المقاتلون التونسيون في سوريا: من جبهة النصرة إلى المشاركة في حكم الشرع بدمشق

 

غازي عنتاب (تركيا) – حوار: هادي يحمد

لمدينة التركية غازي عنتاب رمزية خاصة في المخيلة الجماعية

للسوريين؛ فقد كانت بمثابة قاعدة لوجستية للعمل الإعلامي والتطوعي والإغاثي والطبي الداعم للثورة في سوريا.

في أحد مقاهيها، التقينا حسام جزماتي، الباحث والكاتب السوري، لإجراء هذا الحوار لجريدة المغرب. يحدثنا جزماتي عن أحد الملفات الأكثر حساسية بالنسبة إلى دول الجوار السوري والدول الغربية بعد سقوط نظام بشار الأسد: ملف المتطوعين والمقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى الجماعات المسلحة في سوريا بعد سنة 2012.

نحن هنا أمام ملف مسكوت عنه، تتفاوض حوله جميع الأجهزة الأمنية في العالم، في الغرف المغلقة، مع حاكم دمشق أحمد الشرع.

فبعد أيام قليلة من سقوط العاصمة السورية دمشق تحت سيطرة هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقًا، التي تضم المئات من المقاتلين الأجانب، توافد مبعوثون كثر لفهم مآلات هذا الملف.

نحن في تونس لا ندري ماذا فعلت حكومتنا لمعرفة مواقع ودور المقاتلين التونسيين الذين انضموا إلى الجماعات السورية المسلحة، ولا سيما الذين شاركوا مع هيئة تحرير الشام في السيطرة على دمشق. هل هناك قنوات تونسية مع دمشق لمعرفة موقع ومصير العشرات من التونسيين الذين يحتلون اليوم مواقع مهمة في الأجهزة والإدارة السياسية والأمنية الحالية؟ ما وضعية هؤلاء القانونية في سوريا ما بعد سقوط دمشق؟ هل يفكرون في العودة إلى تونس؟ هل ما زالوا يشكلون خطرًا علينا وعلى أمن المنطقة بشكل عام؟

في هذا الحوار، حاولنا مساءلة حسام جزماتي عن كل هذه المسائل، وهو أحد أبرز العارفين بشؤون المنظمات الإسلامية المسلحة في سوريا. حاورناه حول كل هذه الملفات، رغبةً في فهم الوضع في سوريا. وهي عودة من قبلنا إلى ملفات أصبحت مسكوتًا عنها، أو أُدرج بعضها في رفوف المكاتب، رغم أنها، مثلها مثل المارد، تستيقظ دائمًا في غفلة منا جميعًا.

بداية، دعنا ننطلق من الوضع العام للمقاتلين الأجانب، والتونسيين بشكل خاص، وتوافدهم على بلاد الشام منذ بدايات الثورة السورية. كيف كانت بدايات هذه الظاهرة؟

حسام جزماتي: مع انطلاق الثورة الشعبية، لقيت قمعًا كبيرًا من السلطة، واندلعت المواجهات، ودخلت الثورة مسارًا مسلحًا. فتعالت أصوات الاستغاثة بالخارج بأشكال مختلفة، من منظمات دولية أو دول أو شعوب. وفي هذا السياق، ظهرت دعوات إلى «الجهاد في سوريا»، وتبنّت الحركات الإسلامية بشكل عام، و«الجهادية» بشكل خاص، رؤية مفادها أن «النظام السوري كافر» لأسباب عقائدية وطائفية، بالنظر إلى البعد العلوي للسلطة في دمشق آنذاك، واعتبارها بعثية ملحدة.

بدأ تدفق المهاجرين العرب والمسلمين ابتداءً من سنة 2012، وأخذ العدد يتصاعد. ولم تكن موجات الهجرة هذه تتجه، في تلك الفترة، إلى فصيل معين. لكن في سنة 2013 بدأ الانشقاق الكبير بين ما عُرف بـ«جبهة النصرة» و«دولة العراق الإسلامية»، التي عُرفت فيما بعد بـ«داعش»، والتي استطاعت التفوق في استقطاب المهاجرين.

ونتذكر أنها، في تلك الفترة، أصدرت نشرات بجميع اللغات تقريبًا لإغراء الشباب المسلم بالانضمام إليها. صدرت نشرات بالإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية والأردية وغيرها. وتوجهت إلى الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين في دول الغرب، وتمكنت من اجتذاب الآلاف منهم.

استقبلت مدن شمال سوريا، خاصةً، موجة كبيرة من الشباب، وحتى العائلات بأكملها، ولا سيما من قومية الأيغور الصينية ومن جمهوريات آسيا المسلمة. ظن هؤلاء أن «الدولة الإسلامية» قد بدأت في الانبلاج، وأن منطلقها بلاد الشام والعراق. كانوا يؤمنون بذلك، ويدفعون الغالي والنفيس من أجل الالتحاق بركب «دولة الخلافة» التي أعلن عنها أبو بكر البغدادي.

ضمن هذا الإطار العام الذي ذكرتَه، كانت هناك هجرة من تونس، وقد واكبنا أطوارها من تونس، واعتُبرت في ذلك الوقت من أكثر الهجرات كثافة. كيف ظهرت لكم هذه الظاهرة من الداخل السوري؟

حسام جزماتي: من الواضح بالنسبة إلينا، ومن خلال المهاجرين الشباب التونسيين وقتئذ، أن هؤلاء جاؤوا وقد تشبعوا بأدبيات التيار السلفي الجهادي. استغل هذا التيار جوَّ الحريات أو الفوضى التي أعقبت الثورة في تونس، لتمدده وإقناع الشباب التونسي بتبنّي أطروحاته أولًا، ثم بـ«النفير» ثانيًا، «نصرةً لأهل الشام» في المظلمة التي يتعرضون لها.

وعندما وقع الانشقاق بين جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام، انضم هؤلاء، ومعظم المهاجرين في الحقيقة، إلى داعش، وبقي عدد قليل في جبهة النصرة.

ومن بين المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى داعش في تلك الفترة، نجد تواترًا كبيرًا لألقاب من قبيل «أبو فلان التونسي». فلقب «التونسي» منتشر بشكل كبير في الرقة ودير الزور وأرياف حلب وغيرها من المدن التي سيطر عليها تنظيم الدولة.

في سلّم هرمية الرتب في تنظيم الدولة، ما المكانة التي احتلها التونسيون؟

حسام جزماتي: هذه مسألة مثيرة للانتباه. فالتونسيون كانوا في الأغلب «أمنيين»، دون أن يقتصر دورهم على ذلك. فأحيانًا تجد تونسيين «شرعيين» أو «إداريين»، بحسب مؤهلاتهم، ولكن الوظيفة «الأمنية» كانت الأكثر شيوعًا.

لماذا عُرف التونسيون، أي «الأمنيون»، بهذه الوظيفة دون غيرها؟

حسام جزماتي: من المهم هنا التعريف بوظيفة «الأمني» في هذا السياق. فالأمني في داعش ليس، بالضرورة، رجل مخابرات أو مختصًا بالتقاط المعلومات والأخبار، بل هي وظيفة تتمتع بسلطة وصلاحيات أعلى من «الشرطة العادية» أو الدوريات التي تجوب الشوارع لحفظ الأمن العام. فوظيفة «الأمني» ترتبط بالتحقيقات والتعذيب وفحص ملفات المهاجرين الجدد القادمين، للتثبت من خلوها من الشبهة.

 

وعُرف الأمنيون التونسيون ـ حسب انطباع السكان المحليين في المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش ـ بـ«الغلظة» و«الشدة» في التعامل مع المواطنين، وحتى مع أفراد التنظيم أنفسهم.

وبالمقارنة بغيرهم من المهاجرين، كان يُنظر إلى المهاجر «الجزراوي»، أي القادم من الجزيرة العربية، وأغلبهم سعوديون، على أنهم أشخاص رقيقو القلوب وحاملون للعلوم الشرعية في غالبيتهم. ومن هنا كان من بينهم العديد من «الشرعيين» أو القضاة. وعندما يكون قليل الزاد شرعيًا، يتوجه إلى ما يسمّونه «العمليات الاستشهادية».

فكما تعلم، عندما يصل المهاجر، يُسأل عن المهمة التي يرى نفسه أهلًا لها، فيخبرهم، مثلًا، أنه جاء مقاتلًا أو استشهاديًا أو انغماسيًا. كما تسجل الجهات المستقبلة له أصوله، ومن زكّاه للقدوم، ووسائل الاتصال بأهله في حال وفاته، إلى غير ذلك من البيانات الشخصية.

فكان الخليجيون عادةً، من غير ذوي التكوين الشرعي، يسجلون أنفسهم «استشهاديين»، بينما يتجه نظراؤهم من ذوي «العلم الشرعي» إلى أن يكونوا شرعيين. وهو حال الكثير من المصريين الذين كان بينهم عدد كبير من «الشرعيين» كذلك.

أما المهاجرون من آسيا الوسطى، كالأوزبك والطاجيك والأيغور، فكان يُنظر إليهم على أنهم مقاتلون أشداء على الجبهات، وليس في شوارع المدن والتعامل مع العوام.

طبعًا، هذه التراتبية والتقسيمات ليست مدعومة بإحصائيات معينة، إذ لم يكن من السهل إجراؤها وقتها، ويستحيل القيام بها الآن. ولكن تجربة السوريين الذين عاشوا هذه المرحلة وراقبوها لسنوات، رسّخت لدينا هذا الإطار العام للفهم والتحليل.

ولهذا السبب، كان التونسيون يُدرجون في المخيلة الشعبية للسوريين ضمن إطار أمني متسم بالشدة. ولهذا السبب أيضًا، عندما تفطنت داعش إلى أنه من غير المناسب أن تقوم دوريات الحسبة الرجالية بتفتيش النساء أو التحقيق معهن، أنشأت جهاز حسبة نسائية، عهدت بأغلب مناصبه إلى تونسيات.

كان الحضور التونسي، كـ«أمنيين»، واضحًا في داعش. فهل كان الأمر كذلك في تنظيم جبهة النصرة، التي غيّرت تسميتها إلى هيئة تحرير الشام بقيادة الجولاني، أو أحمد الشرع حاليًا؟

حسام جزماتي: المسؤول الأمني عن المهاجرين في «هيئة تحرير الشام»، التي أسقطت نظام بشار الأسد، وأظنه ما زال موجودًا في أعلى هرم الأمن في دمشق اليوم، يُدعى «أبو هاجر التونسي». ولكن السيطرة الأمنية للتونسيين لم تكن طابعًا عامًا في جبهة النصرة.

هناك تفسيرات وتحليلات كثيرة لـ«ظاهرة التشدد التونسية» في تونس، باعتبارها في قطيعة مع طبيعة المجتمع التونسي، وأنها تخفي أسبابًا سوسيولوجية أو نفسية لدى الشباب التونسي. ولكن بماذا تفسرونها أنتم في سوريا، كما لاحظتموها لدى هؤلاء القادمين إليكم؟

حسام جزماتي: في الأراضي التي سيطر عليها تنظيم داعش، انتشر تيار ديني سُمّي بـ«الحازمية»، وكان معظم شبابه، أو جزء كبير منهم، من التونسيين. كفّر هؤلاء البغدادي، وكفّروا «الدولة»، فما بالك بالنصرة وغيرها من التنظيمات. وأحدثوا شرخًا كبيرًا وأزمة أمنية كبيرة أدت إلى إعدام العشرات منهم.

وكان القسم الأكبر من الحازميين تونسيين، ربما لأن مؤسس هذا التيار، الشيخ السعودي أحمد بن عمر الحازمي، قام بجولة لعدة أشهر في العديد من المدن التونسية، بدءًا من ديسمبر 2011. وترك أثرًا كبيرًا في صفوف شباب السلفية الجهادية التونسية، التي عرفت وقتها انتعاشة. وقد مسّ تأثير هذا التيار الحازمي الكثير من المغاربة، لكن العدد الأكبر كان من التونسيين.

ومن هنا تأتي بعض تفسيرات «غلوّ» و«غلظة» التونسيين في داعش، دون أن يكون هذا كافيًا لفهم الظاهرة.

بعد مرحلة داعش، أو لنقل بعد معركة الباغوز، التي كانت آخر معارك داعش وهزيمتها العسكرية أمام قوات سوريا الديمقراطية «قسد» سنة 2019، ماذا كان مصير الأجانب عامةً، والتونسيين خاصةً؟

حسام جزماتي: غيّرت «أزمة الحازمية» موقع التونسيين في داعش. فبعد أن كانوا موضع ثقة، صاروا موضع شك. ومن لم تمسسه مقصلة الإعدامات الداخلية، أتمّته معركة الباغوز، التي قُتل فيها المئات من المقاتلين الأجانب، ومن بينهم تونسيون. كما قامت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» باعتقال العشرات منهم، ونُقلوا إلى السجون في الحسكة وغيرها.

وهؤلاء المعتقلون نُقل قسم منهم إلى العراق مؤخرًا. فقد نشرت وزارة العدل العراقية، في شهر فبراير من هذه السنة، قائمة تضمنت 234 تونسيًا، ضمن قائمة شملت 5704 من عناصر داعش الذين نُقلوا من سجون «قسد» إلى السجون العراقية.

كما أن موجات هجرة المقاتلين الأجانب إلى سوريا انحسرت، وبالتالي انخفض عدد المهاجرين التونسيين فعليًا.

من الواضح أن ثقل التونسيين كان في داعش، ولكن ماذا عن وجودهم في جبهة النصرة قبل السيطرة على العاصمة دمشق وبعدها؟

حسام جزماتي: من المهم القول، في هذا الإطار، إن «المهاجرين» لم يلتحقوا بداعش أو جبهة النصرة فقط. فهناك من التحق بحركة أحرار الشام، التي نستطيع القول إنها سلفية جهادية أكثر اعتدالًا. وهناك من فضّل العمل في فصائل مستقلة، لا سيما بعد الانشقاق الكبير بين «النصرة» و«داعش» سنة 2013، إذ رأى الكثير من الجهاديين أن «الطرفين إخوة لهم»، وأنهم لا يستطيعون الانحياز إلى طرف من أجل قتال الآخر. فجاؤوا لقتال النظام، ليجدوا أنفسهم في «فتنة» داخلية بين التنظيمات.

ولهذا السبب، نشأت فصائل صغرى تقول: «أنا لا ألوّث يدي بدم مسلم»، ولا سيما أن هؤلاء لا يكفّرون داعش، بل يعتبرونها من الخوارج. وفي المقابل، لا يريدون أيضًا الانضمام إلى من يسمّونهم «المميعة»، ويقصدون بهم أتباع جبهة النصرة، أو هيئة تحرير الشام في ما بعد.

فظهرت العديد من التنظيمات المسلحة الصغرى على خط القاعدة، دون أن تكون مرتبطة تنظيميًا بها، تقاتل النظام، وتفضّل ما يُعرف بجبهة الساحل، ريف اللاذقية، على اعتبار أنها مناطق مطلة على قرى ومدن العلويين.

في هذا السياق، ظهر شق ثالث من التونسيين، ليسوا من داعش ولا من جبهة النصرة، ويُصنّفون على أنهم «مستقلون». وكان عدد منهم من معارضي هيئة تحرير الشام، على الرغم من كونهم يسكنون المناطق التي تخضع لسيطرتها في مدينة إدلب وريفها والقرى المطلة على الساحل.

وكانت هيئة تحرير الشام، التي تسيطر على كل هذه المناطق، تجد حرجًا في كبح جماح المستقلين، ولا سيما في رغبتهم، أحيانًا، في القيام بعمليات عسكرية ضد النقاط التي يسيطر عليها النظام، خاصةً في فترات الهدوء والاتفاقيات؛ لأن هذه العمليات التي يقوم بها المستقلون ربما تهدم الهدنة القائمة، وتحرج الهيئة أمام الوسطاء، وخاصةً أنها، من المفترض، أن تبسط سيطرتها على تلك المناطق.

ومن هذا المنطلق، اشتغلت هيئة تحرير الشام، قبل سقوط دمشق، على ضبط ملف المهاجرين؛ أي إن من لا يخضعون لسياساتها أو ينسقون معها في أي جهد عسكري أو غيره يقومون به في مناطقها، كانوا موضع متابعة. وفي الأشهر الأخيرة التي سبقت سيطرة هيئة تحرير الشام على العاصمة دمشق، كان هناك تضييق ورقابة على المهاجرين، واعتقال لبعض رموزهم.

يمكن القول إن التونسيين لم يكونوا على قلب رجل واحد في تلك الفترة، في المناطق التي كانت تسيطر عليها الهيئة. فكان منهم، كما أسلفنا، قادة أمنيون تونسيون، وعلى رأسهم أبو هاجر التونسي. كما كان هناك آخر يُلقّب بأبي أنس التونسي، وهو أمني آخر في الهيئة. وكانت هناك، أيضًا، أعداد أخرى من التونسيين معارضة لهيئة تحرير الشام، ولكن إمكاناتها ومواردها كانت شحيحة، فضلًا عن محدودية قدراتها اللوجستية.

هل هناك تقديرات معينة لعدد التونسيين في منطقة إدلب وريفها، سواء الذين يعملون تحت سلطة الهيئة أو غيرها، قبل سقوط دمشق؟

حسام جزماتي: في تقديري، لا يتجاوز العدد مائتي شخص، عدا عائلاتهم وأبنائهم، وخاصةً أن غالبيتهم جاؤوا شبابًا وتزوجوا سوريات.

هذا في خصوص التونسيين. وماذا عن أعداد الأجانب بشكل عام، ممن استقروا في إدلب وريفها والمناطق التي سيطرت عليها الهيئة؟

حسام جزماتي: ملف الأجانب أكبر بكثير؛ لأن الأمر يتعلق بعائلات كاملة جاءت مهاجرة بأطفالها ونسائها. وقد نصل إلى خمسة وعشرين ألفًا من المهاجرين وعائلاتهم، وخاصةً عندما نتحدث عن الأيغور، التركستان، الذين يشكلون اليوم مجتمعًا قائمًا بذاته.

ومن المفارقة أن المحنة التي تعرض لها المهاجرون في داعش، مع الحازمية والشبهات الأمنية والإعدامات التي طالت العديد منهم، لحقت ببعضهم أيضًا في إدلب مع الهيئة، في ما عُرف بـ«قضية العملاء»، واعتقال الهيئة العديد من أتباعها وقادتها في الدرجتين الوسطى والعليا. وتبيّن استخدام أدوات تعذيب وإهانة بشكل مفرط من قبل الجهاز الأمني لهيئة تحرير الشام. وأثار هذا الملف غضب الكثير من المهاجرين، ومن بينهم تونسيون.

وتراكمت، في الفترة التي سبقت السيطرة على دمشق، المشاكل المعيشية، وخاصةً الغلاء، والقيام بالمشاريع الشكلية على حساب إغاثة المحتاجين، وفرض رسوم جباية عالية، وهو ما زاد من الانتقادات بين المهاجرين والسوريين. ووقعت احتجاجات كثيرة، وربما ما أنقذ هيئة تحرير الشام وقتها هو معركة «ردع العدوان» المفاجئة والسيطرة على دمشق.

ولكن بعد سقوط نظام بشار الأسد، ظل ملف المهاجرين والمقاتلين الأجانب يمثل «المشكلة المسكوت عنها» حتى الآن. برأيك، كيف تتفاعل السلطة الجديدة في دمشق، بقيادة أحمد الشرع، مع هذا الملف اليوم؟

حسام جزماتي: يُطرح هذا الملف اليوم داخليًا ضمن تركيبة السلطة الجديدة، ويُطرح خارجيًا ضمن التخوفات الأمنية للعديد من الدول التي تبارك التغيير الذي وقع في سوريا، لكنها تنظر بعين الريبة إلى مصير ملف المقاتلين الأجانب.

داخليًا، ماذا فعلت حكومة الرئيس أحمد الشرع حاليًا؟

حسام جزماتي: أولًا، لم تمنح الجنسية السورية لأي من الأجانب على الإطلاق حتى اليوم، وهي تؤجل هذا الملف.

ولكن ما الوضع القانوني والإداري لهؤلاء؟ هل لديهم بطاقات هوية، مثلًا؟

حسام جزماتي: كانت لهؤلاء بطاقات هوية في المناطق التي كانت تسيطر عليها الهيئة في إدلب وريفها. أما في الدولة السورية الجديدة، فلم يتواصل الأمر على هذا النحو. فمن الناحية القانونية، لم تقع إلى الآن تسوية وضع الأجانب في سوريا.

كيف تتعامل السلطة الجديدة مع هذا الملف تحديدًا؟

حسام جزماتي: هناك هرمية في تعامل السلطة مع هذا الملف. فهناك الحلفاء الدائمون، مثل الحزب الإسلامي التركستاني، الأيغور، والمحيطون به من المقاتلين الأجانب المنضوين في فصائل صغيرة موالية. وقد اعتبرت السلطة أن هؤلاء جزء عضوي من النصر الذي تحقق، ويحق لهم أن يكونوا في مؤسسات الدولة السورية الجديدة. ومن هذا الباب، عُيّن الكثير من الأجانب في مناصب ترى السلطة الجديدة أنهم يصلحون لها.

فعلى سبيل المثال، عندما أصدر أحمد الشرع ما أطلق عليه وصف «ترفيعات» في الجيش السوري الجديد، بعد قرابة أربعين يومًا من سقوط النظام، منح، من بين خمسين رتبة عسكرية عالية، ستًا منها لغير السوريين: تركستاني، وطاجيكي، وألباني، وتركي، وأردني.

ففي الجيش السوري الجديد، الذي يضم 22 فرقة، توجد ثلاث فرق بقيادة أجانب، وهي: الفرقة 70 بقيادة مختار التركي، والحرس الجمهوري بقيادة أبي حسين الأردني، الذي يضم بعض الأجانب وعددًا كبيرًا من المتطوعين السوريين الجدد، والفرقة 84، التي ليست فقط بقيادة أبي محمد التركستاني، بل تتكون أساسًا من المقاتلين التركستان والأوزبك وبعض الأجانب الآخرين، وقليل من السوريين.

ويشرف أبو إبراهيم التونسي، عبد العزيز رحومة، على «إدارة التوجيه المعنوي» في وزارة الدفاع. ومن مهام هذه الإدارة وضع برامج عمل في جميع الوحدات، من أجل نشر عقيدة الجيش السوري الجديد السياسية وتوجهاته الأيديولوجية.

كما تولى مروان حسين، الذي له أصول تونسية، أو هو نصف سوري ونصف تونسي، لجنة الدراما في وزارة الإعلام. ومهمتها الإشراف على جميع المسلسلات والأشرطة التي تُصوّر في سوريا، من أجل ضمان استمرارية الأعمال الدرامية. وكان هذا الشخص إعلاميًا في إدلب قبل السيطرة على دمشق، ويقال إنه درس في تونس وفرنسا قبل أن يأتي إلى سوريا.

وطبعًا، هناك العديد من المناصب غير الظاهرة، من قبيل تونسي آخر عُيّن مسؤولًا متوسطًا في وزارة الاتصالات.

وفي هذا الإطار، تضغط حكومة أحمد الشرع على جميع الأجانب لكي يكونوا جزءًا من الدولة الجديدة. وفي الوقت نفسه، ومن خلال هذه التعيينات، تضعهم تحت الرقابة، وتمتحن مدى اندماجهم الكامل.

ولكن كيف تستقيم عملية الصهر والإدماج لكل هؤلاء الأجانب مع عدم منحهم «الهوية السورية» وحقوق المواطنة؟

حسام جزماتي: السلطة الجديدة واعية لهذا الأمر، وقد قدمت هذا الملف للدول الغربية المتخوفة من هؤلاء، باعتبارها الضامن لعدم تحولهم إلى داعش، أو انضمامهم إلى منظمات إرهابية، أو إمكانية أن يؤسسوا خلايا إرهابية صغيرة يمكن أن تعمل خارج سوريا.

وبالتالي، فإن الضمانة الأساسية التي تقدمها السلطة في هذا الملف هي استيعابهم في أجهزة الدولة. ولهذا، فهي تضغط عليهم لكي يكونوا جزءًا من الدولة، ولا تتركهم وشأنهم.

ومثال ذلك أن السلطات ضغطت، في الفترة الأخيرة في إدلب، على تونسي كان معارضًا للهيئة ويقوم بأعمال حرة، لينضم إلى وزارة الدفاع ويكون تحت أعينها.

كما قامت السلطة الجديدة، عبر بعض مناصريها من الأوزبك، بالضغط على العديد من المستقلين الآخرين من الأوزبك، وخيّرتهم بين الانضمام إلى الفرقة 84 أو تحمّل الاتهامات التي تلاحقهم بـ«الدعوشة» والتطرف، وما يمكن أن يستتبع ذلك من إجراءات أمنية تشمل التحقيقات والاعتقالات.

من الواضح أن الأمر يمسّ خاصةً من يعتبرون أنفسهم «مستقلين»، أفرادًا وتنظيمات صغيرة؟

حسام جزماتي: غادر العديد من المستقلين سوريا إلى جهات أخرى، حتى بعد تحرير دمشق. ولكن من المهم القول إنه حتى قبل سيطرة هيئة تحرير الشام على دمشق، انحسر وجود «المستقلين» عددًا وتأثيرًا. وأصبح هؤلاء اليوم، في ظل الحكم الجديد، تحت مجهر إدارة الأمن العسكري والاستخبارات العسكرية في الجيش.

وأعتقد أن وجود مثل هذه العناصر، إضافةً إلى أسباب أخرى، يعطل عملية منح الجنسية للمقاتلين الأجانب الذين انضموا أساسًا إلى الأجهزة الجديدة، أو الذين كانوا منذ البداية منخرطين في هيئة أبي محمد الجولاني.

فالسلطة الجديدة تضع الأجانب، في عمومهم، في حالة «اختبار» قبل التسرع في منحهم الهوية أو الجنسية السورية. فهي لا تريد أن تمنحهم ورقة تتيح لهم جميع الحقوق، بما في ذلك حمل جواز السفر والتنقل، وما قد يستتبع ذلك من مخاطر.

ورغم أن بعضهم تسلّم مناصب عليا، فإن الحاجة اليومية والإدارية تفرض عليهم مستلزمات ثبوتية، وهم يعانون بعض تبعات غيابها. وتتبع السلطة سياسة ترقيعية لإزالة العقبات الإدارية أمام هؤلاء، وخاصةً في مسائل حيوية مثل السكن والأملاك والإيجارات وتسجيل الأبناء في المدارس، التي تتطلب وثائق قانونية.

وفي اعتقادي، أن هذه السياسة مقصودة من الهيئة، باعتبارها فترة اختبار، تُمنح بعدها الجنسية لمن ترى أنه نجح في اختبار الولاء والاندماج.

ومن المهم أن نشير هنا إلى أن قانون الجنسية السوري القديم، الذي لم يقع تعديله حتى الآن، لا يمنح الجنسية للجماعات، وإنما يمنحها بصورة فردية، شأنه شأن العديد من القوانين الأخرى في العالم.

في خصوص ملف الأجانب دائمًا، هل يمكن أن تعطينا فكرة عن الانتشار الجغرافي للأجانب في سوريا اليوم؟

حسام جزماتي: في ما سُمّي بمعركة «فتح إدلب» سنة 2015، برزت جماعة الأيغور، التي ينضوي معظمها في الحزب الإسلامي التركستاني، باعتبارها من أكثر الجماعات التي تقاتل كجماعة متجانسة إثنيًا. وتمكنت من السيطرة على مدينة جسر الشغور. ومن نتائج هذه المعركة تهجير بعض القرى العلوية نحو الساحل، ونزوح سكان قرى مسيحية.

سيطر الأيغور على هذه المنطقة، وتمكنوا من جلب عائلاتهم وتغيير التركيبة السكانية لهذه القرى بالكامل. فالمتجول فيها يرى أن غالبية سكانها هم من الأيغور، بنسائهم وأطفالهم وكل مستلزمات حياتهم المعيشية. وكانت عملية «الاستيطان» مبنية على عقيدة مفادها أن هذه القرى بمثابة «غنيمة» وحلال للمنتصرين.

فتكوّن في هذه المنطقة مجتمع أيغوري صغير، يضم منازل ومدارس ومتاجر ومطاعم. وحتى الفرقة 84 التي يقودها الأيغور، ومعظم جنودها منهم، بقيت في المنطقة.

وقام الأوزبك بشيء مشابه جزئيًا في ريف إدلب. فهناك قريتان شيعيتان، كفريا والفوعة، نزح سكانهما وهُجّروا في إطار اتفاق مع الحكومة السورية قبل سقوط دمشق، يقضي بإخلاء هاتين القريتين من سكانهما مقابل فك الحصار عن الزبداني ومضايا، والسماح للجرحى بمغادرة هاتين المنطقتين اللتين كان يحاصرهما النظام.

أما المهاجرون الفرنسيون، فيسكنون اليوم في منطقة حارم بريف إدلب، ويشكلون مجتمعًا صغيرًا، ويسمون أنفسهم فرقة «الغرباء». ويتكلمون الفرنسية، وغالبيتهم من الفرنسيين من أصول أفريقية. وعددهم عشرات من الذكور مع عائلاتهم. وهم من المستقلين غير التابعين لحكومة أحمد الشرع. واعتُقل زعيمهم عمر أومسن أكثر من مرة، ثم أُطلق سراحه.

ووقعت، منذ سنة، مواجهة مسلحة بينهم وبين الجيش السوري الجديد، وتدخل الأوزبك وسطاءً لإنهاء المناوشات. فبين الفرنسيين والأوزبك علاقة جيدة تدفع الأوزبك دائمًا إلى التدخل، لعدم الإضرار بالفرنسيين من قبل سلطة دمشق، وقبل ذلك في زمن هيئة تحرير الشام، التي كانت تتمركز في إدلب.

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115