Print this page

ميزانية تونس 2027 على طاولة البرلمان: معركة التمويل والنمو والقدرة الشرائية

 

أحالَت الحكومة التونسية يوم 15 أكتوبر 2026

مشروع قانون المالية لسنة 2027 إلى مجلس نواب الشعب واضعةً الخيارات الاقتصادية للسنة المقبلة أمام اختبار الأرقام والنتائج. وبين التعهد بدفع الاستثمار وتحسين القدرة الشرائية وتعزيز الأمن الغذائي والمائي والطاقي تبرز معضلة أساسية وهي كيف ستوفّق الدولة بين تمويل أولوياتها التنموية وخلاص ديونها من دون توسيع الضغوط على المؤسسات والمواطنين؟ وهل تكفي فرضيات النمو والإيرادات المعلنة لتوفير الموارد اللازمة، أم أن هامش المناورة المالية سيظل محدودًا بفعل الالتزامات القائمة؟ ثم ما الذي ستضيفه الميزانية فعليًا إلى الاقتصاد المنتج والتشغيل ومداخيل الأسر بعيدًا عن الأهداف العامة التي تتكرر في كل دورة مالية؟

تكتسب هذه الأسئلة وزنها من السياق الذي يأتي فيه المشروع فقد سجّل الاقتصاد التونسي نموًا بنسبة 2.3% خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026 على أساس سنوي وبلغ النمو 2.4% خلال السداسي الأول وفق المعهد الوطني للإحصاء غير أن هذا التحسن لا يكفي وحده لإثبات دخول الاقتصاد في مسار نمو قوي ومستدام، خصوصًا مع استمرار ضغوط الأسعار وتحديات التشغيل. ان التعافي الاقتصادي لا يُقاس فقط بتطور الناتج المحلي الإجمالي، بل بقدرته على توسيع الإنتاج وخلق فرص عمل مستقرة وتحسين المداخيل الحقيقية، وتقليص الفوارق بين الجهات.

 تكشف مؤشرات سوق الشغل عن جانب آخر من المعادلة فقد بلغت البطالة 14.9% خلال الثلاثي الثاني من السنة، بينما وصلت إلى 26.6% لدى حاملي الشهائد العليا وفق أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء المتاحة للفترة نفسها. كما تراجع عدد المشتغلين بنحو 58.2 ألف شخص مقارنة بالثلاثي الأول بحسب نتائج مسح التشغيل. وتُظهر هذه المعطيات أن التحدي لا يقتصر على تحقيق نمو إيجابي بل يتعلق أيضًا بترجمة النشاط الاقتصادي إلى وظائف ومداخيل لذلك سيكون من المهم تقييم مشروع ميزانية 2027 على أساس قدرته على دعم القطاعات المنتجة، وتيسير الاستثمار وتحسين فرص إدماج الشباب وحاملي الشهائد في سوق العمل، لا على أساس نسب النمو المتوقعة وحدها. 

في المقابل، لا تسمح مؤشرات الأسعار بتجاهل الضغط الذي تواجهه الأسر فقد ارتفع معدل التضخم إلى 5.6% في سبتمبر 2026، مقابل 5.4% في أوت فيما تسارعت زيادة أسعار الغذاء والمشروبات إلى 8.4% على أساس سنوي. وشملت الزيادات خصوصًا الدواجن والفواكه الطازجة واللحوم والخضر والأسماك، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء. ويعني ذلك أن النقاش حول القدرة الشرائية لا يمكن أن يقتصر على حجم التحويلات الاجتماعية أو تطور الأجور الاسمية، بل يجب أن يشمل تطور كلفة المعيشة واستقرار التزويد وفعالية مسالك التوزيع، ومدى قدرة السياسات العامة على حماية الفئات الأكثر تأثرًا بارتفاع أسعار المواد الأساسية. 

على مستوى المالية العمومية، تبرز خدمة الدين باعتبارها أحد القيود الرئيسية على توجيه الموارد فقد سددت الدولة 10.469 مليارات دينار بعنوان خدمة الدين العمومي إلى موفى جوان 2026، منها 6.737 مليارات دينار من أصل الدين و3.733 مليارات دينار من الفوائد. وفي الفترة نفسها بلغت الاستخلاصات الجملية لميزانية الدولة 24.195 مليار دينار، منها 23.188 مليار دينار من المداخيل الجبائية، التي تمثل نحو 96% من إجمالي الموارد الذاتية للدولة. أما المداخيل غير الجبائية والهبات، فبلغت نحو 1.007 مليار دينار وتطرح هذه الأرقام مسألة هيكلية تتعلق بتركيبة الموارد العامة، ومدى قدرة الدولة على تنويعها وتحسين مردوديتها. فاعتماد الميزانية بدرجة كبيرة على الجباية يجعل من الضروري التمييز بين تحسين الاستخلاص وتوسيع القاعدة الجبائية من جهة،

 وزيادة العبء على المؤسسات والأفراد الملتزمين، من جهة أخرى. ويمكن لتطوير الرقمنة، والحد من التهرب ومراجعة الامتيازات الجبائية ضعيفة المردودية وتيسير إدماج الأنشطة الاقتصادية في القطاع المنظم، أن يدعم تعبئة الموارد بصورة أوسع. لكن نجاح هذه الخيارات يظل مرتبطًا بوضوح الإجراءات وعدالة تطبيقها، وقدرتها على تحسين الامتثال الجبائي من دون إضعاف الاستثمار والنشاط الاقتصادي.

وفي هذا الإطار تتجه التوجهات المعلنة لمشروع ميزانية 2027 إلى مواصلة التحكم في عجز الميزانية وتعزيز الموارد الذاتية ودعم المداخيل غير الجبائية، وتحسين التصرف في المؤسسات والمنشآت العمومية. كما تضع الأمن الغذائي والمائي والطاقي ودعم الاستثمار ضمن الأولويات الرئيسية. غير أن تقييم هذه الخيارات يتطلب الاطلاع على الأرقام التفصيلية النهائية للمشروع، وخاصة تقديرات الإيرادات والنفقات والعجز والاقتراض والاستثمار العمومي، قبل الحكم على مدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية ودفع النمو. 

ويظل الاستثمار العمومي أحد الاختبارات الأكثر أهمية في هذا السياق. فالأثر الاقتصادي للميزانية لا يتحدد فقط بما تخصصه من اعتمادات للمشاريع، بل بقدرتها على ضمان إنجازها في الآجال المحددة، والتحكم في كلفتها، وربطها بحاجات الإنتاج والخدمات والبنية التحتية. فالاستثمار في المياه والطاقة والنقل يمكن أن يحسن قدرة المؤسسات على الإنتاج ويخفض بعض كلفها، لكن مردوديته تظل رهينة جودة التخطيط والتنفيذ والصيانة. كما أن تأخر المشاريع أو ضعف التنسيق بين المتدخلين قد يؤجل العائد المنتظر، حتى عندما تكون الاعتمادات مدرجة في الميزانية.

ومن هذا المنطلق، لا بد أن يترافق الإعلان عن الأولويات الاستثمارية مع مؤشرات واضحة لقياس الإنجاز حجم الاعتمادات المصروفة فعليًا ونسبة تقدم المشاريع، وكلفتها النهائية وعدد مواطن الشغل التي أحدثتها، وأثرها في الإنتاجية والخدمات فهذه المؤشرات هي التي تسمح بالتمييز بين الإنفاق الذي يحقق قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة والإنفاق الذي يظل أثره محدودًا أو مؤجلًا. وهي أيضًا ما يتيح للرأي العام والبرلمان متابعة مدى التزام التنفيذ بالأهداف المعلنة.

وتفرض الفرضيات الخارجية بدورها قدرًا من الحذر في إعداد الميزانية فالتقديرات التي عرضتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء، استنادًا إلى وثائق وزارة المالية، تتوقع تحسن النمو العالمي إلى 3.4% في 2027، مقابل 3% في 2026، وارتفاع نمو منطقة اليورو إلى 1.2% مقابل 0.9%، مع افتراض تراوح سعر برميل خام برنت بين 75 و80 دولارًا. وتظل هذه المعطيات فرضيات قابلة للتغير، لا نتائج مضمونة. فأي تغير في أسعار الطاقة أو الطلب الخارجي أو سعر الصرف قد يؤثر في كلفة الواردات، وموارد الدولة، وحاجاتها التمويلية. ولذلك، فإن اعتماد سيناريوهات بديلة أكثر تحفظًا، وتحديد أثرها المحتمل على الدعم وخدمة الدين والاستثمار، يمكن أن يعزز قدرة المالية العمومية على مواجهة الصدمات بدل الاكتفاء بتقدير واحد. وكالة تونس إفريقيا للأنباء، 5 أكتوبر 2026.

وفي المحصلة، لا يمكن اختزال ميزانية 2027 في معادلة حسابية بين الإيرادات والنفقات، كما لا يمكن تقييمها مسبقًا انطلاقًا من التوجهات المعلنة وحدها. فالحكم على قدرتها الاقتصادية يتطلب معرفة حجم الموارد التي ستعبئها الدولة، وكيفية توزيع النفقات، ومصادر التمويل، ومدى واقعية الفرضيات التي تستند إليها. كما يتطلب متابعة التنفيذ خلال السنة، ومقارنة النتائج الفعلية بالتقديرات الأولية، بدل الاكتفاء بما تتضمنه الوثيقة عند عرضها.

إن التحدي الحقيقي أمام تونس هو بناء مسار مالي يسمح للدولة بالوفاء بالتزاماتها، مع الحفاظ على مساحة كافية للاستثمار المنتج والخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية. ويتطلب ذلك موارد أكثر تنوعًا، وإنفاقًا أعلى مردودية، وإصلاحات قابلة للقياس، وشفافية تمكّن المواطنين والمؤسسات من فهم كلفة الخيارات العامة ونتائجها.

فالميزانية لا تُختبر عند تقديمها، بل عند تنفيذها ولا تُقاس قيمتها بما ترصده من أموال بل بما تحققه من إنتاج وفرص عمل وتحسن ملموس في حياة الناس.

 وبين الأرقام التي تُكتب في بداية السنة والنتائج التي تظهر في نهايتها، يتحدد ما إذا كانت ميزانية 2027 ستنجح في توسيع هامش التنمية، أم ستظل محكومة بحدود الموارد وكلفة الالتزامات القائمة.

 

المشاركة في هذا المقال