Print this page

الشركات الأهلية في مشروع قانون المالية لسنة 2027: تمويلات إضافية بـ40 مليون دينار ورهان متجدد رغم محدودية النتائج

رغم مرور نحو أربع سنوات على إطلاق تجربة الشركات الأهلية

وما رافقها من إجراءات قانونية وامتيازات مالية وتسهيلات تهدف إلى تشجيع المبادرة الجماعية ودفع التنمية المحلية وخلق فرص العمل، لا تزال النتائج المحققة دون مستوى الأهداف المعلنة والتطلعات التي رافقت هذا المشروع، فمحدودية عدد الشركات المسجلة مقارنة بالأهداف المنشودة، واستمرار مئات المبادرات في استكمال إجراءات التأسيس، إلى جانب غياب معطيات دقيقة ومنشورة حول المردودية الاقتصادية للشركات الناشطة وحجم مواطن الشغل التي أحدثتها، تطرح تساؤلات جدية بشأن نجاعة هذه التجربة وقدرتها على تحقيق الغايات المنشودة.

رغم هذه الحصيلة التي لا تزال تحتاج إلى تقييم شامل، تواصل الدولة التمسك بهذا الخيار، من خلال رصد اعتمادات إضافية بقيمة 40 مليون دينار ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، في خطوة تعكس استمرار الرهان على الشركات الأهلية، لكنها تطرح في المقابل ضرورة الانتقال من منطق التمويل وتكثيف الإحداث إلى تقييم النتائج .

دعم إلى غاية 31 ديسمبر 2028

ينص الفصل 20 من مشروع قانون المالية لسنة 2027 على التمديد في العمل بالإجراءات الخاصة بدعم الشركات الأهلية إلى غاية 31 ديسمبر 2028، إلى جانب تخصيص اعتماد إضافي بقيمة 35 مليون دينار من موارد الصندوق الوطني للتشغيل لفائدة خط تمويل هذه الشركات، المحدث بمقتضى قانون المالية لسنة 2023. ويهدف هذا الإجراء إلى مواصلة توفير الموارد المالية اللازمة لدعم بعث الشركات الأهلية وتعزيز نسق إحداثها، ضمن مقاربة تقوم على تشجيع المبادرات الجماعية وتحفيز الاستثمار المحلي والجهوي. أما الفصل 21، فينص على إحداث خط تمويل بقيمة 5 ملايين دينار من موارد الصندوق الوطني للتشغيل، يخصص لإسناد قروض دون فائدة ودون اشتراط ضمانات، بهدف دعم التمويل الذاتي لباعثي الشركات الأهلية، وذلك خلال الفترة الممتدة من 1 جانفي إلى 31 ديسمبر 2027. ويعهد بالتصرف في هذا الخط إلى البنوك، بمقتضى اتفاقيات تبرم بينها وبين الوزارتين المكلفتين بالمالية والتشغيل، تضبط شروط وإجراءات التصرف في التمويلات.

تحسين الإطار التنظيمي للشركات الأهلية

وبذلك، تبلغ الاعتمادات الإضافية المبرمجة لدعم الشركات الأهلية وتمويلها الذاتي 40 مليون دينار، في خطوة تستهدف تيسير نفاذ الباعثين إلى الموارد المالية اللازمة لإطلاق مشاريعهم وتطويرها، والحد من الصعوبات التي تعترضهم في مرحلة الانطلاق. وبالتوازي مع الإجراءات المالية، تتجه الحكومة إلى تحسين الإطار التنظيمي للشركات الأهلية وتجاوز العراقيل التي تعترض باعثيها. وفي هذا السياق، أشرفت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، يوم 10 أكتوبر الجاري على مجلس وزاري مضيق خصص للنظر في سبل تطوير منظومة الحوكمة وآليات الإحاطة والمرافقة، وتسريع نسق إحداث الشركات وتيسير إجراءاتها.  وأكدت رئيسة الحكومة أن الشركات الأهلية تمثل خيارا اقتصاديا وطنيا واستراتيجيا يقوم على المبادرة الجماعية ودفع التشغيل وتحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، مشددة على أهمية تثمين الموارد المحلية والجهوية وتحويلها إلى مشاريع مستدامة ومنتجة، خاصة في المناطق التي تحتاج إلى مزيد من الاستثمار وفرص العمل.

تبسيط الإجراءات

وقدم وزير التشغيل والتكوين المهني رياض شوّد وكاتبة الدولة المكلفة بالشركات الأهلية حسناء جيب الله عرضا حول تطور منظومة الحوكمة، شمل تبسيط الإجراءات وتوحيدها ورقمنتها عبر السجل الوطني المخصص لهذه الشركات، إلى جانب تحسين النفاذ إلى التمويل وتعزيز التكوين والمرافقة. كما تناول الاجتماع أبرز الصعوبات الإدارية والإجرائية المطروحة والحلول الممكنة لتجاوزها، مع التأكيد على ضرورة توجيه الشركات نحو قطاعات وأسواق حيوية ذات قيمة مضافة عالية، تتماشى مع توجهات مخطط التنمية للفترة 2026-2030. وشملت التوصيات تطوير التكوين والمرافقة في مختلف مراحل المشروع، من إعداد الفكرة إلى الاستغلال الفعلي، ومواءمة برامج التكوين مع الحاجيات التقنية والاقتصادية للشركات، فضلا عن إعداد بنك للمشاريع المتكاملة ضمن سلاسل القيمة للقطاعات المستهدفة، وتوجيه الباعثين نحوها بما يعزز فرص نجاحهم واستمرارية مؤسساتهم.

أكثر من ألف ملف في طور الاستكمال

رغم الإجراءات القانونية والمالية التي أقرتها الدولة، لا يزال تقييم نتائج تجربة الشركات الأهلية يطرح تساؤلات بشأن مدى التقدم في تحويل المبادرات المعلنة إلى مشاريع ناشطة اقتصاديا. ووفق المعطيات المتداولة إلى غاية أوت 2026، بلغ عدد الشركات الأهلية المسجلة في السجل الوطني للمؤسسات نحو 270 شركة، في حين يوجد أكثر من ألف ملف في طور استكمال الإجراءات القانونية والإدارية. وتكشف هذه الأرقام عن استمرار المبادرات الرامية إلى إحداث شركات أهلية، لكنها تبرز أيضا أهمية التمييز بين الشركات المسجلة قانونيا وتلك التي دخلت فعليا مرحلة الإنتاج والتسويق وتحقيق المداخيل. وفي ما يتعلق بالتمويل، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن عدد الشركات التي انتفعت بالتمويل عبر البنك التونسي للتضامن يتراوح بين 80 و88 شركة، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة التمويلات الحالية على الاستجابة لحاجيات الباعثين، ومدى تقدم المشاريع الممولة نحو النشاط الفعلي. وفي المقابل، تتضمن الأهداف المعلنة برمجة إحداث 800 شركة أهلية في إطار مخطط التنمية، إلى جانب تصريحات رسمية تحدثت عن توجه نحو بلوغ 1200 شركة. وتعكس هذه الأهداف رغبة في توسيع نطاق التجربة وتعزيز دورها في التشغيل والتنمية المحلية، لكنها تضع في الوقت نفسه مسألة النجاعة الاقتصادية في صدارة التحديات المطروحة.

تقييم النتائج

عملت السلطة منذ إطلاق تجربة الشركات الأهلية على إرساء إطار قانوني خاص بها، وإقرار آليات تمويل وامتيازات وتسهيلات تهدف إلى تشجيع المبادرة الجماعية وتيسير إحداث المشاريع. ورغم التعديلات التي أدخلت على الإطار المنظم لهذه الشركات بهدف تبسيط إجراءات التأسيس وتحسين الحوكمة، لا تزال العراقيل الإدارية وبطء استكمال الملفات من بين الصعوبات التي تواجه عددا من الباعثين، وفق التصريحات المتداولة بشأن التجربة. ومع مواصلة توفير الاعتمادات المالية وتوسيع نطاق التسهيلات، تبرز الحاجة إلى تقييم تجربة الشركات الأهلية، فالمعطيات المنشورة تركز أساسا على عدد الشركات المسجلة والملفات الجاري استكمالها والتمويلات المرصودة والأهداف المتعلقة بإحداث شركات جديدة. في المقابل، لا تزال البيانات المتاحة للعموم بشأن رقم معاملات الشركات الناشطة ومداخيلها وأرباحها وخسائرها وحجم استثماراتها محدودة.

تؤكد الإجراءات الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 ومخرجات المجلس الوزاري المنعقد في أكتوبر 2026 أن الدولة لا تزال متمسكة بتجربة الشركات الأهلية، وتسعى إلى توسيع نطاقها وتعزيز دورها ضمن السياسات التنموية. ويقوم هذا التوجه على التعويل على المبادرة الجماعية لتثمين الموارد المحلية وتحفيز الاستثمار في الجهات وخلق فرص عمل جديدة، خاصة لفائدة الشباب. غير أن نجاح هذا الرهان سيظل مرتبطا بقدرة الدولة على تحويل التمويلات والتسهيلات القانونية إلى نتائج اقتصادية ملموسة، وبمدى قدرة الشركات على تطوير مشاريع قابلة للاستمرار والمنافسة.

 

المشاركة في هذا المقال