حقل «نوارة» أو السباحة خارج التاريخ

قبل أيام دشن رئيس الحكومة المكلف بتصريف الأعمال يوسف الشاهد حقلا للنفط والغاز بولاية تطاوين أطلق

عليه اسم «نوارة» باستثمار ضخم قدر بأكثر من 3000 مليار كاملة وقد روج لهذا المشروع على انه مهم جدا لأنه سيقلص عجزنا الطاقي .
يبدو الأمر طبيعيا لو كان قبل ستين أو سبعين سنة ولكن للحاضر حقائق أخرى يبدو أن ساسة هذا البلد غير ملمين بها ربما لان اهتمامهم الزائد بالسياسة وصراعاتها منعهم من ذلك أو لان من طبيعتهم عدم محاولة فهم ما يحصل من حولنا.
في قمة المناخ الثانية والعشرين التي استضافتها مدينة مراكش قدمت المغرب للعالم محطتها الشمسية الضخمة «نور واحد» التي زرعتها في قلب الصحراء وكان ذلك متماشيا مع مقررات اتفاقية باريس للمناخ والتي جاءت بدورها استجابة لنداءات مجموعة علماء الأمم المتحدة حول المناخ المنادية بضرورة التخلي في أسرع وقت عن الطاقات الاحفورية لان مناخ العالم بدا فعلا بالتغير.
يبدو واضحا أننا في تونس ما زلنا بعيدين عن هذا الوعي إذ يبدو إننا لم نفكر الى اليوم في استضافة قمة من قمم المناخ وأيضا ما زالت لدينا مشاريع للبحث و للتنقيب عن الطاقات التقليدية المسببة للاحتباس الحراري وأكثر من هذا ما زلنا نفاخر بتدشين حقول نفط جديدة ونعتبر أن الطاقات المتجددة والتي نتوفر عليها بغزارة في تونس ما هي الا حل من ضمن عدة حلول أخرى في إشارة واضحة إلى عدم وجود فلسفة طاقية انتقالية جدية نابعة من وعي بالتغيرات المناخية الجذرية التي تعرفها تونس والعالم والتحديات التنموية الجديدة التي تفرضها علينا .
في كل مقال أجدني مجبرا على التذكير ببعض مظاهر الأزمة المناخية الحادة والتي أصبحت اليوم وللأسف واقعا يوميا مسكوتا عنه، أبدا من تونس فأقول أن المواطن البسيط شعر بدون شك أن شهري جانفي و فيفري هذه السنة أي قلب فصل الشتاء هذه السنة كانت جافة تماما ولم تشهد تقريبا نزول قطرة مطر واحدة وأكثر من هذا فان معدل درجات الحرارة تجاوزت الست درجات في بعض فترات الفترة المذكورة ( والتي هي عادة ابرد فترة في السنة ) وهذا ما دفع الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه إلى إصدار إشعار بينت فيه انه ونظرا لانحباس الأمطار فان إيرادات السدود من المياه لهذه الفترة هي في حدود ربع ايرادات السنة الماضية وهذا ما أدى إلى انخفاض ملحوظ في مستوى الموائد المائية الجوفية والسطحية ونبهت ودعت الجميع إلى ضرورة ترشيد استهلاك المياه.
خارج تونس استطيع ان اذكر بالحرائق غير المسبوقة التي عرفتها قارة استراليا (الواقعة في النصف الجنوبي للكرة الأرضية) قبل أسابيع قليلة ( والذي يصادف فصل الصيف ) نتيجة الارتفاع الكبير في درجات الحرارة.
نقلت إلينا كاميرات نشرات الأنباء صورا غير مسبوقة عن الخوف والهلع اللذين ارتسما على وجوه الاستراليين الهاربين من منازلهم الى أماكن أكثر أمانا وصورا للا قمار الصناعية أظهرت حجم امتداد الحرائق جغرافيا وأيضا الغضب الكبير تجاه رئيس الحكومة الاسترالي نتيجة سياسته الاقتصادية والطاقية النابعة من إيمانه بعدم وجود تغيرات مناخية.
هذه الضربة القوية تعد «الثانية» في استراليا بعد الجفاف الحاد الذي تعرفه منذ سنوات والذي اثر بشكل كبير على نوعية النشاط الفلاحي وعلى الأرجح فان المواطن الاسترالي تلقى الدرس الكبير بان التصويت في الانتخابات القادمة سينتقل إلى الكفة المعاكسة .
هذه الأمثلة القليلة ليست كل شيء بل هي مقدمة لما أصبح بمثابة الحقيقة العلمية المؤكدة بان الطبيعة تتغير أساسا نتيجة حرق الطاقات التقليدية (نفط وغاز وفحم) وان هذا التغيير سيلحق أضرارا كبيرة ليس فقط بالمحاصيل الزراعية بل أيضا بكل مجالات الحياة البشرية ونتيجة لهذا الوعي كان الاتحاد الأوروبي أول من وضع هدف التحول إلى اقتصاد «خالي من الكربون» بحلول سنة ألفين وخمسين وقد بدأت مثلا فرنسا وألمانيا بتسويق أولى سياراتها الكهربائية وأصبحت التغيرات المناخية ركنا قارا في برنامج دافوس الاقتصادي حيث أصبحت مثلا الناشطة البيئية « قريتا تنبرغ» تستدعى في كل دورة وأيضا اجتماعات رؤساء الدول السبعة الأكثر تصنيعا في العالم ولكن أين نحن من هذا الجدل العالمي الذي يهمنا كثيرا ويهم مصيرنا.
وأنا اكتب هذا المقال فان تقديرات رسمية تقول ان صابة الحبوب في بلادنا لهذه السنة ستكون سيئة نظرا للظروف المناخية التي اسلفت ذكرها وهذا يمثل قطرة من غيث ما يمكن أن تؤول إليه الأمور في السنوات المقبلة لو تواصل معدل ارتفاع درجات الحرارة فتقديرات العلماء تقول مثلا ان سواحلنا ربما تصبح تحت مستوى البحر (تغرق) وإذا علمنا ان جل نشاطنا السياحي والاقتصادي يتركز على هذه السواحل فلكم ان تتصوروا حجم الدمار الذي سيلحق بنا ولأجل كل ما تقدم فان رصد تمويلات ضخمة من أجل حقول نفط وغاز جديدة والتفاخر بذلك في هذا الظرف العالمي يعتبر ضربا من السير عكس التاريخ ودليلا على عدم وعي بخطورة معطى جديد أضحى يتطلب نظريات جديدة للتأقلم وللاستثمار سمتها الأساسية الاستدامة وعدم الوعي هذا ليس اليوم حكرا على رجال السياسة بل هو يشمل وللأسف رجال الاقتصاد الذين مازالوا إلى اليوم يصفون دائما وصفة وحيدة يظنون أنها صالحة لكل الأوقات وتتمثل في» توفير الظروف الملائمة لقدوم المستثمر الخارجي من اجل خلق الثروة « رغم ان هذه السياسة الاقتصادية اثبت الزمن أنها السبب في كل مشاكل البشرية.
فالإنسان لا يستطيع «خلق الثروة» لأنها في الحقيقة موجودة ومتاحة دائما وهي اليوم أكثر من اي وقت مضى «الشمس» و«الرياح» و«الأرض»، وأستطيع أن أضيف انه لو وقع استثمار نفس أموال مشروع «حقل نوارة» في نفس المكان في مشروع شمسي ضخم لكانت النتائج ربما أفضل ليس فقط من ناحية حجم ونوعية الطاقة المنتجة ولكن أيضا من ناحية الحركية الصناعية والتشغيلية التي كانت ستخلقها في المنطقة من ناحية تصنيع وصيانة اللوحات الشمسية وللعلم فان سرعة نمو إنتاج هذه الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا هي ستون مرة أسرع من اي إنتاج صناعي آخر.
أقول هذا لان مشروعا شمسيا وقع إحداثه في ولاية توزر كانت له نتائج طيبة للغاية حيث ان التقديرات تقول انه من المقدر ان يلبي قريبا كافة حاجيات الولاية من الطاقة الكهربائية.
اليوم هناك في أوروبا خاصة جدل عميق ذو طابع ثقافي وعلمي حول شكل الحياة في العشريات القادمة عبر عنه مثلا العدد الخاص والاخير من مجلة فرنسية تناول مجالات مثل الطاقات المتجددة والنقل الجماعي وشكل المدن المستدامة وطرق الاستهلاك الجديدة وفي انتظار ان ينتهي السياسيون من حل مشاكلهم أعود لأسال ما هو حظنا من هذا الجدل العالمي المصيري بامتياز.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا