Print this page

سيدة الأرز ماجدة الرومي على ركح قرطاج ليلة عانق فيها شغف الإبداع سماء الفن المجيد

 

على ركح عانق التاريخ وفي لقاء استثنائي

فينيقي قرطاجي، توقفت الأنفاس ووقفت النجوم في لحظة تأمل وخشوع أمام صوت يلامس القلب ويحلق بعيدا على أجنحة الحلم ....إنها الماجدة التي حملت جمهور قرطاج معها الى أقاصي الفرح ...حملتهم الى بلد الأحلام ...الى أقمار البدايات السعيدة ...وعلى موج الموسيقى النبيلة والشعر الذي يعانق القلب والوجدان... انطلقت سهرة العمر لتختتم الدورة الستين لمهرجان قرطاج .

حلت ماجدة الرومي سفيرة الأرز والنوايا الحسنة، لتنسج بصوتها الساحر حكاية حلم تحول إلى حقيقة نابضة بالحياة. لم يكن حفلا عاديا، بل كان عرسا روحيا كما وصفته "الماجدة" بنفسها، عرس التقت فيه قلوب القرطاجيين بملاذ الطهر والصفاء. عرفت كيف تتسلل إلى أعماق القلوب، وتروي عطش أرواح تلهث خلف دفء السلام وبراءة البدايات، وكأنها تقودهم إلى رياض الجنة بأجنحة من نغم. وقفت بشموخها المعهود، تتهلل بابتسامة تفيض أملا، لتخبر جمهورها التونسي العاشق: "نحن اليوم في عرس، وفي العرس نغني جميعا".

صوت يلامس الروح 

تلك الطفلة التي ترعرعت في كفرشيما في كنف عائلة موسيقية شامخة، ونشأت تحت ظل والدها العظيم حليم الرومي  الموسيقار اللبناني الذي  اكتشف الفنانة الكبيرة فيروز في أواخر الأربعينيات حين تقدمت لامتحان القبول في الإذاعة اللبنانية. 

 واجهت ماجدة الرومي طريق الفن بشرط العلم والأدب، فنالت شهادة الأستاذية في الأدب العربي من الجامعة اللبنانية لتلتحق بعدها بعالم الإبداع من أوسع أبوابه. راكمت النجاحات عبر عقود، متألقة على أعرق مسارح العالم من الأولمبيا في باريس إلى رويال ألبرت في لندن، ومرورا بتجربتها الخالدة في السينما مع يوسف شاهين بفيلم "عودة الابن الضال".

وعلى مسرح قرطاج الذي شهد انطلاقتها الفعلية عام 1980، عاودت روي عطش محبيها بباقات من أروع ما غنت، فأطربت الأسماع برائعتها الخالدة "كلمات"، وأخذت القلوب في رحلة حنين دافئة مع أغنيات "عم يسألوني عليك الناس" و"ما حدا بيعبي مطرحك بقلبي" " وكن صديقي" و" عيناك ليال صيفية"، لتصدح ألحانها كترانيم عشق لا تُنسى. ولم تكتف بتاريخها اللبناني العريق، بل اختارت أن ترد الجميل لبلد المجد والحضارة "تونس" عبر تحية تونسية خاصة، فغنت بوفاء محب "لاموني اللي غاروا مني" وعدد من الأغنيات التونسية التي تفاعل معها الجمهور بحرارة بالغة، مؤكدة أن عمق العلاقة بينها وبين قرطاج متجذر لأكثر من أربعة أجيال من الحب المتبادل.

رحلة إنسانية وفنية

مسيرة ماجدة الرومي هي ملحمة إنسانية متكاملة في عالم الفن الأصيل والابداع ... فهي سفيرة النوايا الحسنة للأمم المتحدة وسفيرة منظمة الفاو،  سخرت صوتها ومكانتها لخدمة القضايا الانسانية ودعم ضحايا الحروب في شتى بقاع الأرض.. حملت وجع وطنها في حنجرة ترفض الانكسار، لتثبت أن الفن الحقيقي هو التزام أخلاقي وإنساني يدافع عن الحق والجمال. وبصوتها الذي يمزج بين رهافة الشجن وهيبة الوقار، واصلت "الماجدة" كتابة مجدها  في الذاكرة الإنسانية والعربية، لتظل قنديلا يضيء العتمة ويوحد القلوب في حرم الجمال . 

لبنان الصامد في قلب قرطاج

ولم تنسَ ابنة الأرز وهي تحلق في سماء الإبداع نبض وطنها المكلوم، فمن تونس الخضراء، أرسلت تحية فخر واعتزاز  إلى لبنان الصامد، لبنان الذي يعانق الحياة رغم الآلة الجهنمية للحرب. بصوتها الأسطوري وشجنها الدافئ، روت للجميع كيف يتعلم اللبنانيون الفرح من قلب الرماد، وكيف يواصلون السير نحو الحياة بكل شغف وعنفوان رغم لوعة الموت والدمار، لتبدو وكأنها ترسم بجناحي صوتها جسرا متينا من المحبة  يمتد من بيروت إلى قرطاج.

هي ليلة من ليالي الحلم، أثبتت فيها ماجدة الرومي مرة أخرى أنها ليست مجرد صوت استثنائي، بل هي عالم فني قائم الذات وتجربة وجودية وان كل أغنية لها هي صلاة في محراب الفن الأصيل الملتزم المبدع  وقنديل يضيء عتمة الطرقات، وان صوتها وكلماتها العذبة هي المفتاح السري الذي يفتح أبواب تونس الزرقاء.

بلد المبدعين 

وإلى جانب الأيقونة ماجدة الرومي ، أنجب بلد الأرز كوكبة من الفنانين والمبدعين في مختلف الميادين والذين حملوا دماء الأرز بكل شجونه وبكل آلامه وبكل جماله كذلك في ابداعهم وفنهم واقلامهم.  حملوا رسالة الفن  والابداع اللبناني، وهويته، وأوجاعه إلى العالم، وأبرزهم فيروز الأسطورة الحية التي شكلت صوت لبنان الأبدي ورمز وحدته، ونقلت التراث اللبناني والقصيدة العربية إلى العالمية بأسلوب فريد لا يُباهى. ووديع الصافي  عملاق الأغنية اللبنانية وصاحب الصوت الجبلي القوي الذي أطرب العالم بمواويله، وحمل راية التراث والعروبة في أصقاع الأرض. وصباح الشحرورة التي نشرت الفرح والبهجة والأغنية اللبنانية الخفيفة في كل المسارح العربية والعالمية بحضورها الطاغي وطاقتها الإيجابية التي لا تنضب. والموسيقار ملحم بركات الصوت القوي المجدد في لحنا وأداء، والذي بصم الأغنية اللبنانية بفرادة لحنية هائلة ووطنية صادقة.

وزكي نصيف وهو أحد أساطير الفن اللبناني الذين مزجوا الفولكلور بالموسيقى الأكاديمية وصنعوا هوية صوتية خالصة للبنان.

 عاصي ومنصور الرحباني (الأخوين رحباني ورغم أنهما مؤسسا مدرسة فنية متكاملة، إلا أن أعمالهما الصوتية والمسرحية كانت الجسر الأكبر الذي عبر به لبنان إلى وجدان العالم.

ولم يكن لبنان صانعا للأصوات الخالدة، بل كان أيضا منارة للفكر والأدب والثقافة، ومنه انطلق عمالقة استطاعوا أن يطوفوا بآدابهم وفلسفاتهم حول العالم، تاركين إرثا عالميا خالدا. ومن أبرز هؤلاء المبدعين جبران خليل جبران أمير الأدب المهجري وأحد أشهر الفلاسفة والرسامين والشعراء في العالم. وميخائيل نعيمة  المفكر والناقد والشاعر والأديب الكبير، وأحد أعمدة الرابطة القلمية في المهجر مع جبران. أعماله الفكرية حملت فهما عميقا للروح والإنسان وتجاوزت حدود الجغرافيا. والشعراء انسي الحاج وإلياس أبو شبكة وسعيد عقل وهم قامات شعرية وأدبية كبرى أسهمت في تجديد الفكر واللغة والقصيدة العربية، وترك سعيد عقل خصوصا بصمة لا تُنسى في الشعر اللبناني والعالمي برؤيته الفلسفية والجمالية.

هؤلاء المفكرون والأدباء، إلى جانب أصوات لبنان الخالدة، صنعوا الهوية الحضارية للبنان، ليبقى وطنا للكلمة الحرة، والنغم الأصيل، والفكر الذي لا تموت روحه مهما اشتدت المحن ومهما عظمت التحديات ومهما عانى من عواصف الاحتلال . واول أمس في ليلة الأساطير.... غنت ماجدة الرومي للبنان المبدع ..لبنان الأصيل ..لبنان الذي يقاوم ظلام المحتل وقبح الدمار ..غنت لكل حضارة فينيقيا وقرطاج ولكل أمجاد الكلمة وأبدعت ليتوقف الزمن على امتداد ساعتين متأملا روعة الوجود في شدو ابنة الأرز  .

المشاركة في هذا المقال