إضاءة: أزمات البيئة وفوضى النفايات..؟

لفتت الانتباه خلال الأيام المنصرمة حوادث بيئية وقضايا ثلاث على رأسها حرائق غابات الأمازون،

وهي نكبة بيئية عالمية بحجم مرعب، لا يقدر عامة الناس خطورتها ومداها..

كما عرفت سيدي بوزيد معضلة ردم نفايات كيماوية، وطمرها بصورة عشوائية، وإماطة اللثام عنها بشكل شبه عفوي، وما رافق الحادثة من ملابسات ولغط وتقلبات..

كما شهدت الساحة مؤخرا حديثا عن استمرار وتعثر مسار التحكم في النفايات رغم مرور نحو ربع قرن عن انطلاق بناء منظومة وطنية للتصرف في النفايات بدءا من البرنامج الوطني للتصرف في النفايات الذي انطلق مع وزارة البيئة والتهيئة الترابية في مطلع التسعينات قبل بعث وكالة مختصة في المجال.

فقد بات التحكم في النفايات اليوم العصب الحيوي في مسارات إدارة الوضع البيئي وتوفير شروط السلامة وجودة الحياة في المدن وخارجها.

ولا يخفى الترابط الجدلي بين سلامة البيئة ومدى التحكم في النفايات، إذ يُنظر إلى أساليب التخلص غير الصحيحة من النفايات بأنها تهديد خطير على البيئة، فنتيجة لهذه الأساليب تتأثر عناصر البيئية المختلفة كالتربة، والهواء، والماء، وغيرها؛ فعلى سبيل المثال يُمكن لعلب المياه البلاستيكيّة عند تحلّلها أن تُطلق بعض المواد السامّة في التربة، والتي بدورها قد تهدد الحياة النباتيّة والمياه، فتؤثّر على البشر لاحقاً فتتسبّب بالعديد من المشاكل الصحيّة، هذا إلى جانب العديد من المواد الأخرى التي يُسبّب وجودها مُضاعفة هذا التأثير السلبي، ومن جهة أخرى فإنّ عمليّة حرق النفايات أيضاً تمتلك تأثيراً مُدمّراً على صحّة البشر والكائنات الأخرى، بالإضافة إلى التأثير على طبقة الأوزون، والتسبّب في حدوث الاحتباس الحراري؛ وذلك بسبب انطلاق المواد السامّة منها كغاز الميثان، ومادّة الديوكسين، وغيرها، كما يُضاف إلى ذلك تأثير النفايات على الحيوانات والحياة البحريّة وتسبّبها في قتل أعداد كبيرة منها؛ بسبب التأثير السام على موئل هذه الكائنات.

إن خصوصية النفايات وتزايد كمياتها المفرزة فرض تركيز منظومة للتصرف في النفايات بدأ إنشاؤها منذ مطلع التسعينات بدعم دولي، وتم قبل سنوات إعلان بداية التخلي عن الردم لفائدة مسار التثمين والرسكلة وهو حلم مشروع لم يترجم بعد على أرض الواقع.

أوليست النفيات مصدرا للثروات كما أعلن برنامج وطني أطلقته وزارة البيئة قبل 14 عاما، وحقق جانبا من النتائج لا سيما في مجال استعادة وركسلة البلاستيك.

وتظل آمال وأسئلة حول فرص التحكم في سبب إزعاج رئيسي وبؤرة تلوث وأمراض، لا قدر الله، في حال سوء إدارتها.

ويعرف العالم تطورا يوميا في تقنيات التحكم في فضلات، في طليعتها العضوي، التي تحول إلى سماد، وتشكل أكثر من ثلثي إفرازاتنا وقمامتنا، التي ما زلنا نغالب التحديات والصعوبات لتطويعها وتحويلها إلى مادة مفيدة للزراعة.

وما من شك أن جانبا من نفاياتنا يشكل بطبعه خطرا خاصا ومباشرا على الصحة والبيئة، ويصل حجم النفايات الصحية في تونس سنويا إلى 16 الف طن 40 بالمائة منها، اي ما يعادل 7 الاف طن، نفايات خطيرة،

علما ان هذه النفايات الصحية التي تفرزها سنويا 92 مصحة خاصة و165 مركزا لتصفية الدم و355 مخبر تحليل و2334 صيدلية و2080 مركز صحة أساسية، يتم التخلص منها إلى اليوم بطريقة عشوائية من خلال إلقائها في مصبات غير مراقبة أو في الطبيعة.

وتشكل النفايات الصحية ، في صورة إلقائها في الطبيعة، مخاطر للعدوى بالعديد من الأمراض المنقولة على غرار التهاب الكبد الفيروسي والسيدا والالتهابات الجلدية والحروق والجروح كما تعد مصدر تلوث صحي وبيئي.

وقد تم وضع استراتيجية وطنية للنهوض بالطرق المثلى للتصرف في نفايات الانشطة الصحية، تندرج في إطار خطة عمل وطنية لوضع اتفاقية «ستوكهولم» المتعلقة بالملوثات العضوية الثابتة، كما ان هذه الخطة ما زالت حيز التنفيذ (2017/2013) ترمي إلى إزالة انبعاثات الملوثات العضوية الثابتة بالبلاد التونسية قصد القضاء على تاثيراتها السلبية على الصحة البشرية والبيئة.

ومع كل ذلك تبقى أسئلة عالقة في واقع المنظومة ، تتطلب مزيد الجهد لتلافي بعض النقائص والإخلالات.

إحدى الجمعيات الناشطة طرحت الإشكال مؤخرا وأعلنت بعد ورشة تفكير محلية حول الوضع البيئي بسيدي حسين أنها تتابع الوضع البيئي بتونس الكبرى والناجم عن حريق كبير اندلع يوم 4 جوان المنقضي وخلف أضرارا فادحة على المتساكنين بمنطقة سيدي حسين ، واستمر انتظار متابعة الحادثة وكشف أطوارها ومسبباتها وتفاصيلها دون جدوى

ورغم تفاعل نواب بالبرلمان واهتمام الكثير من المعنيين بالحدثة على امتداد نحو عشرة أيام إلا أن الاهتمام ظل وقتيا وتوقف بإخماد الحريق دون محاولة جدية لاستجلاء المسببات وتقييم الأضرار.

وسجل عديد الناشطين أنه لم تتم متابعة جدية لما جرى بعد غرة جويلية برغم تواتر الحوادث ومنها تعدد الحرائق وآخرها الحريق الذي اندلع يوم 14 أوت 2019 وتواصل لأربعة أيام وسط تعتيم كامل، وتوالي إضرابات الأعوان ، وتكرار غلق المصب لأكثر من مرة وعدم توفر الآليات الضرورية للاستغلال فضلا عما يروج من عدم الالتزام بالشروط الفنية لاستغلال المصب.

كل ذلك مع عدم اعتماد معالجة لمياه الرشح أدى لوضعية بيئية صعبة ولدت تذمر البلديات وتعطل نشاط شاحنات نقل النفايات للمصب.

أسئلة نقدية طرحتها جهات محلية بلدية وجمعياتية موازاة مع إطلاق عدد من البلديات والدوائر أسئلة وتحذيرات حول بوادر تعطل وتباطؤ نسق إيداع النفايات بمصب النفايات جبل شاكير لأسباب غير محددة.

صحيح أن المصب تقادم، وتوسعته كانت حلا اضطراريا، إلا أن معاناة متساكني المنطقة المحاذية، ومعها بلديات تونس الكبرى، التي أطلقت عديد منها نداءات استغاثة وتحذيرا للمتساكنين من جراء تأخر نقل النفايات وتباطؤ نسق إدخالها المصب.

اسئلة عديدة تحوم حول ما يجري في أكبر نقطة تجميع للفضلات بالبلاد، ومركز اجتماع وارتزاق البرباشة، وما يعنيه نشاط المتدخلين من مخاطر على الصحة والبيئة، لاسيما في ظل تواتر حوادث الحرق ، واستمرار الغموض حول حيثياتها ومسبباتها ومقترفيها.

تطور البلاد وتقدم تجربتها البيئية يفرض تظافر الجهود للتعاون في إيجاد حلول وبدائل، وصياغة وضع أنسب يليق بمواطني تونس 2019.

هل يجوز تحميل هيكل بعينه كل المسؤولية في إرث منظومة جمع نفايات الشعب وتثمينها في ظل إعادة ترتيب الأدوار، وتقدم مسار لامركزة السلطة؟

هل يعني صوت المتساكنين المبحوح وممثليهم ، أنهم بصدد الاستغاثة في وضع محشرج، من مكان مجاور لمقبرة ساكنوها أموات، والاحياء في الجوار يرتقبون النهاية المحتومة..

قبل خمس سنوات رافقت كاتب دولة للتنمية المستدامة في مناسبتين لزيارة المصب إحداها ليلا في ظل تساقط كثيف للأمطار، وصبيحة يوم أحد للتثبت من حقيقة تذمرات متساكنين عن أضرار صحية أكيدة ومحققة ، من جراء قرب الأحياء من المصب، وانسكاب مياه الرشح، وتمت بالمناسبة عيادة مريض في وضع خطير قدم على أنه من ضحايا تلوث المصب.

خلال نفس الفترة زرت مصبا للنفايات بالعاصمة الأردنية عمان، لم نلحظ أي مؤشر لنفايات، لا رائحة ولا تناثرا للنفايات، حتى أني ارتبت من احتمال عدم دخول المصب طور الاستغلال، خلافا لما يميز مصب برج شاكير، وهو سؤال عالق لم أملك له إلى اليوم جوابا.

الإشكال القديم المتجدد للتحكم في النفايات، هل هو شجرة تخفي غابة الفعل البيئي الكبير في سياق المشروع الضخم لبناء سلطة محلية، وتأسيس جيل جديد من محطات تثمين (لا ردم النفايات) ، أم هل هو سؤال مشروع لمتساكنين عيل صبرهم من جراء تأخر بروز ثمرة سياسة بيئية طموحة وواعدة ترمي إلى إنشاء مدن ذكية متصالحة مع بيئتها وتتميز بصفر نفايات.

ما من شك أن لتونس نخبة من خيرة كفاءات العالم العربي في مجال إدارة النفايات، بعضها يشغل عبر البرامج والمنظمات والهياكل الإقليمية والدولية.

وفي منتديات «ميغارا» السنوية المبهرة، لوحات براقة ومشرقة لعمل جبار يوشك أن يحول البلد لسنغفورة ثانية، نضارة ونظافة وخضرة ونموا مستداما..

ولكن المتساكنين لا يجدون الوقت ولا الجهد للتثبت من سيرهم الذاتية وإشعاعهم الدولي، يهمهم بالأساس اختفاء الفضلات ومضارها من محيطهم المباشر.

نصف الحقيقة كاذب..ومؤسسات تعمل في صمت..

ولكن أحد أبرز حقوق المواطن، ومقومات المواطنة، توافر المعلومة,,

بعد اختفاء شبكة تبادل المعلومات حول النفايات (سويبنات) شبكة وليدة لبلديات مختصة في التصرف في النفايات قد تضمن تنسيقا وتعاونا محكمين للارتقاء بعمل المؤسسات المحلية في المجال خدمة للمواطنين في نحو خمسين مدينة تونسية.

ناشطون بيئيون، بعضهم زار المصب خلال حريق كبير، يرجون فتح اللغز المبهم، بمد جسور وصل للوقوف على حقائق معتمة..وامتلاك قدر من آليات فك شيفرة ما يجري..

لا شيء يعدل الميدان، وتشريك الفاعلين في بحث صيغ التفكيك والتشخيص والتفكير الجماعي واستشراف الأفق الممكن الأفضل..

في الانتظار، هل فهمت بلدية سيدي حسين وحدها السؤال، فبادرت الأحد الماضي لتنظيم ورشة تفكير حول الوضع البيئي واستشراف آفاق الحلحلة بمشاركة المتساكنين والجمعيات؟

أية مخرجات للورشة، وهل تجد آذانا صاغية في الطرف الآخر..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا