بعد استهداف قاعدة الملك خالد.. هجمات الحوثيين تضع الرياض بين الردع والحرب الشاملة

تشهد المواجهة بين السعودية وجماعة الحوثي

في اليمن تصعيد خطيرا  مع انتقالها من الجبهات اليمنية إلى العمق السعودي، بالتزامن مع تغيرات ميدانية لافتة على الساحل الغربي اليمني ومحيط مضيق باب المندب. وفي أحدث حلقات التصعيد، أعلنت جماعة الحوثي أمس تنفيذ هجوم واسع على قاعدة الملك خالد الجوية في ''خميس مشيط''، باستخدام عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، متوعدة بمواصلة استهداف ما وصفته بـ"العمق السعودي''.

ويضع هذا التطوّر الرياض أمام معادلة شديدة التعقيد بشأن كيفية استعادة قدرة الردع واحتواء الهجمات الحوثية، من دون الدخول مجددا في حرب مفتوحة وطويلة في اليمن. إذ يرى مراقبون أن كل خيار عسكري يحمل معه احتمالات التصعيد، في حين أن الاكتفاء بالدفاع قد يُفسَّر من جانب الحوثيين باعتباره فرصة لتوسيع نطاق عملياتهم.

ويرى مراقبون أن السعودية لا تبدو راغبة في العودة إلى سيناريو الحرب الشاملة، خصوصا بعد سنوات من المواجهة العسكرية المكلفة في اليمن، لكن اتساع نطاق الهجمات واستهداف المنشآت الحيوية قد يضيّق تدريجيا هامش المناورة أمام صناع القرار في السعودية.

رسالة تتجاوز الأهداف العسكرية

ميدانيا أعلنت جماعة الحوثي، أمس الاثنين، أنها شنت هجوما واسعا على قاعدة الملك خالد الجوية في منطقة خميس مشيط جنوب غرب السعودية، وقالت إن العملية استخدمت "عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة".

وبحسب البيان الحوثي، فقد استهدفت الهجمات حظائر للطائرات الحربية ورادارات ومدرجات ومخازن ذخيرة ومنشآت عسكرية أخرى داخل القاعدة.ولم تقف الرسالة الحوثية عند حدود الإعلان عن العملية، إذ هدّدت الجماعة بتوسيع عملياتها باتجاه الأراضي السعودية، مؤكدة أن أي هجوم جديد ضدها سيقابل بعمليات "أوسع وأشد''.وتقول الجماعة إن التصعيد يأتي ردا على العمليات الجوية السعودية في اليمن، مدعية أن أكثر من 300 غارة نُفذت خلال خمسة أيام، وأن مقاتلات من طرازي "إف-15" و"تايفون" شاركت في تلك العمليات.

ويرى باحثون أن السعودية اليوم باتت أماما عدة خيارات، أولها تكثيف الضربات الجوية داخل اليمن، إذ قد ترى الرياض أن أفضل وسيلة لوقف الهجمات الحوثية هي ضرب القدرات التي تسمح للجماعة بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، بما في ذلك منصات الإطلاق ومخازن الأسلحة ومراكز القيادة والسيطرة.

ويمنح هذا الخيار السعودية قدرة على توجيه رسالة ردع من دون نشر قوات برية كبيرة، لكنه يحمل في المقابل احتمال دفع الحوثيين إلى توسيع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت الطاقة والمطارات والموانئ والمراكز الاقتصادية.

ويشير خبراء إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في عدد الصواريخ أو الطائرات المسيّرة التي يمتلكها الحوثيون، وإنما في قدرة الجماعة على إعادة بناء جزء من بنيتها العسكرية بعد كل موجة من الضربات.

أما الخيار الثاني فيتمثل في تعزيز الدفاعات الجوية وحماية المنشآت الحيوية، إذ قد تختار الرياض التركيز على تحصين الداخل السعودي بدلا من الدخول في حملة هجومية واسعة، عبر تعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وحماية منشآت النفط والمطارات والقواعد العسكرية وخطوط نقل الطاقة.ويكتسب هذا الخيار -وفق محللين- أهمية خاصة بعد تعرض مناطق سعودية لهجمات متكررة، إذ أعلنت السلطات السعودية إصابة شخصين إثر سقوط مقذوف في محافظة الطوال بمنطقة جازان.كما أعلنت الرياض في وقت سابق إصابة 73 مدنيا جراء هجمات حوثية استهدفت مواقع اقتصادية في أربع مدن سعودية، وقالت إن الهجمات تسببت في حرائق وتعطيل مؤقت لمنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة.

أما الخيار الثالث فيتمثل في فتح مسار تفاوضي مواز للتصعيد العسكري،وهذا ربما يكون الخيار الأكثر تعقيدا والأقل ظهورا في الخطاب العلني، لكنه قد يصبح أكثر أهمية إذا اتسعت دائرة المواجهة.فالسعودية تستطيع الجمع بين الضغط العسكري والاتصالات السياسية، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء إقليميين ودوليين، بهدف إعادة تثبيت خطوط التهدئة التي شهدها اليمن خلال السنوات الماضية.وبحسب المعطيات المنشورة، تمكن الحوثيون خلال الأيام الأخيرة من السيطرة على مناطق في الساحل الغربي وجزر في البحر الأحمر، بينها جزيرة ميون الواقعة في مضيق باب المندب، إلى جانب السيطرة على جزيرة بريم ومدينة وميناء المخا.

وتكمن أهمية هذه المناطق في موقعها الجغرافي، إذ يمثل باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.ويرى مراقبون أنّ أي محاولة لإحكام السيطرة على المناطق القريبة من المضيق لن تكون قضية يمنية داخلية فقط، بل قد تتحول إلى ملف إقليمي ودولي، نظراً لارتباطها بأمن الملاحة وحركة التجارة والطاقة.

ويؤكد محللون أن التحركات الحوثية على الساحل الغربي تحمل أهمية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، لأنها تمنح الجماعة، في حال تمكنت من تثبيت مواقعها، أوراق ضغط إضافية .

أمن صادرات الطاقة

هذا وأعلنت الرياض تعرض منشآت وخطوط مرتبطة بقطاع الطاقة لهجمات، كما جرى إيقاف خط أنابيب "شرق-غرب" احترازيا عقب استهدافات في منطقتي الرياض والمدينة المنورة.

ويمثل خط الأنابيب أهمية إستراتيجية للسعودية، لأنه يسمح بنقل النفط من المنطقة الشرقية باتجاه موانئ البحر الأحمر، وبالتالي تقليل الاعتماد على المرور عبر الخليج ومضيق هرمز.وتزداد أهمية هذا المسار في ظل اضطراب حركة الملاحة في المنطقة، إذ تشير المعطيات الواردة إلى أن السعودية زادت اعتمادها على خط "شرق-غرب" بعد إغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي فرض إعادة توجيه نحو خمسة ملايين برميل من النفط يومياً كانت متجهة في الأصل إلى ناقلات في المنطقة.

وهنا تحديدا تكمن إحدى أكبر نقاط الضعف في المعادلة السعودية،فكلما اتسع نطاق الحرب، ارتفعت مخاطر استهداف البنية التحتية للطاقة، وهو ما قد يحول النزاع من مواجهة عسكرية محدودة إلى أزمة اقتصادية وإقليمية أوسع.

فإلى جانب الهجمات المنسوبة إلى الحوثيين داخل السعودية، تتحدث الرياض عن استهداف منشآت اقتصادية، بينما تتواصل العمليات العسكرية في اليمن، في وقت تشير فيه المعطيات إلى نشاط جماعات موالية لإيران في العراق.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وجّه، وفق المعطيات المنشورة، أصابع الاتهام إلى طهران على خلفية هجوم بطائرات مسيّرة استهدف خط أنابيب سعودي، رغم عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم.ويفتح ذلك الباب أمام سيناريو أكثر خطورة، يتمثل في تحول الساحة اليمنية إلى جزء من مواجهة إقليمية أوسع بين إيران وخصومها، بدلا من بقائها نزاعا محصورا داخل الحدود اليمنية.ويشير خبراء إلى أن هذا السيناريو هو تحديدا ما تحاول الرياض تجنّبه، لأن اتساع دائرة المواجهة سيجعل احتواء الصراع أكثر صعوبة، وقد يفتح جبهات متعددة يصعب التحكم في مساراتها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115