لكن هذه المرة في سياق أكثر تعقيدا بالنسبة إلى تونس، فقد تجاوز سعر برميل النفط عتبة 100 دولار خلال سبتمبر الجاري، واقترب في ذروة الأسبوع المنقضي من 110 دولارات، مدفوعا بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتزايد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة وحركة النقل البحري في مضيقي هرمز وباب المندب.
ولا تمثل هذه القفزة مجرد ارتفاع ظرفي في سعر النفط بالنسبة إلى الاقتصاد التونسي، فالبلاد تدخل هذه المرحلة في وقت يتسع فيه العجز التجاري الطاقي، بينما قامت ميزانية 2026 على فرضية سعر مرجعي لخام برنت في حدود 63.3 دولارا للبرميل، وبذلك أصبح الفارق بين الفرضية التي بنيت عليها الميزانية والسوق العالمية كبير، فيما يزداد الضغط مع كل يوم تستقر فيه أسعار النفط عند مستويات تتجاوز 100 دولار.
العجز التجاري الطاقي يقترب من 9 مليار دينار
وفق أرقام المعهد الوطني للإحصاء، فقد بلغ العجز التجاري الطاقي خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 حوالي 8.93 مليار دينار مقابل 7.148 مليار دينار خلال الفترة نفسها من 2025، أي أن العجز الطاقي ارتفع بحوالي 1.78 مليار دينار في عام واحد، وأصبح تقريبا في حجم العجز التجاري غير الطاقي بأكمله، الذي بلغ 8.92 مليار دينار. ويعكس الارتفاع في سعر البرميل تصاعد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية خاصة مع استمرار التوترات العسكرية في المنطقة واضطراب حركة السفن في مضيق هرمز ومحيط باب المندب. وبالنسبة إلى تونس، يمثل هذا التطور ضغطا مباشرا على كلفة توريد الطاقة، فكل زيادة في سعر البرميل تعني ارتفاع قيمة الواردات النفطية وبالتالي زيادة الحاجة إلى العملة الأجنبية واتساع الضغط على الميزان التجاري.
امتصاص صدمة خارجية جديدة
تكشف الأرقام أن الاقتصاد الوطني يدخل مرحلة ارتفاع أسعار النفط من وضعية لا تسمح بهوامش واسعة لامتصاص صدمة خارجية جديدة، فارتفاع أسعار الطاقة يعني أن البلاد ستدفع أكثر مقابل واردات الطاقة نفسها، ولا يتوقف أثر ارتفاع النفط عند الميزان التجاري، إذ ينتقل مباشرة إلى المالية العمومية من خلال كلفة دعم المحروقات، فإذا ارتفعت كلفة توريد المنتجات النفطية وبقيت الأسعار المحلية دون تعديل يتناسب مع الزيادة العالمية، فإن الفارق تتحمله الدولة بدرجة أو بأخرى. وهنا تجد الحكومة نفسها أمام معادلة صعبة، الإبقاء على أسعار المحروقات منخفضة نسبيا يحمي القدرة الشرائية ويحد من انتقال الصدمة مباشرة إلى المستهلك، لكنه يرفع في المقابل كلفة الدعم ويضغط على ميزانية الدولة، أما تعديل الأسعار باتجاه الارتفاع فيخفف الضغط على المالية العمومية، لكنه ينقل جزءا أكبر من الصدمة إلى المواطنين والمؤسسات، وقد يؤدي إلى ارتفاع كلفة النقل والإنتاج والأسعار. وبالتالي، فإن ارتفاع النفط يضع المالية العمومية أمام مفاضلة واضحة بين كلفة الدعم وكلفة التضخم.
باب المندب.. المشكلة التي تتجاوز النفط
لكن التطورات الحالية تحمل بالنسبة إلى تونس خطرا إضافيا لا يرتبط بسعر النفط مباشرة، فاضطراب حركة النقل البحري في باب المندب والبحر الأحمر يعني أن السفن التي كانت تستخدم الطريق البحري الأقصر بين آسيا وأوروبا قد تضطر إلى تغيير مساراتها، وهذا التغيير يرفع مدة الرحلة واستهلاك الوقود وكلفة التشغيل والتأمين، وبالتالي فإن الأزمة يمكن أن تضيف إلى فاتورة التوريد تكلفة جديدة. وتطرح هذه التطورات سؤالا أساسيا حول مدى قدرة مشروع قانون المالية لسنة 2027 على استيعاب المتغيرات الجديدة، فإعداد الميزانية يقوم على مجموعة من الفرضيات من بينها سعر النفط والنمو والتضخم وسعر الصرف وحجم الواردات والصادرات، لكن هذه الفرضيات أصبحت اليوم أمام اختبار جديد بفعل التحولات السريعة في أسواق الطاقة والنقل البحري، وإذا كان مشروع قانون المالية سيحال إلى البرلمان في منتصف أكتوبر المقبل، فإن الوقت المتبقي لإعادة بناء الفرضيات الاقتصادية بشكل كامل يصبح محدودا، فتغيير فرضية سعر النفط لا يعني تغيير رقم واحد فقط بل يستوجب إعادة احتساب كلفة الطاقة والدعم وحجم العجز وحاجات التمويل، إضافة إلى اختبار انعكاسات ارتفاع أسعار النقل على الواردات والأسعار، ولهذا فإن السؤال المطروح ليس فقط ما إذا كانت الحكومة ستغير فرضية النفط، وإنما إلى أي مدى يمكنها إعادة ضبط الفرضيات قبل إحالة المشروع إلى البرلمان.
هل تكفي تعديلات محدودة؟
إذا اعتبرت الحكومة أن ارتفاع النفط الحالي مرتبط بتطورات ظرفية، فقد يكون من الممكن اعتماد فرضية وسطية وعدم بناء ميزانية 2027 على أعلى الأسعار المسجلة في سبتمبر الجاري لكن المعادلة تتغير إذا استمر النفط فوق 100 دولار لفترة طويلة، بالتوازي مع اضطراب النقل في باب المندب وهرمز. وفي هذه الحالة لن تكون المسألة مجرد تعديل طفيف في الفرضيات، لأن استمرار ارتفاع الطاقة والنقل سيؤثر في عدد كبير من المؤشرات الاقتصادية. ومن هنا تبرز أهمية إعداد الميزانية على أساس سيناريوهات متعددة، وليس على أساس سعر نفط واحد، فميزانية 2027 تحتاج إلى معرفة ما سيحدث إذا عاد النفط إلى مستويات أقل، وما سيحدث إذا استقر حول 90 أو 100 دولار، وما ستفعله الحكومة إذا استمرت اضطرابات النقل البحري وأصبحت كلفة الشحن المرتفعة وضعا دائما.
ارتفاع قيمة واردات الطاقة
بحسب ما أفادت به وكالة رويترز فإن هجمات جديدة على منشآت وناقلات في المنطقة، إلى جانب سيطرة الحوثيين على جزيرة بريم في باب المندب، رفعت المخاطر على إمدادات النفط وحركة الملاحة. كما أدى تضرر خط أنابيب سعودي بديل إلى تهديد إمكانية فقدان ما يعادل نحو 4% من الإمدادات النفطية العالمية إذا طال أمد التعطل. وبالنسبة إلى تونس، لا تتمثل المشكلة فقط في سعر برميل النفط بل في الكلفة النهائية للطاقة والسلع التي تستوردها وكيف ستتحمل الدولة والاقتصاد هذه الزيادة، فالارتفاع في أسعار النفط يؤدي إلى ارتفاع قيمة واردات الطاقة وزيادة الطلب على العملة الأجنبية واتساع العجز التجاري وزيادة الضغط على احتياطي النقد الأجنبي إضافة الى ارتفاع كلفة دعم المحروقات إذا لم تعدل الأسعار المحلية بما يتناسب مع ارتفاع كلفة التوريد وكذلك ارتفاع كلفة النقل والإنتاج بصورة غير مباشرة و انتقال جزء من الصدمة إلى التضخم.
تشير التطورات الحالية إلى أن سنة 2026 قد تتحول إلى سنة اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد على تحمل الصدمات الخارجية، فالعجز الطاقي يتسع وأسعار النفط تجاوزت الفرضية الأصلية للميزانية والتجارة العالمية تواجه مخاطر مرتبطة بالممرات البحرية، وبذلك فإنه لا يكفي النظر إلى تطور سعر المحروقات فقط بل إلى الكلفة الإجمالية للتزويد أي كلفة النفط والغاز والمنتجات النفطيةالى جانب كلفة نقلها وكلفة نقل بقية السلع والمواد الأولية وكلفة التأمين والحاجة إلى العملة الأجنبية لتمويل هذه الواردات.