إلى أن نكون أسعد شعوب الأرض

نبيل بن ابراهم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


خلال الأسبوع المنقضي صدر عن شبكة حلول التنمية المستدامة وهي مبادرة اطلقتها الأمم المتحدة سنة 2012تقريررتب شعوب العالم حسب معيار مثير هو «السعادة» كانت فيه تونس في مرتبة متدنية (102 من اصل 155دولة مرتبة ) بعد دول مجاورة لنا مثل ليبيا او الجزائر ...

لا اخفي ان هذا الترتيب السنوي شدني منذ سنتين ليس لقيمة الترتيب نفسه الذي اشعر انه لا يعكس الواقع :فانا لا استطيع ان اصدق مثلا ان يكون المواطن الليبي(المرتبة 68)الذي يعيش منذ سنوات في بلد تحكمه الميليشيات اسعد من التونسي الذي يعيش على الأقل في دولة منظمة وموحدة وتنعم بالسلام واستطاع ان يكسب «حريته» خاصة وان هذا المقياس هو احد المؤشرات الستة المعتمدة .

الترتيب في حد ذاته لا يمكن ان يعكس الحقيقة كاملة (على الأقل بالنسبة لترتيب بلادنا) ببساطة لان المقاييس المعتمدة تكاد تركز على امر واحد وهو الدعم المادي للدولة لمواطنيها ( معدل الدخل الفردي ,سخاء الدولة ,الدعم الاجتماعي ) رغم ان «للسعادة « شروط أخرى اكثر بساطة في بعض الأحيان .

استطيع ان اذكر شرطا لا يكاد يخطر على بال وهو «الطقس» :اثبت العلم ان الطقس يؤثر على المزاج وبالتالي فاننا نستطيع ان نتخيل ان شعوب البلدان التي تعيش في طقس معتدل حيث الشمس حاضرة اغلب أيام السنة (مثل دول المتوسط مثلا ) لها حظوظ اوفر لان تكون «اكثر سعادة «من شعوب دول أخرى (مثل الدول الاسكندنافية ) حيث الطقس اكثر برودة والشمس غائبة اغلب أيام السنة .

هذا اذا اضفنا ان للطقس المعتدل تاثيرت إيجابية أخرى مثل تنوع المنتوجات الفلاحية ومذاقها الطيب هذا بالإضافة الى تنوع الحياة البرية بصفة عامة .

هذه الحقيقة الطبيعية البديهية يفندها الترتيب المعلن رغم انه صادر عن شبكة اممية تعنىبالتنمية المستدامة في العالم لان الدول الاسكندنافية نفسها هي التي تصدرت المراتب الأولى :فالنرويج كانت الأولى تلتها الدنمارك ثم ازلندا فسويسرا وفنلندا و...

وهي دول تشبهنا من ناحية المساحة وعدد السكان (دول صغيرة ) ,نتفوق عليها من ناحية اعتدال الطقس ولكنها تتجاوزنا باشواط خاصة في ما يخص الوعي الفردي والجماعي .

اردت ان أقول ان مفهوم «السعادة»هو أولا مفهوم معنوي ولا يمكن لمجرد مؤشرات «مادية» ان تختزله لانه مرتبط بامور كثيرة منها المادي طبعا ومنها الطبيعي وأيضا الثقافي :ولمزيد فهم هذه النقطة الأخيرة سوف اذكر مثالا : في تونس استطاعت الدورة الأخيرة لايام قرطاج السينيمائية ان تجمع اكثر من 200 الف متفرج اتوا من كامل الجمهورية لمشاهدة أفلام تنتمي الى كل اقطار العالم : الا يعتبر هذا التجاوب مؤشرا قويا على ان هذا الشعب يحب الحياة وبالتالي يخيرالفرح على أي شيء اخر .

الم يكن من الممكن ان تكون المقاييسا كثر تنوعا وبالتالي يكون الترتيب اكثر واقعية ?

يبدو واضحا ان الذين وضعوا المقاييس يمثلون التوجه السائد في العالم وهو توجه يقول أن المادة (المال) هي الأساس الأول للسعادة وهو توجه يتجاهل ان للحياة وجوها اخرى كثيرة هي التي تصنع سعادة الفرد والجماعة او شقاءه :لا يمكن لشخص ميسورمثلا ان يكون سعيدا في بلد غير امن لان السلام قيمة معنوية لا يمكن شراؤها بالمال بل هي «نعمة» او «بركة» من السماء .

كذلك فان مواطنا متوسط الدخل يعيش في بلد تزدهر فيه الثقافة سيكون «اكثر سعادة»من مواطن غني في بلد لا يعترف بقيمة السينما مثلا .

وبنفس المنطق فان البلد الذي تحترم فيه الحياة بجميع اشكالها وتقوم فيه تنمية مستدامة تحترم كل اشكال الحياة البرية (نبات وحيوان )سيكون اطارا افضل للعيش السعيد وهنا يجب ذكر مثال كوستاريكا البلد الصغير الذي انصفه الترتيب والذي يمكن ان يكون مثالا لنامن ناحية سياساته الاقتصادية المتجانسة مع حفاظه على تنوعه البيولوجي .

وابعد من ذلك اثبتت دراسات علمية ان الانسان «المتدين» اكثر سعادة من الانسان الذي ليس له دين :فالانسان في الهند مثلا (وهو بلد معروف بتنوعه الديني ) سعيد بالرغم من فقره ومشاكله الكثيرة ورغم ذلك لا يكاد ترتيب الأمم المتحدة يذكر هذا البلد العريق .

ان افضل ما في ترتيب الدول الصادر عن الأمم المتحدة هو مفهوم «السعادة « نفسه الذي يجب ان يكون الغاية المثلى للافراد كما للحكومات وان لا يلتصق هذا المفهوم في اذهان الجميع بمعدل الدخل الفردي فقط .

ان بلدنا تونس قادر ان يصبح «جنة غناء» او «واحة سلام» فقط عندما يتصالح المادي (التنمية) مع الجانب المعنوي (احترام كل اشكال الحياة, ازدهار الثقافة, ...)عندها فقط يمكن ان يكون التونسي اسعد انسان على وجه الأرض حتى لو تجاهلته تصنيفات الأمم المتحدة ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا