Print this page

الاستثمار في تونس: لماذا يتردد رأس المال حين تصبح الفرصة مكلفة

في دائرة الاقتصاد وعالم المال والاعمال  لا يكفي

أن تكون هناك حاجة إلى الاستثمار حتى يأتي المستثمر ولا يكفي أن تملك الدولة موقعًا جغرافيًا مميزًا أو يدًا عاملة مؤهلة حتى تتحول الفرص إلى مصانع ومشاريع جديدة فرأس المال قبل أن يبحث عن الربح يبحث عن الوضوحونعني بذلك  وضوح القواعد وسرعة الإجراءات واستقرار البيئة التي سيعمل داخلها لسنوات. ومن هنا يطرح واقع الاستثمار في تونس سؤالًا يتجاوز حجم الأموال الوافدة لماذا لا تتحول كل فرص الاستثمار المتاحة إلى مشاريع جديدة ولماذا يفضل جزء من المستثمرين توسيع مشاريع قائمة بدل المغامرة بمشاريع جديدة؟

الأرقام الأخيرة تقدم صورة أكثر تعقيدًا من الانطباع السائد.

لقد بلغت الاستثمارات الدولية في تونس 2.5887 مليار دينار خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025، مسجلة ارتفاعًا بنسبة 28.1% مقارنة بالفترة نفسها من 2024. كما وفرت هذه الاستثمارات 11,554 موطن شغل جديد. لكن تفاصيل هذه الأرقام تكشف أن النمو لا يعني بالضرورة موجة واسعة من المشاريع الجديدة فالصناعة استحوذت على 63.6% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بينما شكلت الطاقة 19.5% والخدمات 14.4% والفلاحة 2.5%.

والأهم أن جزءًا معتبرًا من التدفقات لا يأتي من إنشاء مشاريع من الصفر بل من توسعة مشاريع موجودة أصلًا. ففي النصف الأول من 2025، مثلت مشاريع التوسعة 93% من عدد عمليات الاستثمار التي ساهمت في ارتفاع التدفقات مقابل 7% فقط لمشاريع الإحداث وفق بيانات وكالة النهوض بالاستثمار الخارجي هذا المعطى لا يعني أن الاستثمار الجديد غائب، لكنه يطرح سؤالًا اقتصاديًا مهمًا هل البيئة الحالية تدفع المستثمر الموجود إلى البقاء والتوسع أكثر مما تجذب مستثمرًا جديدًا لخوض التجربة من البداية؟

الإجابة لا يمكن اختزالها في عامل واحد فقرار الاستثمار يرتبط بكلفة التمويل وإمكانية الوصول إلى العقار الصناعي وتوفر البنية التحتية والقدرة على التصدير واستقرار التشريعات وسرعة الإدارة في معالجة الملفات وكلما طال الزمن بين قرار الاستثمار وانطلاق المشروع ارتفعت الكلفة والمخاطر.

في عالم تتنافس فيه الدول على المستثمر نفسه لا يقارن المستثمر فقط بين سعر اليد العاملة وإنما يقارن أيضًا بين الوقت الذي يحتاجه للحصول على التراخيص والوضوح الذي تحظى به القواعد وكلفة الطاقة والنقل والتمويل.

وتكشف بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن تكوين رأس المال الثابت الإجمالي وهو أحد المؤشرات المهمة على الاستثمار في الاقتصاد، ارتفع بالقيمة الجارية بنسبة 8.7% سنة 2025. وبالأسعار المقارنة ارتفع بنسبة 5.2%. غير أن هذا التحسن يأتي بعد سنوات من ضعف الاستثمار إذ كان المؤشر قد تراجع بشدة سنة 2020 ثم سجل زيادات محدودة خلال السنوات اللاحقة لذلك فإن ارتفاع الاستثمار في سنة واحدة لا يكفي وحده للحديث عن تحول هيكلي بل يجب النظر إلى اتجاه الاستثمار على مدى أطول وإلى نوعية المشاريع التي يتم تمويلها.

المشكلة الأخرى تكمن في التوزيع فالتدفقات الأجنبية لا تتوزع بالتساوي بين الجهات. خلال النصف الأول من 2025، استقطبت منطقة تونس الكبرى أكثر من 42% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بينما استحوذت منطقة الشمال الشرقي على أكثر من 35%. وهذا التركيز يطرح إشكال التنمية الجهوية من جديد: إذا ظل الاستثمار يبحث عن المناطق التي تتوفر فيها الخدمات والطرقات واليد العاملة والبنية الاقتصادية، فكيف يمكن خلق ديناميكية اقتصادية مستدامة في الجهات التي تعاني أصلًا من نقص هذه العناصر؟

لا تحتاج المؤسسة التونسية، وخاصة الصغرى والمتوسطة، فقط إلى فكرة جيدة وسوق، بل إلى قدرة فعلية على تمويل توسعها وتحمل كلفة الاستثمار قبل أن تبدأ عائداته في الظهور. وفي اقتصاد يواجه ضغوطًا مالية ونقدية، يصبح الوصول إلى التمويل عنصرًا حاسمًا في قرار التوسع. وهنا تتقاطع مشكلة الاستثمار مع مشكلة أوسع اذ كيف يمكن توفير التمويل للمؤسسات المنتجة دون زيادة هشاشة الاقتصاد أو الضغط على بقية مصادر التمويل؟

ورغم هذه الصعوبات فإن الصورة ليست صورة اقتصاد مغلق أمام الاستثمار. فالصناعة التحويلية تظل وجهة رئيسية لرأس المال الأجنبي خصوصًا في قطاعات الكهرباء والإلكترونيات والميكانيك والنسيج والصناعات الغذائية. كما سجلت الاستثمارات الصناعية التونسية المصرح بها خلال 2025 ارتفاعًا إلى 2.0478 مليار دينار مقابل 1.9243 مليار دينار سنة 2024، مع ارتفاع عدد المشاريع المصرح بها إلى 3,512 مشروعًا.

المفارقة إذن ليست في غياب الاستثمار بل في المسافة بين الإمكانات والنتائج.

تونس قادرة على جذب رؤوس أموال لكنها تحتاج إلى بيئة تجعل المستثمر الجديد قادرًا على اتخاذ القرار في آجال معقولة وتجعل المستثمر الموجود قادرًا على التوسع خارج المناطق والقطاعات التقليدية. فالاستثمار لا يقاس فقط بعدد الملايين التي تدخل البلاد وإنما بعدد المشاريع التي تُنجز فعليًا ونوعية الوظائف التي تخلقها والقيمة المضافة التي تنتجها وقدرتها على الاندماج في الاقتصاد المحلي

قد لا  يرتبط السؤال  الحقيقي بكيفية جذب مزيدًا من المستثمرين بل كيف يمكن ان تكون هذه  الاستثمارات أكثر سهولة وأكثر إنتاجية وأكثر انتشارًا بين الجهات والقطاعات فالأموال يمكن أن تدخل الاقتصاد ثم تغادره أما المؤسسة المنتجة وفرص العمل والقيمة المضافة فهي الأثر الذي يبقى.

وبين قدرة تونس على جذب الاستثمار وقدرتها على تحويله إلى نمو مستدام توجد مساحة كاملة من الإصلاحات المؤجلة والقرارات الصعبة وهذه المساحة هي التي ستحدد في السنوات القادمة ما إذا كانت أرقام الاستثمار ستبقى مجرد مؤشرات إيجابية أم ستتحول فعلًا إلى تغيير محسوس في الاقتصاد التونسي.

 

 

 

المشاركة في هذا المقال