريخ أو حتى زُحل. ولها اتصال مباشرٌ مع روّاد الفضاء هنالك، صوتاً وصورةً. ولها التقاطٌ للصور مباشرةً من الأقمار الصناعية التي زرعوها في الفضاء. والناس يأتون إلى مدينة العلوم لهذه الفرجة المباشرة على الكواكب وليسمعوا أصوات الرواد على المباشر. ولا شيءَ غيرُ مدينة العلوم يسمحُ بهذا. وقد سعت البلاد المختلفة إلى إقامة مُدن العلوم. وسعت البلاد المتقدّمة، أكثرَ من غيرها، إلى إقامة مُدن العلوم. بل تشهد بينها تنافساً كبيراً لإقامة أكبر مدينة للعلوم. واليوم تتنافس هذه البلاد في إقامة مدن رقمية، ضخمة أحياناً كتلكم البلاد. وأصبحت اليوم المدنُ الرقمية قبلةَ الزوّار، تماماً كمُدن العلوم.

وإذا صادف وذهبتَ إلى مدينة الثقافة، انتابكَ إحساسٌ غريبٌ. كأنّه الرهبةُ. كأنّه الخوف. البناية ضخمة، جميلة أحياناً، رغم طعن الطاعن في جمالها. تشعرُ بها عِبْءًا على كاهلك. تشعرُ بها حملاً على كَتفيْك. تشعر بأنّك مُحاصرٌ فيها حتى الموت. وإذا لم تلُذْ بقاعة الأوبرا في الحين، أصابك الدوار، أصابك الموت. لا تشعرُ بالثقافة في مدينة الثقافة. وهل هناك شعور بالثقافة؟ ألا ترى العلماء، منذ تأسّس التنظير، يخشوْن التنظير للثقافة، يخشوْن تعريف الثقافة، ويشعرون بالقصور. لذلك غابت مدينةُ الثقافة من مشاريع كبرى الدول. لأنّ لا أحدَ يستطيع أنْ يقولَ ما يجبُ أنْ يوضعَ في مدينة الثقافة. فإذا كانت مدينة العلوم تَتوفّر على ما لا يَتوفّرُ عليه غيرُها، وتوفّر للزوّار ما لا يجدون في أيّ فضاء كان غير مدينة العلوم، فإنّ مدينة الثقافة لا تتوفّر على شيء لا يتوفّرُ عليه غيرها من فضاءات. الإدارات وقاعات العرض والمسارح وقاعات التمارين وقاعات السينما ومعارض الكتاب ومعارض الفنون التشكيلية ومعارض العرائس والدمى المتحركة، كلّها تُقام في غير مدينة الثقافة من فضاءات. والمحاضرات والمجالس وبيوت الشعر والرواية والمسرح وهلمّ جرّا، كلّها موجودة في كلّ قرية، في كلّ مدينة، وأحياناً في كلّ حيّ.

مدينةُ الثقافة دارُ ثقافة من الحجم الكبير، يُضْطَرُّ أهلُها إلى تأثيثها في الليل والنهار بما تأتّى من برامجَ، حتّى لا يُقالَ فيهم تركوها بلا برامجَ. يُضْطَرُّ أهلُها إلى الغثّ والسمين، والغثُّ فيها غالبٌ، لافتقارهم إلى مشروع، لافتقارهم إلى ميزانية تسمحُ ببرمجة العروض الراقية الجميلة، لافتقارهم إلى عروض كانت فيما مضى تجود به كبرى السفارات في إطار برامج التعاون الفنّي الذي اضمحلّ دون رجعة.

فلماذا تُقام مدينة الثقافة إذن؟ تُقامُ للبهرج والزينة. تقام لتكريس مركزية الثقافة. تُقامُ لتضعَ الدولةُ يَدَها على الثقافة. تُقامُ ليسهر زبانيةُ الدولة على الثقافة. والزبانيةُ هُمْ هُمْ في كلّ عهد. والزبانيةُ هُمْ عُيونُ الدولة على الثقافة. فتفرّ الثقافة من مدينة الثقافة وتلوذ بالفضاءات التي تُوفّر لها ما يتوفّر في مدينة الثقافة: مكان العرض ومكان التمارين والدربة والتكوين والتعليم. وتنجو الثقافة من عيون الدولة على الثقافة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499