Print this page

:المرأة تتعلم أكثر لكنها تعمل أقل التحصيل التعليمي لا يتحول آلياً إلى فرص متساوية في سوق العمل

 لا يمكن لكل مظاهر الاحتفال بالعيد الوطني للمرأة أن يحجب ما

  تكشف عنه أحدث المؤشرات اذ أن مسار المساواة بين النساء والرجال في تونس لا يزال يسير بسرعتين مختلفتين: تقدم واضح في التعليم وبعض مجالات الحياة العامة، مقابل فجوة واسعة في المشاركة الاقتصادية والتمثيل في مواقع القرار.

يضع تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي حول الفجوة العالمية بين الجنسين لسنة 2025 تونس في المرتبة 123 عالمياً من أصل 148 دولة، بنسبة 65.4% من الفجوة بين الجنسين تم إغلاقها، مقابل المركز 115 و 66.8% في نسخة 2024، ما يعني تراجع تونس ثماني مراتب مقارنة بالسنة السابقة. وعلى المستوى الإقليمي، جاءت تونس في المرتبة الخامسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

لكن ترتيب تونس العام يخفي تفاوتاً كبيراً بين مكونات المؤشر. فالمشكلة الأكثر وضوحاً تتمثل في المجال الاقتصادي، إذ لم تغلق تونس سوى 51.5% من الفجوة في المشاركة والفرص الاقتصادية، لتحتل المرتبة 135 عالمياً في هذا البعد. أما في التمكين السياسي، فلا تتجاوز النتيجة 15.7%، في المرتبة 100 عالمياً.

وتؤكد أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء الخاصة بالتشغيل والبطالة أن الفجوة الاقتصادية ليست مجرد نتيجة لمؤشر دولي، بل واقع ينعكس مباشرة على سوق العمل التونسية. ففي الثلاثي الأول من سنة 2026، بلغ عدد النساء ضمن السكان النشيطين 1.379 مليون امرأة، أي 32.3% فقط من مجموع السكان النشيطين، مقابل 67.7% للرجال. كما لم تتجاوز حصة النساء من مجموع المشتغلين 30.2%، مقابل 69.8% للرجال.

وتصبح الفجوة أكثر وضوحاً عند النظر إلى البطالة. فقد بلغت البطالة لدى النساء 20.7% في الثلاثي الأول من 2026، مقابل 12.3% لدى الرجال، أي بفارق 8.4 نقاط مئوية. وبين حاملي الشهائد العليا، تتسع الهوة أكثر: 32% من النساء الحاصلات على شهادات عليا عاطلات عن العمل، مقابل 14.2% لدى الرجال، بفارق يقارب 18 نقطة.

وهنا تبرز إحدى المفارقات الأساسية في وضع المرأة التونسية فارتفاع مستوى التعليم لم يؤدِّ بالضرورة إلى حضور اقتصادي مماثل. فالمنتدى الاقتصادي العالمي يعتبر التعليم من أكثر المجالات تقدماً عالمياً في مسار المساواة، إذ أُغلقت تونس  نحو 97.1% من الفجوة بين الجنسين في التعليم وهي نسبة اعلى من المعدل العالمي   المقدر ب 95.1% ، لكن ارتفاع التحصيل التعليمي لا يتحول آلياً إلى فرص متساوية في سوق العمل في العالم .

وتونس ليست بعيدة عن هذه المفارقة. فالمرأة التونسية حاضرة بقوة في الجامعة وفي المهن التي تتطلب تأهيلاً علمياً، لكنها تواجه عند الانتقال من التعليم إلى العمل فجوة أكبر، سواء من حيث النفاذ إلى الوظائف أو الاستمرار فيها أو الوصول إلى مواقع المسؤولية. ويظهر ذلك بوضوح في بطالة حاملات الشهائد العليا التي تتجاوز ضعف نظيرتها لدى الرجال.

ولا تقف الفجوة عند حدود سوق الشغل. فوفق تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، لم تتجاوز حصة النساء في المناصب الوزارية في تونس 25%، فيما بلغ مؤشر التمكين السياسي 15.7%. ويشير التقرير إلى أن تونس والمغرب تسجلان أعلى مستويات تمثيل نسائي في المناصب الوزارية داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 25% لكل منهما، إلا أن ذلك لا يلغي ضعف الحضور النسائي في مواقع القرار السياسي الأوسع.

لذلك، فإن قراءة وضع المرأة في تونس في 13 أوت 2026 لا يمكن أن تكتفي بالاحتفاء بالمكاسب التشريعية والتعليمية التي تحققت على مدى عقود. الاختبار الحقيقي للمساواة أصبح اقتصادياً بالدرجة الأولى. فبينما تقترب تونس من تضييق الفجوة في التعليم، تبقى المرأة أقل حضوراً في النشاط الاقتصادي وأكثر عرضة للبطالة، وخاصة عندما تكون من خريجات التعليم العالي.

اذا تصبح مسألة المساواة بين الجنسين ليست مجرد ملف اجتماعي أو حقوقي، بل مسألة اقتصادية أيضاً. فإبعاد جزء كبير من الكفاءات النسائية عن سوق العمل أو إبقاؤها في مواقع أقل استقراراً وتمثيلاً يعني أن الاقتصاد التونسي لا يستفيد بالكامل من رأس ماله البشري. فتونس قطعت أشواطاً مهمة في تمكين المرأة من التعليم، لكن تحويل هذا التقدم إلى حضور فعلي في مواقع القرار لا يزال الحلقة الأضعف في الطريق نحو المساواة.

المشاركة في هذا المقال