Print this page

لبنان بعد 3 سنوات من الحرب: صدمات أمنية واقتصادية.. وأعباء تؤجل مسار الإصلاح

بعد ثلاث سنوات على اندلاع المواجهات بين

كيان الاحتلال الإسرائيلي و"حزب الله" في 8 أكتوبر 2023، يواجه لبنان فاتورة بشرية واقتصادية متصاعدة، مع بلوغ حصيلة الشهداء 8953 شخصا والجرحى 30 ألفا و649، فيما تقترب الكلفة الإجمالية للحربين اللتين شهدتهما البلاد من 27 مليار دولار، وفق أحدث المعطيات الرسمية والتقديرات الاقتصادية.

وإذا كانت المواجهات التي بدأت في أكتوبر 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة قد اتخذت في بدايتها طابعا محدودا نسبيا، فإنها تحولت في سبتمبر 2024 إلى حرب واسعة، استمرت 66 يوما قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في 27 نوفمبر من العام نفسه. غير أن الهدنة لم تُنه التوتر، إذ تواصلت عمليات الاستهداف والاغتيال، قبل أن تتسع رقعة المواجهات مجددا في 2 مارس 2026 على خلفية الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.وبذلك، لم يعد لبنان أمام تداعيات حرب واحدة، وإنما أمام مسار متواصل من الصدمات الأمنية والاقتصادية، ما أعاد البلاد إلى دائرة الاستنزاف في وقت كانت تحاول فيه الخروج تدريجياً من واحدة من أعقد أزماتها المالية والاقتصادية.

وتكشف الأرقام حجم الخسائر البشرية التي راكمتها المواجهات خلال السنوات الثلاث. فوفق آخر إحصائية لوزارة الصحة اللبنانية بتاريخ 25 سبتمبر الماضي، بلغ عدد القتلى 8953 شخصا، مقابل 30 ألفا و649 جريحا منذ 8 أكتوبر 2023.ومن إجمالي هذه الحصيلة، سقط 4386 قتيلا و12 ألفا و413 جريحا منذ 2 مارس 2026، في مؤشر على حجم الخسائر التي رافقت الجولة الجديدة من التصعيد.

ويرى مراقبون أن استمرار العمليات العسكرية، حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار في 2024، جعل آثار الحرب أكثر تعقيدا، إذ لم يعد الضرر مرتبطا فقط بالمناطق التي شهدت المواجهات المباشرة، وإنما امتد إلى حركة السكان والنشاط الاقتصادي والخدمات والبنية التحتية.

وعلى المستوى السكني، تشير تقديرات الباحث اللبناني المتخصص في الإحصاء محمد شمس الدين إلى تدمير نحو 97 ألف وحدة سكنية بالكامل، فيما تعرضت قرابة 65 ألف وحدة لأضرار جزئية، بينما طالت أضرار أقل حدة نحو 320 ألف وحدة.وتعني هذه الأرقام أن الخسائر لا تقاس فقط بقيمة الأبنية المدمرة، وإنما تمتد إلى آلاف الأسر التي فقدت مساكنها ومصادر رزقها، فضلا عن الكلفة التي ستتحملها الدولة والقطاع الخاص لإعادة الإعمار.

530.5 مليون دولار خسائر

ولم يكن القطاع الزراعي بمنأى عن تداعيات الحرب، إذ قدرت خسائره بنحو 530.5 مليون دولار، وفق تقييم مشترك لوزارة الزراعة اللبنانية والمجلس الوطني للبحوث العلمية ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.

وبحسب وزارة الزراعة، تضررت نحو 22.5% من الأراضي الزراعية في لبنان، ما يطرح تحديات تتجاوز الخسارة المباشرة للمحاصيل والإنتاج، لتصل إلى إعادة تأهيل الأراضي واستعادة قدرتها على الإنتاج وتأمين مصادر دخل آلاف العاملين في القطاع.ويشير باحثون إلى أنّ الأضرار الزراعية قد تحمل آثارا طويلة المدى، خصوصا في المناطق التي تحتاج إلى برامج إعادة تأهيل واستثمارات جديدة قبل استعادة نشاطها بصورة طبيعية.

حرب تضغط على اقتصاد منهك

أما على المستوى الاقتصادي، فتبدو الصورة أكثر تعقيدا، فقد أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن الحربين اللتين شهدتهما البلاد منذ 2023 كلفتا لبنان أكثر من 20 مليار دولار، مع إمكانية ارتفاع الفاتورة إلى 27 مليار دولار عند اكتمال احتساب تداعيات حرب 2026.

وتتجاوز هذه الكلفة حجم الأضرار المباشرة للمباني والبنية التحتية، لتشمل خسائر النشاط الاقتصادي والاستثمارات والسياحة وتراجع تدفقات العملات الأجنبية، فضلا عن الأعباء المرتبطة بالنزوح وإعادة الإعمار.وفي ذروة الحرب الأخيرة، نزح أكثر من مليون شخص، وفق ما أعلنه سلام، فيما لا يزال نحو 250 ألف شخص نازحين، بينما يواجه سكان أكثر من 75 قرية ومدينة صعوبات في العودة إلى منازلهم ومصادر رزقهم.

ويرى محللون اقتصاديون أن هذه التداعيات جاءت في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للبنان، الذي كان يحاول استعادة قدر من الاستقرار بعد الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، والذي وصفه البنك الدولي بأنه من بين أسوأ الأزمات الاقتصادية التي شهدها العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر.

ويعتبر محللون أن هذا التراجع لا يعكس فقط أثر العمليات العسكرية، بل يكشف أيضاً حجم الخسائر غير المباشرة التي تصيب القطاعات المرتبطة بحركة الاقتصاد، وفي مقدمتها السياحة والاستثمار والتجارة والخدمات.

وفي الوقت نفسه، ارتفع معدل التضخم من 11.5% عام 2025 إلى نحو 17% في 2026، وسط توقعات باستمرار الضغوط التضخمية بفعل ارتفاع كلفة النقل والتوترات الدولية وصعوبة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة في ظل استمرار الحرب.

ويرى باحثون أن اجتماع هذه العوامل يخلق حلقة اقتصادية ضاغطة الحرب تعطل النشاط، وتراجع النشاط يقلص الإيرادات والتدفقات المالية، فيما يؤدي ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية إلى زيادة الضغوط على الأسر والمؤسسات.

حرب تؤجل مسار الإصلاح

ويبدو أن الخسارة الأكبر بالنسبة إلى لبنان لا تتمثل فقط في حجم الدمار الحالي، وإنما في ضياع فرصة كان يمكن أن يستثمرها لإعادة إطلاق اقتصاده.

فبعد سنوات من الأزمة المالية، كانت السلطات اللبنانية تحاول التقدم في إصلاحات مصرفية ومالية والتفاوض مع صندوق النقد الدولي بشأن برنامج تمويلي، في ظل مطالب دولية بإعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة أزمة الودائع وتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية واسعة.لكن تجدد الحرب أعاد ترتيب الأولويات، وأصبح جزء كبير من الجهد الرسمي موجها نحو إدارة تداعيات النزوح والأضرار وتأمين الاحتياجات الأساسية وإعادة الإعمار.

ويخلص مراقبون اقتصاديون إلى أن الحرب لا تستنزف لبنان فقط عبر فاتورة الدمار المباشر، وإنما عبر كلفة الفرصة الضائعة،  أي ما كان يمكن للاقتصاد تحقيقه من نمو واستثمارات وسياحة وإيرادات لو استمر مسار الاستقرار.

المشاركة في هذا المقال