أحلام بيئية مشروطة ...

أسبوع ونيف بعد يوم البيئة، أدركت الجماهير والفئات العريضة من المجتمع الحدث واستشعرت الاحتفال؟

متى يعرف الناس أن الانتقال البيئي واجب وحق، وأنه بمثابة بدء إنقاذ الروح البشرية المشتركة، وتحصين مقدرات الكوكب وموارده، بما هي أسباب بقاء العنصر البشري وصمام أمان الأولاد والأحفاد؟
هل سمع سكان الأرياف، والمحتلفون برفع الحجر، والأحياء الشعبية، ومئات آلاف التلاميذ والطلبة بحتمية الرجوع للطبيعة الآن وليس غدا، شعار السنة البيئي الجميل؟
الحق في البيئة، هل يحل الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني و...

هل يحل قريبا زمن البيئة للأجيال الراهنة والأجيال القادمة، ويتوقف اللهو بالمستقبل والعبث بالمصير؟

الأمم المتحدة تقترح، والعالم ينزل وينفذ ويفعل الشعار، ويتبناه كمشروع، او يجعله لافتة براقة للاستعراض وماكياج وادعاء بأن كل شيء على ما يرام.
معترك البيئة هنا،يا سادة، يتطلب لحظة وعي بوقف ملهاة تأجيل ولادة هيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة منذ ست سنوات على إقرار الدستور..
البصمة المرجوة في الواقع المعيش، يحكمها التسويف، ما دام البعض يتوسل للتموقع بمظاهر النجاح واكتمال الحلم المزعوم، أو ادعاء الحقيقة التامة.

لم يقتنع البعض وهم على خطإ، أنه لن يتسنى التحرك نحو بدء إقرار عملي للحق في البيئة وتفعيل جدي للمؤسسة، بعد مكسب الأفراد، وهو خطوة في الاتجاه الصحيح تنتظر خطوات ، وإلا نكص المسار، وتقهقر الركب.
القضية تحتاج إلى استشارة مكثفة ومنهجية لا لمجر المشورة، وإهدار الثمرات، كالتي أفرزتها حلقات أسس التنمية المستدامة سنة2014، ليتجاهلها من خلف السلف آنذاك.

ففي المنشور، إشراك للفاعلين وتوزيع للمسؤولية وتقاسم للسلطة وللقرار البيئي، وهو جوهر مفهوم الحوكمة البيئية المحلية التي أفردتها سبع سنوات من بحث أكاديمي في مستوى دكتوراء يستأنس بع طلاب الجامعات العربية، ولا ينتبه له بعض المعنيين.

لا مناص من استثمار جماعي لمقدرات وخامات وطنية من رؤى ووجهات أهل النظر، وتجاهل الحكماء من قادة المشروع البيئي الوطني خلال أربعة عقود، وبينهم خيرة الكوادر المتخرجة من مؤسسات البيئة، ومناضلي الحركة البيئية الصادقين، والخبراء في شتى مجالات المسألة البيئية، التي لا تقتصر على النظافة والنفايات والعمل البلدي على أهميتها..
ملحمة التحول البيئي، تتطلب عودة الأنصار الكبار وتصدرهم للصفوف لإعطاء المثل وتقديم النماذج، بناء معماريا مستداما، وتنقلا نظيفا وطاقة خضراء، وفكرا سليما، وتشريعا بيئيا، واستثمارا وجباية..
لا عقل لمن يحمل في مقعد البيئة حلما ذاتيا، ومشروع انتهاز فرصة وإثراء أو نهبا لحقوق أجيال ومقدرات مجموعة غنما فرديا، يستحيل قريبا وبالا فاضحا..
ولا فائدة من رضى عن الذات بمجرد تحقيق لزوم ما يلزم مما دأب عليه عشاق اللحظة وهواة الرتابة وطاحونة الشيء المعتاد.

أعيد ما اقترحت قبل عشر سنوات على ساسة الفعل العمومي البيئي، وسيذكرون ما اقول لهم، ولم يصغوا، فمشروع الأمل الأخضر الكبير عندنا، يحتاج إلى تجميع طاقات لتوليد حركة، ويستأهل تكاتف أهل ذكر، لتوليف محرك قادر على السير بعيدا، ويتطلب فريق قيادة مشروع إيكولوجي بهيئة أو مجلس أو لجنة استشارية، غير الهيئة الدستورية والمؤسسات

الرسمية، تلتقي بتطوع وتنسيق مرن بلا إسقاط ولا إقصاء، بمن فيهم الوزراء وكتاب الدولة السابقون، ومساعدوهم، ونخب من قدماء المؤسسات البيئية ليست بالضرورة التابعة لوزارة البيئة، فالبيئة تشمل حقولا تجاوز نصف حقائب الحكومة من الدفاع للتربية والثقافة والشؤون الدينية مرورا بالفلاحة والطفولة والمرأة، والشؤون المحلية والداخلية والتجهيز و..
وفي السياق وقفة عند مخرجات اسس التنمية المستدامة، التي كان يفترض أن يلتفت لها المهتمون بالتنمية المستدامة وبينهم فريق رئيس الحكومة الذي أبدى في الحملة الانتخابية اهتماما لافتا للمجال.

مع تولية الأمر أهله، وترسيخ عادة المشورة، وتأطيرها بلا كلفة إضافية، تفاديا لبعض تقاليد أعضاء هيئات أخذهم النعيم والامتيازات، ولا تكاد ترى لبعضهم فعلا يذكر قياسا لزخرف المقر، وترف الرواتب والسيارات و..سيحاسبون.
بعيدا عن المناهضة وإعلاء الصوت على طريقة منظمة السلام الأخضر في تصديها للتجاوزات البيئية الكبرى، توجب أن يعلو من المجتمع المدني صوت، غير مسيس ، معارض للمعارضة، مثلا، او مضادا حتميا لحكم ما،ليقدم للناس بديلا واقعيا ومشاريع للممارسة والتعميم والتبني الواسع في معيش الأفراد وخاصة الشباب، ومن ذلك توسيع مجال استعمال

الدراجات في المدن، وتكثيف المساحات الخضراء في الأسطح والشرفات، والاستسماد، واعتماد الطاقات المتجددة، وإعادة استعمال المياه في ري الحدائق وغسيل السيارات، وتنظيم أنشطة بيئية في المدارس.

ثالث المطالب غداة الاحتفال المشهود، انطلاق بناء منصة شبكية جامعة، عبر منظومة للاتصال والتنشئة على المواطنة البيئية تتبناها الدولة وقوى المجتمع كمشروع وطني، وتتجند لها الكفاءات والقطاعات، ضمن استراتيجية ترسمها فرق متعددة الاختصاصات بصيغة تشاركية وبمنهجية مدروسة تنطلق من قراءة التجارب السابقة وتحليل الواقع السوسيو- الثقافي والبيئي الحاف بالذهنيات والسلوكات والمؤثر في السياسات، قبل رسم خارطة العمل ومشروع بعيد المدى للتنشئة وإعادة تشكيل المحددات النفسية الثقافية للسلوك البيئي الفردي والجماعي.

فالردع والتتبع عبر آليات كالشرطة البيئية مهم، ولكن أهم منه التهيئة العميقة للوعي والإدراك، وصياغة رؤى ونبض فكري ونفسي متناسب مع متطلبات حماية المنظومات والحفاظ على المنجز البيئي وإثرائه وتعزيز ديمومته.

هي ليست قرارات فردية وآنية، ولا ندوات وملتقيات، ولا أحداث عرضية ولا شعارات وكليشيهات استعراضية..هي ثورة ذهنية خضراء مطلوبة، يشترك فيها من يتوفر على الدافعية لإنجاحها، ففاقد لاشيء لا يعطيه، والجميع مطالب بالانخراط في مسار بناء قوة جماعية دافعة نحو ديناميكية إعادة تشكيل تونس خضراء، ووطن يطيب فيه العيش، لا يمثل حديقة خلفية لأناني فرداني جشع، ولا يشكل منجما لمواد خام لتحقيق نزوات أقلية مستكرشة، فالفعل البيئي، مرتكز لعدالة إيكولوجية وإنصاف مناخي وإجتماعي، وهو انطلاقة موعودة لسيرورة تبشر بتأسيس مقاربة بناء وعي ومحددات لواقع جديد في مجتمع واقتصاد وقطاعات متناغمة مع الاستدامة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا