Print this page

مشروع ميزانية 2027: زيادات بأكثر من الضعف لهيئة الانتخابات وغياب اعتمادات لهيئات أخرى..

تتجه الأنظار خلال شهر نوفمبر الجاري إلى

مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، مع انطلاق الجلسات العامة المشتركة المخصصة لمناقشة مشروع ميزانية الدولة ومشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027، في محطة تشريعية ومالية تكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى حجم الاعتمادات المقترحة وتوزيعها بين الوزارات والمؤسسات العمومية والهيئات والمهمات الخاصة.

تكشف المعطيات المتوفرة بشأن مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 عن تفاوت في الاعتمادات المرصودة للهياكل والمؤسسات، حيث شمل الترفيع عددا من الهيئات والمؤسسات القائمة على غرار الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، في مقابل غياب اعتمادات مستقلة ومعلنة لبعض الهيئات التي ما تزال تواجه إشكاليات تتعلق بتركيبتها أو باستكمال إرسائها، على غرار المحكمة الدستورية وهيئة النفاذ إلى المعلومة.

ارتفاع الحجم الجملي للاعتمادات بأكثر من 5 مليارات دينار

وفق جدول توزيع الاعتمادات حسب المهمات والمهمات الخاصة، بلغ الحجم الجملي للاعتمادات المقترحة ضمن مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 نحو 68 مليارا و895 مليون دينار، مقابل 63 مليارا و575 مليون دينار سنة 2026، أي بزيادة تناهز 5 مليارات و320 مليون دينار. وعلى مستوى مؤسسات الدولة والهيئات، سجلت اعتمادات رئاسة الجمهورية ارتفاعا بنسبة 8.2 بالمائة لتبلغ 248 مليونا و576 ألف دينار، فيما شهدت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات زيادة لافتة تجاوزت الضعف، إذ ارتفعت اعتماداتها من 27 مليونا و703 آلاف دينار سنة 2026 إلى 57 مليونا و724 ألف دينار سنة 2027، بنسبة نمو بلغت 108.4 بالمائة.

وفي سياق مناقشة المهمات الخاصة، نظرت لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب، يوم 30 أكتوبر المنقضي، في مشروع ميزانية محكمة المحاسبات لسنة 2027، خلال جلسة مشتركة مع لجنة النظام الداخلي والحصانة والمسائل القانونية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم. وقدرت الاعتمادات المقترحة للمحكمة بـ36 مليونا و436 ألف دينار، مسجلة زيادة بنسبة 2.45 بالمائة مقارنة بسنة 2026، مع استئثار نفقات التأجير بنحو 80 بالمائة من مجموع النفقات.وتضمن مشروع الميزانية مواصلة تطوير منظومة الرقابة والتصرف حسب الأهداف، إلى جانب برمجة مشاريع تتعلق بدراسات بناء مقرات للمحكمة، واقتناء معدات السلامة ووسائل النقل، وتطوير السلامة المعلوماتية والتطبيقات الإعلامية. كما عرضت ممثلة المحكمة جملة من مؤشرات الأداء، من بينها الترفيع في نسبة تغطية ميزانية الدولة بالمهام الرقابية من 25 إلى 27 بالمائة، والرفع من نسبة تنفيذ التوصيات من 65 إلى 75 بالمائة، وتقليص آجال إعداد تقرير غلق الميزانية من 12 شهرا إلى 8 أشهر. وقد أثار النواب خلال النقاش مسألة مدى إلزامية التقارير الرقابية ومآل التوصيات الصادرة عن المحكمة، فضلا عن التأخر في نشر التقارير ومراقبة المشاريع العمومية المعطلة. وهي مسائل تعيد إلى الواجهة أهمية تعزيز دور المؤسسات الرقابية وضمان متابعة نتائج أعمالها وتحويلها إلى إجراءات فعلية.

المجلس الأعلى المؤقت للقضاء: المحافظة على اعتمادات بـ1.525 مليون دينار

كما عقدت لجنة التشريع العام، الأسبوع الفارط، جلسة مشتركة للنظر في مشروع ميزانية المهمة الخاصة بالمجلس الأعلى المؤقت للقضاء لسنة 2027. وقد اقترح المجلس المحافظة على مستوى اعتمادات سنة 2026، والمقدرة بـ1.525 مليون دينار، موزعة بين 650 ألف دينار لنفقات التأجير، و864 ألف دينار لنفقات التسيير، و11 ألف دينار بعنوان اعتمادات التدخل.  وشكلت الصبغة المؤقتة للمجلس أحد أبرز محاور النقاش، حيث شدد النواب على ضرورة التسريع بإرساء مجلس أعلى دائم للقضاء، بما يضمن استقرار المؤسسة وتمكينها من الاضطلاع بدورها في صون استقلالية السلطة القضائية وحسن سير المرفق القضائي. كما تطرق النقاش إلى الشغورات المسجلة داخل بعض المجالس القضائية، وإلى ضرورة مواصلة رقمنة الخدمات القضائية وتطوير آليات تنفيذ الأحكام. كما تمّ أيضا تخصيص اعتمادات للمجلس الأعلى للتربية والتعليم بقيمة 10 مليون دينار أي نفس الاعتمادات التي تمّ رصدها في ميزانية الدولة لسنة 2026.

هيئات دون اعتمادات مستقلة

في المقابل، تطرح المعطيات المتوفرة بشأن مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 مسألة غياب اعتمادات مستقلة ومعلنة لعدد من الهيئات، وهو ما يثير تساؤلات بشأن وضعيتها المؤسساتية ومستقبلها، ومدى توفر الشروط المالية والإدارية الضرورية لمباشرة مهامها. وتبرز المحكمة الدستورية ضمن أبرز هذه الحالات، إذ لا يتضمن المشروع المعلن عنه بابا ماليا مستقلا بعنوان إرسائها أو اعتمادات مخصصة لها بصفة صريحة، في ظل عدم استكمال تركيزها الفعلي.  ورغم إحالة مقترح قانون أساسي يتعلق بإحداث المحكمة الدستورية إلى لجنة التشريع العام خلال سنة 2025، فإن مسار تركيز هذه المؤسسة ما يزال يطرح تحديات تشريعية ومؤسساتية، خاصة أن غيابها يظل من أبرز النقائص المطروحة على مستوى استكمال البناء الدستوري للمؤسسات. كما تبرز هيئة النفاذ إلى المعلومة ضمن الهياكل التي لم تظهر لها اعتمادات مستقلة في المعطيات المتاحة حول مشروع ميزانية 2027، وذلك في ظل استمرار الإشكاليات المتعلقة بتركيبة مجلسها وتعطل عقد جلساته بصورة قانونية. ويطرح هذا الوضع تساؤلات بشأن مستقبل الهيئة واستمرارية دورها في ضمان حق النفاذ إلى المعلومة وتكريس الشفافية في عمل الهياكل العمومية.

البرلمان يشرع في مناقشة مشروع الميزانية يوم 9 نوفمبر

على المستوى البرلماني، صادق مكتب مجلس نواب الشعب، خلال اجتماعه أمس، بإجماع الحاضرين، على مشروع روزنامة الجزء الأول من الجلسة العامة المشتركة بين أعضاء مجلس نواب الشعب وأعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم، والمخصصة للنظر في مشروع قانون المالية لسنة 2027. ومن المنتظر أن تنطلق الجلسات العامة يومي 9 و10 نوفمبر الجاري، بعرض ومناقشة مشروع ميزانية الدولة ومشروع الميزان الاقتصادي لسنة 2027، إلى جانب تقديم بيان رئيسة الحكومة حولهما. وتتواصل الجلسات من 10 إلى 25 نوفمبر الجاري لمناقشة المهمات والمهمات الخاصة تباعا، قبل المرور إلى عرض ومناقشة مشروع قانون المالية والمصادقة عليه في أجل أقصاه 10 ديسمبر 2026 وفق ما تنص عليه أحكام الفصل 78 من الدستور. هذا وتكشف المعطيات المتعلقة بمشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 عن تفاوت واضح بين المؤسسات التي تتمتع باعتمادات محددة وهياكل أخرى ما تزال وضعيتها المؤسساتية أو القانونية محل إشكال.

وفي انتظار ما ستسفر عنه مناقشات الجلسات العامة المشتركة، يظل مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 مناسبة لتقييم مدى التزام الدولة بتعزيز دور المؤسسات والهيئات الرقابية والدستورية، ليس فقط من خلال حجم الاعتمادات المرصودة، بل أيضا عبر توفير شروط الاستقلالية والنجاعة والاستمرارية. كما تضع هذه المناقشات السلطتين التنفيذية والتشريعية أمام مسؤولية معالجة الإشكاليات التي تعطل نشاط بعض الهيئات واستكمال إرساء المؤسسات التي ما تزال غائبة، بما يضمن استكمال البناء المؤسساتي للدولة وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة وحسن التصرف في المال العام.

  • جلسات عامة تنطلق يوم 9 نوفمبر لمناقشة مشروع الميزانية والميزان الاقتصادي لسنة 2027 وتقديم بيان رئيسة الحكومة

 

المشاركة في هذا المقال