أولوياتها الجيوسياسية، برزت تحركات الرئيس دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو في نصف الكرة الغربي باعتبارها مؤشرات على عودة قوية لمنطق توسيع النفوذ الأمريكي في محيط واشنطن المباشر.
فبينما أثار ترامب جدلا واسعا بنشر خريطة تُظهر كندا والمكسيك وغرينلاند، إلى جانب مناطق أخرى، ضمن ما وصفه بـ"الأراضي الأمريكية"، تحرك روبيو ميدانيا في أمريكا اللاتينية، في جولة شملت ثلاث دول هي كولومبيا، والإكوادور، وبيرو، حاملا أجندة سياسية وأمنية واقتصادية تعكس سعي واشنطن إلى تعزيز تحالفاتها وإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة.ونشر ترامب، مساء الاثنين، عبر حسابه على منصة "تروث سوشيال"، خريطة أظهرت إلى جانب الأراضي الأمريكية الحالية كندا والمكسيك وغرينلاند وكوبا ضمن المساحة المصورة باعتبارها "أراض أمريكية".
وجاءت الخطوة بعد نشره خريطة أخرى ظهر فيها شطب كلمة "مكسيكو" من اسم ولاية نيو مكسيكو الأمريكية واستبدالها بكلمة "أمريكا"، في رسائل سياسية أثارت تساؤلات بشأن حدود الخطاب التوسعي الذي تتبناه الإدارة الأمريكية الجديدة.
ويرى محللون أن استخدام الخرائط والرموز الجغرافية في خطاب ترامب لا يمكن فصله عن رؤيته الأوسع لموقع الولايات المتحدة في العالم، خصوصا أن الرئيس الأمريكي جعل من تعزيز نفوذ بلاده في محيط بلاده إحدى القضايا البارزة في أجندته السياسية.
ويؤكد خبراء أن قضية غرينلاند، والضغط على كندا والمكسيك، لا تمثل ملفات منفصلة، بل تندرج ضمن تصور أمريكي أوسع يتعلق بالأمن القومي والسيطرة على طرق التجارة والطاقة والموارد الاستراتيجية، في منطقة تتزايد فيها المنافسة الدولية.
ردود الدول
في المقابل، سارعت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم إلى الرد على منشور ترامب، مؤكدة عبر منصة "إكس" أن بلادها دولة "حرة ومستقلة وذات سيادة".وشددت شينباوم على أن المكسيك "ليست ولن تكون تحت وصاية أي دولة أجنبية"، في رسالة تعكس حساسية مكسيكو سيتي تجاه أي خطاب قد يُفهم منه المساس بسيادتها أو استقلال قرارها السياسي.
ويرى مراقبون أن التصريحات المكسيكية تكشف حجم التوتر الكامن خلف العلاقة بين البلدين، رغم المصالح الاقتصادية والأمنية الكبيرة التي تجمعهما، خاصة في ملفات التجارة والهجرة ومكافحة تهريب المخدرات.
روبيو يتحرّك في أمريكا اللاتينية
وفي موازاة الرسائل التي يوجهها ترامب، بدأت واشنطن تحركا دبلوماسيا أكثر مباشرة في أمريكا اللاتينية، مع جولة وزير الخارجية ماركو روبيو التي شملت ثلاث دول في المنطقة، والتقى خلالها زعماء محافظين متحالفين مع الولايات المتحدة.
وتأتي الجولة في ظلّ تكثيف الإدارة الأمريكية عملياتها لمواجهة تهريب المخدرات، إلى جانب سعيها لتعزيز حضورها في ملفات الطاقة والهجرة والأمن، وهي ملفات تحاول واشنطن من خلالها إعادة بناء نفوذها في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية تنامي علاقات عدد من دولها مع قوى دولية منافسة للولايات المتحدة.وبعد أسبوع من إبرام صفقة نفط ضخمة مع قادة فنزويلا، وصل روبيو إلى كولومبيا، حيث التقى الرئيس أبيلاردو دي لا إسبرييلا، الذي أبدى دعما لعدد من سياسات ترامب المتعلقة بالمخدرات والهجرة والطاقة.
وخلال زيارة روبيو إلى مدينة بارانكيا الكاريبية، وقع البلدان اتفاقية للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، إلى جانب اتفاقية بشأن المعادن الحيوية، في خطوة تحمل أبعادا تتجاوز التعاون الاقتصادي التقليدي.ويؤكد خبراء أن المعادن الحيوية والطاقة باتتا في قلب المنافسة الجيوسياسية العالمية، خصوصا في ظل حاجة الولايات المتحدة إلى تأمين سلاسل توريد مستقرة للموارد التي تدخل في الصناعات المتقدمة والتكنولوجيات الحديثة.
شراكة أمنية ؟
وخلال الجولة، برز ملف مكافحة المخدرات باعتباره أحد المحاور الرئيسية في أجندة واشنطن الجديدة بأمريكا اللاتينية.وقال روبيو، قبل مغادرته إلى أمريكا الجنوبية، إن لدى الولايات المتحدة "الكثير من المصالح المشتركة" مع دول المنطقة، مشيرا إلى التعاون في مواجهة "الإرهاب الإجرامي العابر للحدود" وتعزيز التعاون الاقتصادي.
وأضاف أن ذلك يأتي في إطار اتجاه، على حد تعبيره، نحو "التقارب مع الولايات المتحدة والمصالح الأميركية" في نصف الكرة الغربي.وفي المقابل، وصف دي لا إسبرييلا العلاقة مع واشنطن بأنها "شراكة إستراتيجية طويلة الأمد"، مؤكدا أهمية مكافحة تهريب المخدرات، ومتعهدًا باستهداف مختبرات تصنيع المخدرات والقبض على كبار زعماء عصاباتها.وقال الرئيس الكولومبي إن بلاده تريد أن تصبح "أول شريك أمني للولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي".
عودة "عقيدة مونرو"؟
ويرى محللون أن التحركات الأمريكية الأخيرة تعيد إلى الواجهة نقاشا قديما حول "عقيدة مونرو"، الذي شكّل منذ القرن التاسع عشر إحدى الركائز الأساسية للتصور الأمريكي بشأن نصف الكرة الغربي.
وبينما كانت واشنطن تاريخيا تنظر إلى أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي باعتبارهما مجالا حيويا لأمنها القومي، فإن صعود قوى دولية جديدة، وعلى رأسها الصين، وتزايد العلاقات الاقتصادية والإستراتيجية بين بكين ودول المنطقة، دفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في أدوات حضورها.
ويؤكد خبراء أن المنافسة لم تعد عسكرية أو أيديولوجية فقط، بل أصبحت مرتبطة بالاستثمارات والبنية التحتية والطاقة والمعادن الحيوية والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.ومن هذا المنظور، تبدو تحركات روبيو في أمريكا اللاتينية مكملة للخطاب السياسي الذي يتبناه ترامب، إذ تتحرك واشنطن على مسارين متوازيين: الأول يقوم على تشديد الخطاب بشأن حماية المجال الجغرافي الأمريكي، والثاني يعتمد على بناء شبكة من الشراكات الأمنية والاقتصادية مع حكومات ترى فيها واشنطن حلفاء موثوقين.
ويرى مراقبون أن التحدي أمام إدارة ترامب يتمثل في ترجمة هذا الطموح إلى نفوذ مستدام من دون تحويل سياسة "أمريكا أولا" إلى مصدر توتر مع دول الجوار، خصوصا المكسيك وكندا، أو دفع دول أمريكا اللاتينية إلى البحث عن بدائل إستراتيجية خارج المدار الأمريكي.
وبذلك، يرى مراقبون أن خريطة ترامب المثيرة للجدل وجولة روبيو في المنطقة تبدوان، رغم اختلاف أدواتهما، جزءا من مسار واحد وهو إعادة تثبيت الولايات المتحدة لموقعها كالقوة الرئيسية في نصف الكرة الغربي، في وقت تتحول فيه المنطقة إلى ساحة جديدة للتنافس على الطاقة والأمن والموارد والنفوذ الدولي.
مخرجات الجولة
هذا وتعهد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمس الأول الثلاثاء خلال زيارة لكولومبيا إعادة بناء العلاقات مع بوغوتا مشيرا إلى أن البلدين الحليفين تباعدا في ظل الحكومة اليسارية السابقة.
ووصل روبيو إلى كولومبيا، أولى محطات جولته في أمريكا اللاتينية الرامية إلى دعم القادة المؤيدين للولايات المتحدة وترسيخ نفوذ واشنطن في القارة.وقال في انتقاد لاذع لإدارة الرئيس السابق اليساري غوستافو بيترو، إن حكومة الرئيس الجديد أبيلاردو دي لا إسبرييا ورثت "سلسلة من الكوارث"وتواجه "أخطاء السنوات الأربع الماضية”.وتحدث روبيو في مدينة بارانكيا، المعقل السياسي الجديد للرئيس الكولومبي، عقب محادثات أجراها مع دي لا إسبرييا وتوقيع اتفاقات بشأن سلاسل توريد المعادن الحيوية والتعاون النووي المدني.
وأشار إلى أنّ الولايات المتحدة وكولومبيا تملكان فرصة ليس فقط لاستعادة "علاقاتهما الطبيعية"، بل أيضا لدخول مرحلة جديدة من التعاون تكون "أقوى حتى" مما كانت عليه من قبل.من جهته، صرح الرئيس الكولومبي بأن البلدين يستأنفان شراكة تاريخية كانت قد "توقفت لمدة أربع سنوات"، وبأن بوغوتا تهدف إلى أن تصبح الشريك الأمني الرئيسي لواشنطن في أمريكا الجنوبية.
وتأتي جولة روبيو في كولومبيا والإكوادور والبيرو والممتدة من الثلاثاء إلى الخميس، عقب سلسلة انتصارات انتخابية لليمين في أنحاء أمريكا اللاتينية أوصلت إلى السلطة قادة يحظون بتأييد الرئيس دونالد ترامب.
وقال روبيو في ميامي قبيل توجّهه إلى كولومبيا "أعتقد أنّ ثمة توجها في نصف الكرة الغربي نحو الاصطفاف مع الولايات المتحدة ومصالحها".
وفاز دي لا إسبرييا على مرشح يساري في الجولة الثانية من الانتخابات التي جرت في جوان، وتعهّد إنهاء محادثات السلام مع الجماعات المسلحة الناشطة في تهريب المخدرات والتصدي للجريمة.وكثفت كولومبيا مُذاك غاراتها الجوية وأذنت بتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة، كما انضمت إلى "درع الأمريكتين".وقال روبيو إن أحد أهداف الرحلة يتمثّل في "مكافحة الجماعات الإجرامية والإرهابية العابرة للحدود في المنطقة، وتعزيز العلاقات الاقتصادية"، مضيفا "نأمل في التوصل إلى اتفاقات تجارية جيدة ومتينة".
وقال وزير الخارجية الكولومبي عمر بولا إن زيارة روبيو ستساهم في "إعادة بناء تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة"، بعد تراجع العلاقات بين البلدين في عهد بيترو.وسيبحث روبيو في بارانكيا أيضا دعم الولايات المتحدة لإعادة الإعمار بعد الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد الشهر الماضي، وأسفر عن مقتل أكثر من 330 شخصا وتشريد الآلاف، وفق المتحدث باسم وزارة الخارجية تومي بيغوت.ودمّر الزلزال مدارس ومستشفيات وعشرات المباني السكنية في عدد من البلدات والمدن.وطلب دي لا إسبرييا مساعدة الولايات المتحدة، ولا سيما تعليق الرسوم الجمركية لدعم إعادة الإعمار.
منذ عودة ترامب إلى سدّة الرئاسة الأمريكية في جانفي 2025، شهدت دول في أمريكا اللاتينية، من بينها الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي وكولومبيا وكوستاريكا والإكوادور وهندوراس، تحوّلا متزايدا نحو التيار المحافظ.وأعلنت واشنطن بوضوح اعتزامها فرض الهيمنة الأمريكية في أمريكا الجنوبية بموجب ما يُسمى "عقيدة دونرو"، وهي صيغة حدّث بها ترامب العقيدة العائدة إلى القرن التاسع عشر، والتي دعت القوى الاستعمارية الأوروبية إلى عدم التدخل في نصف الكرة الغربي.وتأتي جولة روبيو في أمريكا اللاتينية بعد أيام فقط من إبرام واشنطن اتفاقا مثيرا للجدل مع فنزويلا يمنح الولايات المتحدة السيطرة على نحو خُمس احتياطاتها النفطية الهائلة.بعد كولومبيا، سيتوجّه روبيو إلى الإكوادور حيث سيلتقي الرئيس دانيال نوبوا.