إضاءة: الطفل والشجرة..

الشجرة والطبيعة، أم المنظومات وأصل لتنمية وديمومة الحياة.. والطفل محور كل مشروع مستقبلي، وقلب رحى البرنامج البيئي المستقبلي للمجتمع..

لم تتوقف حملات التشجير في هذه السنة، وحفت بها محطات نشاط متعددة الأشكال والأبعاد والأنساق..

قبل أيام نظمت جمعية التنمية العادلة تظاهرة تربوية بيئية هادفة تركزت حول الشجرة والتشجير، وشارك فيها نخبة من رواد الجمعية ونزلاء المركز المندمج للطفولة بمرناق..وأقامت التظاهرة المميزة التي لم تغفل البعد الاجتماعي في الفئات المستهدفة، والبيداغوجيا التفاعلية في طريقة المخاطبة ومنهج التنشيط في مشاركة قيادة الجمعية بإشراف الدكتور لزهر التايب والمربية نادية وزميلاتها.

يفسر البعض أهمية التربية وخطورة التنشئة وإلزامية التحرك من اي موقع لما تعرفه البيئة من تهديد وعدوان وانخرام، سببه الأول، البشر.. إذ لم يتوقف البشر عن إحداث الأضرار بالبيئة التي يعيشون فيها وبها. وهي ظاهرة تتلازم مع اللامبالاة والأنانية أي تتلازم مع مكونات ومظاهر السلوك السلبي للإنسان. لقد كانت البيئة نظرا لقلة حجم الضرر الواقع عليها من الإنسان نسبيا تصلح ما أفسده الإنسان بسرعة إلى درجة أن الإنسان صار لا يكترث بما يفعله بها معتمداً على قدرتها على إصلاح ذلك. ووجد الإنسان نسبيا الهجرة الداخلية أو الخارجية حلا لمشكلة الفساد في بيئته. أما اليوم فالهجرة مقيدة تماماً بقيود عديدة من ناحية وزاد حجم الفساد في البيئة وتضخم وتزايد وأصبح يتكرر بشكل يجعل قدرة البيئة وسرعتها في إصلاح الخلل غير كافية. ذلك الخلل الذي يحدث نتيجة إدخال عامل أو عوامل جديدة أو زيادة نسبة عامل موجود أصلا أو إنقاص عامل إلى حد كبير بحيث تكون النتيجة إختلال التوازن البيئي وإفساد البيئة بشكل ضار بالحياة فيها حيث تتدهور مقومات البيئة. وإن كانت في جوهرها واحدة، كما أن كل جانب من جوانبها يعكس آثاره على الجوانب الأخرى.

إن مواجهة مشكلة الحفاظ على البيئة تعتبر أمانة في عنق المربين في كافة المواقع والمراحل من آباء وأمهات ومعلمات ومعلمين وأجهزة إعلامية وصحافة، وغيرها. لما يملكونه من قوى مؤثرة في تشكيل وتنمية السلوك الإنساني أو مواجهة مشكلة الحفاظ على البيئة، إن مواجهة مشكلة الحفاظ على البيئة يتأتى بتربية الإنسان تربية بيئية تمده بالمعلومات والمعارف والمفاهيم البيئية وتكون لديه مجموعة من العادات والمهارات والاتجاهات والقيم التي تواجه سلوكه بشكل إيجابي بما يحقق الحفاظ على البيئة. فالتربية البيئية وخاصة لدى الطفل في ما قبل المدرسة أصبحت ضرورة ملحة لمواجهة مشكلات البيئة التي تسبب فيها سوء تعامل الإنسان فيها ومنها.

أحد الباحثين شدد على ضرورة التركيز على تنشئة الطفل وملاعبته لتلقينه قيم المحافظة على البيئة.. الابتعاد عن الضوضاء والصخب والأصوات الكهربائية دوي المحركات والآلات في كل الأماكن سيتيح للطفل التقاط صوت الطبيعة التي لا تصمت أبدًا. الطيور، الهواء، مناوشات القطط، وحوارات الطيور، التأمل والاستماع لكل ذلك يعيقه صخب الحداثة، ويعمي عينه ألوان الشاشة الحادة وأصواتها الصاخبة.

هناك وسط الطبيعة فقط حينما يهدأ صوت الحداثة، تحتد أذنا الطفل ويبدأ في الملاحظة، سمعًا وبصرًا وإحساسًا.

الشجر الذي يلعب الطفل ويدور حوله دون أن ينهاه عن اللف والدوران مثلما تفعل أنت، سُكون الجذع أثناء محاولات الطفل صعوده فرصة لا تتحقق على غير الشجرة، فالكل ينهاه عندما يحاول صعوده، الشجرة هي الكائن الحي الوحيد الذي لا يفعل.

الأوراق بأشكالها والحياة التي تحملها، دعاسيق ويرقات وديدان ملونة وفراشات وعشرات الحشرات الجميلة، الورد الذي يُحال ثمرًا، فرص أكثر بكثير من تلك التي ستتاح أمام التلفاز أو داخل المنزل، أيًا ما كان يفعله. مثلًا هذا الحلزون الموجود بكثرة وسط الطبيعة، هدوؤه أثناء السير، متابعة الطفل له في صبر وهدوء. اختفاء الحلزون المباغت حينما يلمسه ذلك الإصبع المستكشف.. كل هذه الأشياء ستُعلم الطفل الصبر وستُعلمه عدم الاندفاع والتأني.

قل لي! أي الأشياء يمكنها أن تُعلم هذا الملول الفضولي الصبر وعدم الاندفاع مثل هذا الحلزون؟

تقول الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال حينما حددت وقت الشاشة المتاح للطفل إن هناك ما لا يمكن تعليمه عبر الشاشة، مثل الصبر والصدق والأخلاق والمهارات الاجتماعية، فالشاشة يمكنها أن تُنمي المشاعر أو المعلومات الأكاديمية أو تعليم القراءة والكتابة والمجردات مثل الألوان وغيرها، لكن لا دور لها في تعليم الحِكمة والأخلاق والتأني وعدم الاندفاع والصبر لأطفال الأعمار الصغيرة.

لذلك ما ستعطيه البيئة للطفل من اللعب والاحتكاك والسقوط والنهوض والتفكير واكتساب الخبرات والتعلُّم وإطلاق عنان الخيال واقتراب الطفل من فطرة الطبيعة، وبالتالي فطرته هو نفسه، اللعب الحر: (أن يلعب بما شاء كيفما شاء) كذلك (اللعب المتداعي)، وهو أن يلعب بشكل عشوائي هَدْمي، كأن يمسك غصنًا ليضرب جذع شجرة أثناء لعبة أو يمسك الأحجار ليلقيها إلى الأعلى أو يقوم ببناء شيء ما ثم يركله بقدمه ويقفز فوقه لتدميره).

كل ذلك لن تستطيع تعويضه بأي وسيلة كانت أمام الأجهزة الإلكترونية أو داخل المنزل، فالأرض لا يغني عنها شيء، وهي تُغني عن كل ما دونها.

عندما يجلس الطفل في البيئة ليمسك الأحجار مختلفة الأحجام والأشكال أثناء لعبه العشوائي لرصّها فوق بعضها ليشكّل عمودًا أو برجًا، ما الذي يفرق ذلك عن البرج الوردي في المنتسوري؟ كلاهما يعلم تتابع الأحجام، بل بناء برج الطوب سيعلم الطفل ملاءمة الأسطح وتناسب الأشكال والاتزان وحساب البروز والنتوءات.
مهارات مُتعددة تتاح له بمجرد جلوسه على الأرض وانخراطه في البناء والسقوط وجمع المعلومات عن الأحجار واختبارات الثبات. حقيقة أنت تحتاج لعدد من الألعاب الخشبية بمقابل مادي كبير، لتعويض جزءٍ بسيط مما تقدمه لك البيئة مجانًا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا