التنين الصاعد وافريقيا أبعاد زيارة الرئيس الصيني الى مصر؟

بدأ الرئيس الصيني شي جين بينغ زيارة الى القاهرة

هي الأولى له منذ عشر سنوات وتتزامن مع احتفالية البلدين بمرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية.  وتأتي في توقيت يعج بالاضطرابات الجيوسياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط وفي عالم يعيش على وقع صراع النفوذ والمصالح إقليميا ودوليا، وكذلك على وقع الصراع الأمريكي الإيراني وما أعقبه من عقوبات اقتصادية على ايران تمسّ شركاءها الاستراتيجيين وفي مقدمتهم الصين .  لذلك فهي تشكل محطة مفصلية في مسار العلاقات الدولية والإقليمية، تتجاوز في أبعادها الدبلوماسية الأطر التقليدية للتعاون الثنائي بين مصر والصين لتعكس تحولات كبرى في هيكل النظام العالمي.

لذلك فان زيارة الرئيس الصيني شي جين تتناول إلى جانب الاستثمارات ملفات ساخنة تشمل تبعات الحرب في الشرق الأوسط والعقوبات الأمريكية. وتأتي هذه المحادثات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي - لتؤكد سعي القاهرة نحو تكريس "الاتزان الاستراتيجي" وإبراز استقلاليتها في مواجهة موجات الاستقطاب العالمي. ومن المنتظر أن تتكلل هذه القمة بتوقيع اتفاقيات نوعية في قطاعات الذكاء الاصطناعي والنقل والطاقة وتوسعة الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فضلا عن تتويج التعاون العسكري عبر مناورات جوية مشتركة أبرزتها مقاتلات "جي-16"، في مشهد تجسد على الأرض عبر تزيين شوارع العاصمة بلافتات الاحتفاء بسبعة عقود من الشراكة الراسخة.

لقد تجسد التقارب المتنامي بين القاهرة وبكين عبر مشاريع عملاقة ودفاعية نوعية. إذ أسهمت الشركات الصينية في تشييد الحي التجاري المركزي بالعاصمة الإدارية الجديدة الذي تضمّه "شركة الصين العامة للهندسة المعمارية"، ويضم 20 ناطحة سحاب يتوسطها "البرج الأيقوني" كأعلى مبنى في أفريقيا. إلى جانب ذلك، يربط نظام القطار الخفيف بين الضواحي الشرقية ومراكز التنمية الجديدة، بينما تحتضن المنطقة الصناعية الصينية قرب قناة السويس مئات الشركات التي وفرت آلاف فرص العمل المباشرة باستثمارات تجاوزت 4.7 مليار دولار.

وتستند هذه القمة الصينية المصرية إلى رؤية استراتيجية متبادلة، حيث تسعى الصين لتثبيت أقدامها كقوة كبرى قادرة على نسج شبكة تحالفات مستدامة في قلب الشرق الأوسط، وتعتبر مصر بفضل موقعها الجغرافي وثقلها السياسي وبوابتها الواسعة نحو القارة الإفريقية كنقطة ارتكاز لا غنى عنها في مبادرة الحزام والطريق.

وتتجسد القيمة الكبرى لهذه الزيارة في كونها حلقة مركزية ضمن الاستراتيجية الطموحة للرئيس شي جين بينغ والتي تقوم على احياء "طريق الحرير" التاريخي عبر مبادرة "الحزام والطريق". فمصر  بفضل موقعها الجيوسياسي الفريد وتحكمها في العصب الملاحي العالمي لقناة السويس، تُمثل نقطة التقاء محورية تربط الممرات التجارية الآسيوية بالأسواق الأفريقية والأوروبية. ومن خلال هذه المبادرة، لا تهدف الصين إلى مجرد تصريف فائض إنتاجها أو تعزيز شبكات النقل واللوجستيات فحسب، بل تسعى إلى دمج الاقتصادات النامية في منظومة تجارية وسلاسل إمداد عالمية تقودها بكين، مما يرسخ دور مصر كشريك استراتيجي رئيسي في صياغة ملامح هذا الطريق الحضاري والاقتصادي المتجدد في القرن الحادي والعشرين.

لقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين قفزات نوعية توجت بتخطي حجم التبادل التجاري عتبة العشرين مليار دولار، وانضمام مصر إلى تجمع "بريكس"، وهو ما فتح آفاقا أوسع للتنسيق المالي والنقدي بعيدا عن هيمنة الدولار.

 وتسعى القاهرة الى زيادة حجم التجارة مع الصين الى قرابة 23 مليار دولار بنهاية العام.   وتركزت التداعيات الإيجابية للتقارب على توطين الصناعة والتكنولوجيا عبر تحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس إلى مركز لوجستي وصناعي للصناعات الثقيلة والطاقة الشمسية. كما ترجمت الشراكة الاستراتيجية على الأرض بضخ الشركات الصينية مليارات الدولارات في قطاعات متنوعة شملت تطوير موانئ الحاويات  ومشروعات الهيدروجين الأخضر وتصنيع الأنابيب الحديدية، وتجميع الأقمار الصناعية.

أما سياسيا ، فيلاحظ تطابق الرؤى حيال الأزمات الإقليمية الملتهبة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وأمن الملاحة في البحر الأحمر. حيث دعا الرئيسان خلال لقائهما  الى وقف الحروب في الشرق الأوسط .

وتتجاوز المصالح الصينية في مصر حدود البلدين لتشكل جزءا من استراتيجية قارية أوسع تهدف إلى تأمين سلاسل الإمداد العالمية، والموارد الطبيعية الاستراتيجية، والأسواق الاستهلاكية الواسعة في القارة السمراء. فقد تحولت علاقة الصين بأفريقيا تدريجيا من الدعم السياسي التقليدي في حقبة التحرر الوطني إلى شراكة اقتصادية وتنموية عملاقة تُدار تحت مظلة منتدى التعاون الصيني الأفريقي "فوكاك"، حيث ضخت بكين مئات مليارات الدولارات لبناء الطرق  والسكك الحديدية والموانئ التي تربط عمق القارة بموانئ التصدير. ومن خلال هذا الحضور الميداني الكثيف، تسعى الصين لتقدم نفسها كشريك تنموي براغماتي مغاير عن السياسات التي كانت تعتمدها القوى الاستعمارية التقليدية في افريقيا.  اذ يعتمد  النهج الصيني على مقايضة البنية التحتية وتأمين الدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية، مما جعل بكين الشريك التجاري الأبرز للقارة والأداة الأقوى لتوسيع نفوذها الجيوسياسي عالميا.

وتشمل الاستراتيجية الصينية في القارة الأفريقية شبكة واسعة من أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الهادئة. فمن خلال تفعيل آليات منتدى التعاون الصيني الإفريقي "فوكاك"، حرصت بكين على ترسيخ حضورها عبر تكثيف الزيارات الدبلوماسية رفيعة المستوى وعقد المؤتمرات المشتركة لكسب أصوات الدول الأفريقية وحمايتها في المحافل الدولية.

وعلى الصعيد الثقافي والتعليمي، عملت الصين على نشر ثقافتها من خلال تقديم المنح الدراسية للطلاب الأفارقة، وإنشاء شبكة واسعة من معاهد كونفوشيوس لتعليم اللغة الصينية في مختلف عواصم القارة. كما تعتمد الحكومة الصينية على الدبلوماسية الهادئة والمساعدات التنموية كأدوات فعالة للتعامل مع الصراعات العرقية والسياسية في القارة، إنطلاقا من كون  الاستقرار الاقتصادي هو الضمانة الحقيقية لتأمين مصالحها الاستراتيجية على المدى الطويل.

وفي المقابل ،تعتمد الصين بشكل جوهري على القارة الأفريقية لتأمين قاعدتها الصناعية والطاقة الحيوية المستدامة لنموها الاقتصادي . اذ تستورد الصين نحو ثلث حاجاتها من النفط من القارة الأفريقية، وتُعد أنغولا مزودا رئيسيا لها إلى جانب نيجيريا والجزائر والسودان.

 علاوة على ذلك ، تحتل أفريقيا المرتبة الأولى عالميا في إمدادات المواد الأولية، حيث تستحوذ على ما يقارب 90 بالمئة من البلاتين والكوبالت، و50 بالمئة من الذهب والمنغنيز، و35 بالمئة من اليورانيوم. وتبرز أهمية معدن الكوبالت والتيتانيوم كمكونات أساسية لا غنى عنها في الصناعات الإلكترونية الحديثة والهواتف المحمولة  وأجهزة الحاسوب.

ولا يخفى ان الصين تخوض  تنافسا دوليا وإقليميا محتدما في القارة الأفريقية مع قوى غربية كبرى، وفي مقدمتها  الولايات المتحدة الأمريكية والتي تبدي قلقا متناميا من التوغل الاقتصادي الصيني.  وكذلك دول الاتحاد الأوروبي  والتي تسعى للحفاظ على نفوذها التاريخي والتقليدي الاستعماري والاقتصادي السابق في أسواق القارة ومواردها.

كما تسعى الصين لتأمين موطئ قدم تجاري ولوجستي في الممرات الملاحية والأسواق الأفريقية الصاعدة.

وفي خضم كل ذلك ، تطرح الصين نموذجا مخالفا للسياسات الغربية يقوم على مقولة "التنمية قبل التدخل السياسي"، حيث تقدم بكين قروضا واستثمارات ميسرة في البنية التحتية دون فرض اشتراطات سياسية، وهو ما تفتقده السياسة الأمريكية التقليدية في المنطقة. هذا النموذج يجذب الدول النامية الساعية لتحقيق استقلالها الاقتصادي دون دفع أثمان سياسية باهظة يتعلق خاصة بالتدخلات الخارجية.

وتعتمد الصين في تمددها على استراتيجية محكمة قوامها "الدبلوماسية الناعمة" بعيدا عن التدخل العسكري أو التورط في الصراعات الدموية. وترتكز هذه الأدوات على الدبلوماسية الاقتصادية الاستثمارية وربط مصالح الدول النامية بالاقتصاد الصيني عبر مشاريع عملاقة وملموسة.

 ونجحت الصين في لعب دور هام في الوساطة الدبلوماسية الهادئة   في الشرق الأوسط مثل رعاية اتفاق المصالحة السعودية الإيرانية التاريخي.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو هل تمثل الصين "طريقا ثالثا" في مواجهة الأحادية الأمريكية؟  

في الحقيقة فان الصين تتبنى استراتيجية بناء "نظام متعدد الأقطاب" يقلص من السطوة الأمريكية المطلقة. ومن خلال تعزيز تجمعات مثل "بريكس" ومنظمة شانغهاي للتعاون، تتيح الصين فضاء جيوستراتيجيا واقتصاديا يُعرف بـ "الطريق الثالث"، تملك فيه الدول النامية حرية مناورة أكبر .

ولعل من المهم الاشارة الى ان الصعود المتسارع للتنين الصيني في المنطقة يعود إلى عدة عوامل موضوعية أبرزها الموثوقية والبراغماتية والتزام الصين بمبدأ "عدم التدخل في الشؤون الداخلية" والتركيز البحت على المصالح المشتركة والتبادل التجاري. وكذلك يستند الى حاجة دول الشرق الأوسط والدول الافريقية لتنويع اقتصاداتها وشراكاتها في ظل التحديات العالمية المعاصرة وموجات التضخم واضطرابات سلاسل الإمداد.

وعلى وقع الحروب الدائرة وسباق التنافس السياسي والاقتصادي المحموم ، تؤكد زيارة الرئيس الصيني للقاهرة بأن العالم يتشكل وفق معادلات جديدة لم تعد فيها واشنطن اللاعب الأوحد، بل باتت بكين شريكا موثوقا قادرا على إعادة هندسة التوازنات الدولية سواء في افريقيا أو غيرها وذلك من بوابة القاهرة وعواصم إقليمية وازنة أخرى.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115