الشعب الفلسطيني وعضو مجلس أمناء المعهد الكندي لدراسات الشرق الـوسط أن في غزة يجري تدمير الإنسان والمأوى والبنية الاجتماعية وتجويع السكان وتهجيرهم، وفي القدس يجري استهداف الهوية والمقدسات والمؤسسات الفلسطينية، وفي الضفة يجري الاستيطان ومصادرة الأرض والتهجير والضم.
وأضاف أنّ ''الفلسطينيين اليوم لا يتعاملون مع ثلاث سياسات منفصلة، وإنما مع مشروع واحد لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني ، غزة لإعادة تشكيل الجغرافيا، والقدس لإعادة تشكيل الهوية، والضفة لإعادة تشكيل الأرض والسيادة.وهذا هو الخطر الاستراتيجي الحقيقي، أن تتحول نتائج العدوان إلى وقائع دائمة تجعل قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أكثر صعوبة، إن لم يكن مستحيلا''.
أولا لو تقدمون لنا قراء في التصعيد الذي تعيشه الضفة المحتلة من إرهاب المستوطنين واعتداءاتهم المتزايدة ؟
أعتقد أنّ ما يجري في الضفة الغربيّة المحتلّة لم يعد مجرّد ارتفاع في وتيرة إرهاب و اعتداءات المستوطنين، فنحن أمام مسار استعماري متكامل تتداخل فيه الحكومة والجيش والمستوطنون، ويُستخدم فيه العنف والاستيطان والهدم والاعتقال والتهجير كأدوات لإعادة هندسة الأرض والسكان تمهيداً للضم الفعلي للضفة الغربية.والأخطر أن إرهاب المستوطنين انتقل من اعتداءات متفرقة إلى أداة ضغط ممنهجة على الفلسطينيين لجعل حياتهم غير قابلة للاستمرار في مناطقهم. إحراق المنازل والمركبات، الاعتداء على السكان والمزارعين، اقتلاع الأشجار، سرقة المواشي، مصادرة الأراضي، إقامة البؤر الاستيطانية، إغلاق الطرق، وفرض الحصار على بعض التجمعاتّ، كلها أدوات تصنع بيئة قسرية تدفع الفلسطيني إلى الرحيل دون الحاجة إلى إصدار قرار رسمي بالتهجير.وهنا تكمن خطورة المشهد: التهجير لا يبدأ عندما يُجبر الفلسطيني على ركوب الحافلة ومغادرة أرضه بل يبدأ عندما يصبح بقاؤه في أرضه مستحيلا.
كما أن المستوطن لم يعد فاعلا منفصلا عن منظومة الاحتلال، فحين تتزامن اعتداءات المستوطنين مع وجود قوات الاحتلال، أو تجري في ظلّ عدم توفير الحماية للفلسطينيين، وبالتوازي مع مصادرة الأراضي والهدم وتوسيع المستوطنات والقرارات الحكومية الداعمة للاستيطان، فإننا أمام منظومة واحدة تتكامل فيها الأدوار الرسمية وغير الرسمية. ولذلك فإن المسؤولية لا ينبغي أن تتوقف عند منفذ الاعتداء، وإنما تمتد إلى المحرّض والممول والمسلّح والحامي وصاحب القرار.
والأخطر أنّ هناك تحوّلا في جغرافيا الاستهداف، فلم تعد الاعتداءات محصورة في أطراف المستوطنات أو المناطق المعزولة، وإنما تقترب بصورة متزايدة من التجمعات الفلسطينية ومراكزها السكانية. وهذا يعني أن الهدف ليس فقط الاستيلاء على قطعة أرض هنا أو بؤرة هناك، وإنما تفكيك المجال الجغرافي الفلسطيني وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى جزر سكانية محاصرة داخل فضاء استيطاني إسرائيلي متصل.وما جرى ويجري في بلدات وقرى مثل قصرة وبيتا وبرقة والطيبة وكفر لاقف وغيرها يقدم نماذج مقلقة على هذه السياسة، خصوصاً عندما يصل الأمر إلى محاصرة عائلات، وقطع المياه والكهرباء، ومنع وصول الإسعاف أو الاعتداء على السكان وممتلكاتهم. عند هذه النقطة لا يعود الأمر مجرد "اعتداء أمني"، وإنما يتحول إلى إكراه للسكان ووسيلة لدفعهم إلى النزوح.
هناك مخاوف من إعلان الضمّ الكامل ، الضم لا يحتاج إلى إعلان وهنا أعتقد أنّ المجتمع الدولي يرتكب خطأً استراتيجياً إذا انتظر إعلاناً إسرائيليا رسميا بضم الضفة حتى يتحرّك.الضم يبدأ على الأرض قبل أن يصدر في قرار.عندما تُصادر الأرض، وتتوسّع المستوطنات، وتُشق الطرق لخدمتها، وتُقام البؤر، ويُمنع الفلسطيني من الوصول إلى أرضه، وتُهدم منازله، ويُهجّر السكان، وتصبح "إسرائيل" صاحبة السيطرة الفعلية على الأرض والموارد والحركة، فإننا أمام ضم بحكم الأمر الواقع.وبالتالي يمكن اختصار المسار الحالي في معادلة شديدة الوضوح:استيطان + إرهاب مستوطنين + هدم ومصادرة + قيود حركة + تهجير + إضعاف الوجود والمؤسسات الفلسطينية = ضم فعلي للضفة.
ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل ستضم إسرائيل الضفة؟بل أصبح: كم من الضفة سيبقى خارج مشروع الضم إذا استمر المجتمع الدولي في الاكتفاء بالإدانة؟.. لا يمكن فصل الضفة عن غزة والقدس... وفي تقديري، لا يجوز قراءة ما يحدث في الضفة بمعزل عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في غزة يجري تدمير الإنسان والمأوى والبنية الاجتماعية وتجويع السكان وتهجيرهم، وفي القدس يجري استهداف الهوية والمقدسات والمؤسسات الفلسطينية، وفي الضفة يجري الاستيطان ومصادرة الأرض والتهجير والضم.وبالتالي فنحن لا نتعامل مع ثلاث سياسات منفصلة، وإنما مع مشروع واحد لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني: غزة لإعادة تشكيل الجغرافيا، والقدس لإعادة تشكيل الهوية، والضفة لإعادة تشكيل الأرض والسيادة.وهذا هو الخطر الاستراتيجي الحقيقي، أن تتحول نتائج العدوان إلى وقائع دائمة تجعل قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أكثر صعوبة، إن لم يكن مستحيلا.
ماذا تحتاج الضفة اليوم لوقف هذا التصعيد والإرهاب الاستيطاني الصهيوني؟
إن الاكتفاء بإدانة كل اعتداء بعد وقوعه لم يعد كافيا. المطلوب هو تغيير كلفة الجريمة، من خلال حماية دولية فعلية للفلسطينيين في المناطق الأكثر تعرضاً للاعتداء، وآليات دولية دائمة للرصد والتوثيق، ومحاسبة المستوطنين والجهات التي تحرضهم وتموّلهم وتحميهم، ووقف الاستيطان ومصادرة الأراضي والهدم والتهجير، وتفعيل آليات المساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية التي تتيح ولايتها القضائية ملاحقة الجرائم الدولية.
كما أن المطلوب فلسطينيا هو إنهاء الانقسام وبناء إستراتيجية وطنية موحدة لحماية الأرض والسكان وتعزيز صمودهم، لأن الاحتلال يستفيد من الانقسام بقدر استفادته من تفوقه العسكري.الضفة الغربية اليوم ليست أمام مجرد تصعيد عسكري وامني من الاحتلال الإسرائيلي، وإنما أمام معركة على الأرض والوجود والمستقبل السياسي للقضية الفلسطينية.إرهاب المستوطنين ليس ظاهرة هامشية، بل أصبح في جانب مهم منه أداة من أدوات المشروع الاستيطاني والضم والتهجير. وإذا استمر الإفلات من العقاب، فإن المستوطن لن يبقى مجرد معتدٍ، بل سيصبح أداة تنفيذ لسياسة رسمية تغير الخريطة والسكان على الأرض.ولهذا فإن حماية الفلسطينيين في الضفة ليست مسألة إنسانية فقط، وإنما دفاع عن حق الشعب الفلسطيني في البقاء على أرضه، وعن حقه في تقرير مصيره، وعن إمكانية قيام الدولة الفلسطينية نفسها.
وأعتقد أن الرسالة التي يجب أن تصل إلى المجتمع الدولي واضحة: لا تنتظروا إعلان الضم الاستعماري؛ فالضم يجري الآن، بيتا بعد بيت، وأرضاً بعد أرض، وتجمعاً بعد تجمع، وبالقدر نفسه الذي يُسمح فيه لإرهاب المستوطنين بالاستمرار دون ردع.
كيف ترون المشهد المقبل في وقت ينشغل فيه العالم بالحرب الإيرانية الأمريكية، هل ستهمش الضفة والانتهاكات الخطيرة فيها بسبب ذلك؟
نعم، وأرى أن انشغال العالم بالحرب الأمريكية–الإيرانية قد يهمّش الضفة الغربية إعلاميا وسياسيا، لكنه قد يجعلها ميدانيا أكثر خطورة. فكلما انشغلت القوى الدولية بالصراع الإقليمي، اتسعت مساحة الحركة أمام الاحتلال والمستوطنين لتغيير الوقائع على الأرض بعيداً عن الرقابة والضغط الدولي.
المشهد في الضفة لم يعد مجرد ارتفاع في اعتداءات المستوطنين، بل يتجه إلى ترسيخ منظومة متكاملة من القتل والاستيطان والهدم والمصادرة والتهجير والاقتحامات والحواجز والإرهاب المنظم، تتداخل فيها أدوار المستوطنين مع الجيش والحكومة الإسرائيلية. ولذلك فإن وصف ما يجري بأنه «عنف مستوطنين» فقط يُخفي جوهر المشكلة؛ نحن أمام استخدام للعنف الاستيطاني كأداة لفرض الضم بحكم الأمر الواقع.
والأخطر أن هذا التصعيد يجري بالتزامن مع توجّهات إسرائيلية معلنة لتوسيع الاستيطان وتقويض الوجود السياسي الفلسطيني. فالهدف ليس فقط السيطرة على أراض محددة، وإنما خلق بيئة طاردة للفلسطينيين: تُصادر الأرض، وتُحرق المنازل والممتلكات، وتُقطع الطرق والمياه، وتُقيد الحركة، ويُعتدى على المزارعين والرعاة، ثم يصبح بقاء الفلسطيني في أرضه أكثر كلفة وصعوبة من مغادرتها. وهنا يتحول عنف المستوطنين من جريمة منفردة إلى أداة للتهجير والضم.لذلك فإنني أخشى من أن تكون الضفة أمام "ضم صامت زاحف " يجري بعيداً عن الضجيج السياسي للحرب الأمريكية–الإيرانية. فالضم لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان رسمي؛ يمكن أن يتحقق تدريجياً عبر المستوطنات والبؤر الاستيطانية ومصادرة الأراضي والطرق الالتفافية والقيود الأمنية وتهجير التجمعات، إلى أن تصبح الوقائع الجديدة حدوداً فعلية يصعب تغييرها.
ومن هنا يمكن فهم المفارقة: في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالحرب الأمريكية–الإيرانية، قد تتغير الخريطة على الأرض الفلسطينية. وهذا في تقديري هو الخطر الأكبر في المرحلة المقبلة.أما السيناريوهات المحتملة، فأراها ثلاثة: تصعيد صامت ومتدرج، وهو الأكثر ترجيحا وخطورة لأنه يسمح بتغيير الخريطة دون انفجار شامل؛ أو انفجار شعبي وأمني واسع إذا استمر القتل والتهجير والإرهاب الاستيطاني أو، وهو المسار الذي يجب العمل من أجله، تحويل القضية الفلسطينية إلى أولوية سياسية ودولية موازية للحرب الإقليمية، بحيث لا تصبح غزة ، والضفة والقدس ضحية ثانية للانشغال بالحرب الأمريكية–الإيرانية.
وهنا تقع مسؤولية فلسطينية وعربية ودولية عاجلة. يجب ألا نسمح بأن يُقدَّم ما يحدث باعتباره ''حوادث أمنية'' متفرقة، بل يجب وضعه في إطاره الصحيح: مشروع استيطان وضم وتهجير ممنهج. وهذا يتطلب حماية دولية فعلية للسكان، وآليات دولية للرصد والتوثيق، ومحاسبة المستوطنين ومن يمولهم ويحرضهم ويحميهم، وتفعيل المساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية المختصة، والضغط السياسي والاقتصادي لوقف الاستيطان.
- "تصعيد جرائم الضمّ سياسة إسرائيلية مٌمنهجة لتصفية الحقوق الفلسطينية"
- "الضفة أمام معركة على الأرض والوجود والمستقبل السياسي للقضية الفلسطينية"