إضاءة: مناطقنا المتوسطية الرطبة إلى أين؟

لم يعد في الوقت متسع للانتظار، والقضية لا تعني جهة أو دولة لوحدها..الكل معنيون بوقف مسار التدهور وتدمير المنظومات البيئية ولا سيما في المنطقة المتوسطية.

بعد مؤتمر الأطراف لاتفاقية تغير المناخ كوب25 ، المخيب للآمال ، تداعى البرلمانيون والجمعيات والإعلاميون تحت لواء برنامج ميو MIO-ECSDE حيث احتشد العشرات من الخبراء والمختصين والمهتمين بشؤون البيئة والتنمية لتدارس واقع البيئة في حوض المتوسط ولا سيما ضمن مناطقه الرطبة التي تراجعت خلال أربعين عاما بنحو 40 %، ومعها انقرضت أصناف بلا رجعة، وتراجعت مصادر حياة لسكان دول حوض المتوسط، الذين يناهز عددهم خمسمائة مليون نسمة ، نصف عددهم سيكون بحال تهديد وفقر مائي في أفق 2050.

كما مثل اللقاء البرلماني لبرنامج كمبسود في البرلمان المغربي محطة لعرض مقاربات عملية لإمكانات التحرك والعمل على الحد من مخاطر الاستنزاف والتدهور والتلوث ومن ثم تغير المناخ. COMPSUD، وتعرف المناطق الرطبة (les zones humides)  على أنها النظام البيئي الذي يعتمد على الوجود الدائم للماء، كالمستنقعات والبحيرات والانهار،  وكذلك مساحات مياه البحر التي لا يزيد عمقها عن 6 أمتار خلال الجزر. وتعرف هذه المناطق تنوعا بيولوجيا مهما. وللتذكير فان %40   من الاصناف الموجودة في كوكبنا توجد في المناطق الرطبة و%12  من أصناف الحيوانات تعيش في هذه المناطق، فمثلا يحتوي نهر الامازون على 1800 نوع من الاسماك.

كما تعتبر الكائنات الحية الموجودة في المناطق الرطبة ذات أهمية قصوى بالنسبة للإنسان. فحوالي 80 من سكان العالم يعتمدون على الطب التقليدي للمعالجة الاولية عن طريق استعمال نباتات وحيوانات المناطق الرطبة, ويعتمد حوالي مليار شخص على الاسماك كمصدر للبروتين الحيواني، وخصوصا على اسماك البحر التي يحتاج ثلثاها للمناطق الرطبة العذبة كمرحلة ضرورية في دورة حياتها.

تعتبر اتفاقية «رامسار» RAMSARو للأراضي أو المناطق الرطبة أقدم اتفاقية عالمية في مجال البيئة، وهي بمثابة إطار للتعاون الدولي والقومي للحفاظ والاستعمال العقلاني للأراضي الرطبة ومصادرها, حيث وضعت عام 1971 بمدينة «رامسار» الإيرانية، ودخلت حيز التنفيذ سنة 1975, تعتبر الاتفاقية الدولية الوحيدة في مجال البيئة التي تعالج نظام بيئيا خاصا.

تقوم المناطق الرطبة بتقديم خدمات بيئية أساسية، فهي عبارة عن معدل للنظام الهيدرولوجي، ومصدر للتنوع البيولوجي في كل المستويات في داخل الأنواع (المستوى الوراثي ومستوى النظام البيئي). والمناطق الرطبة عبارة عن نوافذ مفتوحة على التفاعلات التي تحدث بين التنوع الثقافي والتنوع البيولوجي، وتعتبر مصدراً اقتصاديا وعلميا، أما تناقصها أو اختفاؤها التدريجي، فإنه يشكل اعتداء صارخا على البيئة، تكون أضراره في بعض الأحيان غير قابلة للإصلاح.

والمناطق الرطبة بإختلاف انواعها تعد ثروة طبيعية منتجة لمواد مختلفة تدخل ضمن المتطلبات المعيشية للإنسان.

فالسدود والمحاجر المائية والبحيرات والأنهار تمد الإنسان بالمياه الصالحة للشرب وكذا الري. وفي نفس الوقت هي منتجة للسمك ، وهذا بغض النظر على الإنتاج الكهروبائي فيما يخص السدود.

والشطوط والسباخ التي تستخرج منها الأملاح المختلفة (مادة مصدرة)
المروج هي منتجة لمادة العلف وهي كذلك تعد مساحات رعوية .

والمناطق الرطبة هي أوساط حيوية جد هامة لبعض الكائنات الحية يتعلق الأمر بالحيوانات والنباتات ، و هي تستقطب خاصة الطيور المائية (الشتوية) المهاجرة التي تعبر القارات. فإذن قد تكون محطات عبور لهذه الكائنات أو محطات توقف أو محطات عيش وتكاثروللمناطق الرطبة مهام أخرى مثل
مراقبة الفيضانات والتقليل من مخاطرها
كما يضمن التحكم في الدورة الهيدرولوجية
تجديدا دائما للمياه الجوفية وحجر الرواسب والمواد السامة
حجر المواد الكيمائية وتصنيفها وازالتها طبيعيا ( بيولوجية).

وتتوفر تونس على عدد هام من المناطق الرطبة، من بينها غار الملح التي نالت قبل سنة جائزة وتميزا دوليا، إذ حصلت مدينة غار الملح، الواقعة في بنزرت بتونس، على جائزة «مدينة الأراضي الرطبة» خلال الاجتماع الثالث عشر لمؤتمر الأطراف المتعاقدة في اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة (COP13، وبذلك، أصبحت غار الملح أول مدينة عربية وشمال أفريقية تدخل قائمة مدن الأراضي الرطبة المعتمدة من قبل إتفاقية رامسار.

خلال المؤتمر، تحصلت 17 مدينة أخرى موزعة على إفريقيا وآسيا وأوروبا على نفس الجائزة.

وتؤكد هذه الجائزة الإلتزام الرسمي للمدينة بحماية الأراضي الرطبة وباستخدامها المستدام وتتم مراجعة طلب كل مدينة للحصول على هذه الجائزة من قبل لجنة دولية من الخبراء والتي تقدم توصيتها إلى اللجنة الدائمة لاتفاقية رامسار. ليقع تقديم الجائزة في النهاية خلال مؤتمر الأطراف المتعاقدة في الاتفاقية (COP). هذا و تتم مراجعة الجائزة بشكل دوري للتأكد من احترام المدينة لالتزاماتها. فهي إذن ليست مجرد «جائزة»، انما هي آلية لتشجيع المدن في جميع أنحاء العالم على العمل الجاد للحفاظ على الأراضي الرطبة المتواجدة على أراضيها واستخدامها المستدام. كما تلتزم المدن الفائزة بتعزيز الثروة الإيكولوجية لأراضيها الرطبة وقيمتها الاجتماعية والثقافية.

هذه الجائزة تأتي تتويجا للجهود الكبرى التي بذلتها المديرية العامة للغابات التابعة لوزارة الفلاحة التونسية والصندوق العالمي لصون الطبيعة- مكتب شمال أفريقيا بدعم من أمانة إتفاقية رامسار ومبادرة MedWet والمجتمع المحلي بغار الملح.

تقوم هذه الجائزة بتعبئة الموارد لإنجاز مشاريع رائدة لحماية القيمة البيئية الهامة لبحيرة غار الملح، نذكر منها على سبيل المثال مشروع « GEMWET – الحفاظ على الأراضي الرطبة الساحلية ذات القيمة البيئية العالية وتنميتها المستدامة : غار الملح، تونس» الممول من مؤسسة MAVA.

ويهدف المشروع، الذي يقوده الصندوق العالمي لحماية الطبيعة – مكتب شمال أفريقيا، إلى المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإيكولوجية لمنطقة غار الملح من خلال إنشاء نظام متكامل لإدارة الموارد المتاحة و لممارسات الإدارة الفعالة. تعرف على المشروع في الرابط التالي: 
http://bit.ly/Gemwet_En

وتتمتع مدينة غار الملح بإرث ثقافي وطبيعي هام. وتحتوي على بحيرة غار الملح، وهي أرض رطبة ذات أهمية دولية، توفر خدمات قيّمة للمجتمع المحلي والبحيرة واحدة من أربع أراض رطبة ساحلية ركزت عليها مؤسسة MAVA لتطوير أفضل الممارسات التي ستكون بمثابة مرجع لمنطقة البحر الأبيض المتوسط. وهي أيضاً مدعومة من قبل حملة الاتصالات Off Your Map لحماية الاراضي الرطبة الساحلية التي تقودها مبادرة MedWet بتمويل من مؤسسة MAVA.

تهدف الحملة إلى التوعية بخصائص الأراضي الرطبة الساحلية و تعزيز الاعتراف بفوائدها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والأخطار التي تتهددها. كما تسعى الحملة الى التأثير على عمليات صنع القرار من أجل الاستخدام المستدام والفعال للأراضي الرطبة الساحلية والمحافظة عليها وإدارتها المتكاملة على المستويين الوطني والإقليمي. 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا