Print this page

جرائم قتل النساء.. 30 جريمة سنة 2025 و21 منذ بداية 2026: أرقام متصاعدة وصيحات فزع ودعوات للتفعيل الشامل للقانون عدد 58

لم تعد جرائم قتل النساء مجرد حوادث إجرامية

متفرقة تتصدر الأخبار لبضعة أيام ثم تختفي من دائرة الاهتمام، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية تتكرر من سنة إلى أخرى، وتكشف عن حجم العنف المسلط على النساء، وعن النقائص التي ما زالت تعتري منظومة الوقاية والحماية والتدخل والردع، فمع كل جريمة جديدة، تتجدد صيحات الفزع التي تطلقها الجمعيات والمنظمات النسوية والحقوقية وتتعالى المطالب بضرورة وضع حد لتقتيل النساء ، في وقت تتواصل فيه التحذيرات من تفاقم الظاهرة واتساع رقعتها وسط غياب إحصائيات رسمية شاملة ومحينة .

وقد أعادت جريمة القتل بمنطقة جبل الجلود، يوم 2 نوفمبر الجاري، النقاش حول خطورة العنف القائم خاصة أن المعطيات المتداولة تشير إلى تعرض الضحية، وهي أم شابة، إلى عنف زوجي متكرر قبل أن تنتهي حياتها على يد زوجها. كما أعادت هذه الجريمة إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول نجاعة آليات الحماية، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على التدخل قبل تحول العنف المتكرر إلى جريمة قتل.

الفضاء الأسري من أكثر الفضاءات خطورة على حياة النساء

وفق الأرقام التي نشرتها جمعية أصوات نساء، فقد بلغ عدد جرائم قتل النساء منذ بداية السنة الجارية إلى غاية 2 نوفمبر الجاري 21 جريمة، في حصيلة تثير مخاوف جدية بشأن استمرار الظاهرة، خاصة إذا ما تمت مقارنتها بالسنوات الماضية التي سجلت بدورها ارتفاعا لافتا في عدد الضحايا. وقد كشفت الأرقام التي وثقتها الجمعية عن مسار تصاعدي لجرائم قتل النساء في البلاد خلال السنوات الأخيرة،  فبعد تسجيل 4 جرائم سنة 2018، ارتفع العدد إلى 25 جريمة سنة 2024، قبل أن يبلغ 30 جريمة سنة 2025. وتؤكد هذه الأرقام، وفق قراءة الجمعية، أن الظاهرة لم تعد قابلة للتعامل معها باعتبارها وقائع معزولة أو أحداثا استثنائية، بل أصبحت قضية مجتمعية تستوجب معالجة شاملة تتجاوز المقاربات الأمنية والقضائية التقليدية لتشمل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمؤسساتية. وكانت الجمعية قد أصدرت تقريرها السنوي حول جرائم قتل النساء لسنة 2025، تحت عنوان "دماء تنسج في ظل الصمت والسياسات العقيمة"، وقد وثق 30 جريمة قتل للنساء خلال سنة 2025، معتبرا أن هذا الرقم لا يعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للظاهرة، بل يمثل الحد الأدنى للجرائم التي أمكن رصدها من خلال التغطيات الإعلامية ومحاضر الجمعيات والمعلومات المتداولة.

من أبرز النتائج التي خلص إليها تقرير جمعية أصوات نساء أن الفضاء الأسري ما زال من أكثر الفضاءات خطورة على حياة النساء، حيث ترتبط نسبة هامة من جرائم القتل بعلاقات شخصية وأسرية، ويكون الجاني في عديد الحالات شخصا تعرفه الضحية أو تربطها به علاقة زوجية أو عائلية، وتطرح هذه المعطيات إشكالا عميقا يتعلق بطبيعة العنف الذي تتعرض له النساء، خاصة أن الخطر لا يأتي بالضرورة من أشخاص غرباء، بل قد يكون مصدره المحيط القريب الذي يفترض أن يوفر لهن الأمان والحماية. وتكشف الجرائم التي تنتهي بالقتل في عديد الحالات عن مسارات عنف متراكمة، قد تبدأ بالعنف النفسي والتهديد والإهانة، ثم تتطور إلى الاعتداء الجسدي والحرمان الاقتصادي والسيطرة، قبل أن تصل إلى مستويات أكثر خطورة. كما أن استمرار تبرير العنف داخل الأسرة أو التقليل من خطورته تحت عناوين المحافظة على الروابط العائلية أو معالجة الخلافات داخل البيت، من شأنه أن يساهم في تطبيع الاعتداءات ويؤخر طلب النجدة والتدخل لحماية الضحايا.

العنف النفسي والجسدي والجنسي

ولا تقتصر خطورة الظاهرة على جرائم القتل وحدها، إذ تكشف المعطيات التي قدمها مركز ناجية التابع لجمعية أصوات نساء عن تعدد أشكال العنف المسلط على النساء، وعن تكرر الاعتداءات وتداخلها في حياة الناجيات، فقد وثق المركز استقبال ومرافقة 236 امرأة خلال سنة 2025، وهي عينة من النساء اللواتي تمكن من الوصول إلى خدمات المركز وطلب المساعدة، ولا يمكن اعتبارها إحصائية شاملة لجميع النساء المعنفات في تونس. وتظهر البيانات أن حوالي 65 بالمائة من النساء اللواتي تمت مرافقتهن تتراوح أعمارهن بين 18 و35 سنة، فيما تمثل العازبات نحو 52 بالمائة، والمتزوجات قرابة 33 بالمائة. كما تشير المعطيات إلى أن حوالي 60 بالمائة منهن من ذوات المستوى الجامعي، مع تمركز أغلب الحالات المسجلة في تونس الكبرى. أما من حيث أشكال العنف، فيحتل العنف النفسي المرتبة الأولى بنسبة تقارب 62 بالمائة، يليه العنف الجسدي الذي سجل حضورا مرتفعا، ثم العنف الجنسي والعنف الاقتصادي، إلى جانب العنف السيبرني الذي تجاوزت نسبته 20 بالمائة. ومن أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها أن أكثر من 80 بالمائة من النساء المعنيات تعرضن للعنف بصورة متكررة، وفي عديد الحالات لم يقتصر الاعتداء على شكل واحد، بل تداخلت أشكال متعددة من العنف في التجربة نفسها.

ومن المؤشرات التي توقف عندها تقرير أصوات نساء لسنة 2025 التغير الذي طرأ على التوزيع الجغرافي لجرائم قتل النساء،  ففي سنة 2024، سجل التقرير الجرائم في 11 ولاية، مع تمركز واضح في إقليم تونس الكبرى الذي استأثر بـ16 جريمة، أي ما يعادل 64 بالمائة من الحصيلة الوطنية الموثقة، أما سنة 2025، فقد امتدت الجرائم إلى 14 ولاية، في مؤشر على تراجع درجة تمركزها في العاصمة واتساع انتشارها إلى مناطق أخرى من البلاد، بما في ذلك ولايات الوسط والجنوب والشمال الغربي. وسجل التقرير حضورا لافتا للجرائم في ولايات داخلية على غرار قفصة والقيروان، وهو ما يطرح ضرورة دراسة العلاقة بين العنف المسلط على النساء والظروف الاجتماعية والاقتصادية والهشاشة التي تعيشها بعض الفئات والجهات.

القانون عدد 58...

أمام تواصل جرائم قتل النساء، تتجدد المطالب بتفعيل القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، غير أن الإشكال المطروح اليوم لا يتعلق بوجود النص القانوني فقط، بل بمدى تطبيقه على أرض الواقع، ومدى توفر الإمكانيات البشرية والمادية اللازمة لتنفيذه، فالقانون مهما كانت أهميته يظل محدود الأثر إذا لم تتوفر مراكز الإحاطة والإيواء، والوحدات الأمنية المختصة، والخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية، وإذا لم يتم تسريع إصدار قرارات الحماية ومتابعة تنفيذها. وتؤكد الجمعيات النسوية أن الوقاية من جرائم قتل النساء لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، بل تقتضي التدخل عند ظهور أولى مؤشرات الخطر، والاستماع إلى النساء المبلغات عن العنف والتعامل بجدية مع التهديدات والاعتداءات المتكررة.

مطالب بالتحقيق والمحاسبة وتفعيل التشريعات

وقد عبرت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات عن غضبها واستنكارها لتواصل جرائم قتل النساء وارتفاع حوادث النقل غير الآمن للعاملات الفلاحيات، معتبرة أن هذه الوقائع تكشف عن قصور السياسات العمومية وضعف تطبيق التشريعات المتعلقة بحماية النساء وضمان سلامتهن وحقوقهن، وجاء موقف الجمعية في بيان أصدرته تحت عنوان «أوقفوا تقتيل النساء… أوقفوا حوادث النقل غير الآمن»، على خلفية حادث المرور الذي تعرضت له عاملات فلاحيات بولاية جندوبة. وتتمثل تفاصيل الحادث في انزلاق الشاحنة التي كانت تنقل العاملات إلى حقول العمل واصطدامها بشاحنة أخرى بالطريق الجهوية عدد 59 الرابطة بين بوسالم وجندوبة عبر بلاريجيا. وأسفر الحادث، وفق ما ورد في البيان، عن إصابة سائق الشاحنة و11 عاملة فلاحية بإصابات متفاوتة الخطورة، استوجبت الاحتفاظ بعدد من المصابات بالمستشفى الجامعي بجندوبة لتلقي العلاج. واعتبرت الجمعية أن تواصل هذه الحوادث رغم صدور التشريعات المنظمة لنقل العاملات والعاملين في القطاع الفلاحي يعكس استمرار مظاهر التهميش والاستغلال والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

وأشارت إلى أن المعطيات المتوفرة لديها تفيد بتسجيل 19 حادثا منذ سنة 2024 إلى تاريخ البيان، خلفت 10 ضحايا ونحو 190 جريحا وجريحة. وربطت الجمعية بين العنف القائم على النوع الاجتماعي وجرائم قتل النساء من جهة، وحوادث النقل غير الآمن للعاملات الفلاحيات من جهة أخرى، معتبرة أن هذه الوقائع تعكس أوجه مختلفة لمنظومة من التهميش والإقصاء وغياب الحماية. كما استحضرت جريمة قتل الأم الشابة بمنطقة جبل الجلود يوم 2 نوفمبر، داعية إلى توفير معطيات دقيقة حول العنف المسلط على النساء وجرائم قتلهن، بما يساعد على إعداد سياسات وخطط عمل فعالة في مجال الوقاية والحماية. كما حملت الجمعية الدولة مسؤوليتها السياسية والأخلاقية والقانونية في الوقاية من العنف وحماية النساء ووضع حد للإفلات من العقاب.

وطالبت بفتح تحقيق جدي وشفاف في حادث العاملات الفلاحيات بجندوبة وتحديد المسؤوليات ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو إخلاله بواجباته مع ضمان التكفل الكامل بالمصابات وتوفير العلاج والإحاطة الصحية والنفسية والاجتماعية لهن وتمكينهن وعائلاتهن من تعويض عادل عن الأضرار. كما طالبت بالتطبيق الشامل للقانون عدد 58 وتوفير الموارد البشرية والمادية الضرورية لتنفيذه، مع تخصيص ميزانية خصوصية ضمن ميزانية الدولة لسنة 2027.

المشاركة في هذا المقال