منشآت طهران النووية تضع الاتفاق الأمريكي الإيراني أمام أول اختبار سياسي
- بقلم وفاء العرفاوي
- 15:19 25/06/2026
تتواصل تداعيات مذكرة التفاهم التي أبرمتها الولايات المتحدة وإيران لوقف
الحرب التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، وسط تباين واضح في قراءة الطرفين لبنود الاتفاق وآفاقه المستقبلية، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى احتواء مخاوف حلفائها في المنطقة الذين ينظرون بحذر إلى التفاهم الجديد مع طهران.
وفي مؤشر على استمرار الخلافات الجوهرية بشأن الملف النووي الإيراني، شددت طهران على أن أي نقاش يتعلق بمصير منشآتها النووية أو المواد المخصبة لن يتم خارج إطار المفاوضات النهائية المرتبطة برفع العقوبات الأمريكية بشكل كامل. وجاء هذا الموقف على لسان نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، الذي نفى عقد اجتماعات مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي في سويسرا، مؤكدا أن إيران لا تعتزم في المرحلة الحالية السماح بالوصول إلى المنشآت التي تعرضت لهجمات خلال الحرب الأخيرة.
ويعكس هذا التصريح حجم الهوة القائمة بين رؤية طهران التي تعتبر أن الملف النووي جزء من حزمة تفاوضية شاملة تشمل العقوبات والضمانات السياسية، وبين رغبة المجتمع الدولي في استئناف عمليات التفتيش والتحقق من طبيعة الأنشطة النووية الإيرانية بأسرع وقت ممكن.
واشنطن تطمئن الحلفاء
في المقابل، بدأ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو جولة خليجية تشمل الإمارات والكويت والبحرين، في محاولة لشرح أبعاد التفاهم الأمريكي الإيراني وتبديد المخاوف التي برزت لدى شركاء واشنطن الإقليميين.
وتكتسب الجولة أهمية خاصة كونها تأتي بعد أيام فقط من توقيع مذكرة التفاهم التي وضعت حدا للعمليات العسكرية بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة وإيران من جهة أخرى، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة من المفاوضات تمتد لستين يوما بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي.
وخلال لقاءاته في أبوظبي، ناقش روبيو مع الرئيس الإماراتي حمد بن زايد آل نهيان انعكاسات الاتفاق على أمن المنطقة، في ظل تساؤلات متزايدة حول مدى نجاح الاتفاق .
ويبدو أن مهمة الوزير الأمريكي ليست سهلة، إذ يواجه ضغوطا متزامنة من اتجاهين، الأول داخلي يتمثل في الانتقادات الصادرة عن شخصيات جمهورية ترى أن الاتفاق يمنح طهران مكاسب كبيرة دون مقابل واضح، والثاني خارجي يتعلق بمخاوف الحلفاء في المنطقة الذين تعرضت أراضيهم خلال الحرب لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
البرنامج النووي
وفق مراقبين ورغم أجواء التهدئة السياسية، لا يزال البرنامج النووي الإيراني يمثل العقبة الأبرز أمام التوصل إلى اتفاق شامل. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية أكدت أن عمليات التفتيش ستستأنف عاجلا أم آجلا، إلا أن تفاصيل الترتيبات التنفيذية لم تحسم بعد.
ويتركز الجدل حاليا حول مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، وخاصة المواد التي وصلت نسبة تخصيبها إلى 60 بالمائة، وهي نسبة تعتبر قريبة تقنيا من المستوى المطلوب لصناعة الأسلحة النووية.
وتتمسك إيران بموقفها التقليدي القائل إن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية ومدنية، فيما تصر الولايات المتحدة والدول الغربية على ضرورة وجود آليات رقابة صارمة تضمن عدم تحويل هذه القدرات إلى أغراض عسكرية.
ويزيد من تعقيد المشهد تضارب التصريحات بين الجانبين، فبينما تؤكد طهران أن عمليات التفتيش لم تحسم بعد، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إيران وافقت على رقابة نووية موسعة وغير محددة زمنيا، وهو ما يعكس استمرار الغموض بشأن التفاهمات الفعلية التي تم التوصل إليها خلف الكواليس.
اختبار الثقة المقبل
إلى جانب الملف النووي، يبرز مستقبل الملاحة في مضيق هرمز كأحد أهم الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات المقبلة.فالمضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية عاد إلى العمل بصورة طبيعية نسبيا بعد انتهاء الحرب، إلا أن الخلاف لا يزال قائما بشأن الرسوم التي تعتزم إيران فرضها على السفن العابرة مستقبلاً.
وتعتبر الولايات المتحدة أن أي رسوم أحادية الجانب على ممر مائي دولي تمثل سابقة مرفوضة، بينما ترى طهران أن من حقها تنظيم حركة العبور بما يخدم مصالحها الاقتصادية والأمنية.
وقد انعكس تراجع المخاوف الأمنية على أسواق الطاقة العالمية، حيث انخفضت أسعار النفط بشكل ملحوظ مقارنة بالمستويات التي بلغتها خلال ذروة المواجهة العسكرية، في إشارة إلى تفاؤل الأسواق بإمكانية استمرار المسار الدبلوماسي.
في موازاة ذلك، وصف رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف مذكرة التفاهم بأنها "إعلان هزيمة للولايات المتحدة"، معتبرا أن ما تحقق جاء نتيجة صمود إيران وليس نتيجة ضغوط خارجية.
كما حملت تصريحات قاليباف رسائل موجهة إلى دول المنطقة، إذ دعا إلى أن تتولى دول الشرق الأوسط مسؤولية أمنها بعيدا عن التدخلات الأجنبية، مؤكدا أن مستقبل المنطقة يجب أن يقوم على التعاون والتفاعل وليس المواجهة.وتشير هذه الرسائل إلى محاولة إيرانية لفتح صفحة جديدة مع الجوار ، رغم استمرار الخلافات العميقة حول ملفات الأمن الإقليمي والنفوذ العسكري والبرامج الصاروخية.
ووفق خبراء تبدو مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية أقرب إلى إطار سياسي مؤقت يوقف التصعيد العسكري ويفتح الباب أمام التفاوض، أكثر من كونها اتفاقا نهائياً يحسم القضايا الخلافية.فالقضايا الجوهرية المتعلقة بالبرنامج النووي، وآليات التفتيش، والعقوبات الاقتصادية، وأمن الملاحة في المنطقة، والدور الإقليمي لإيران، لا تزال جميعها مطروحة على طاولة المفاوضات المقبلة.
وخلال الأسابيع المقبلة ستتحدد ملامح المرحلة الجديدة في الشرق الأوسط، فإما أن تنجح الأطراف في تحويل التفاهم الأولي إلى اتفاق مستدام يعيد الاستقرار للمنطقة، أو أن تعود الخلافات القديمة لتفرض نفسها مجددا وتعيد فتح أبواب التوتر والصراع.
الصواريخ الباليستية
من جهته أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أن مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران لم تتناول الصواريخ الباليستية الإيرانية، وأنه لا يمكن السماح لبلد بامتلاك هذا السلاح ومنع بلد آخر من امتلاكه، داعيا إلى عدم الاستماع إلى من يريدون تخريب الاتفاق.
وقال شريف في مؤتمر صحفي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي وصل إلى إسلام أباد في زيارة رسمية أمس، إن موضوع الصواريخ الباليستية لم يكن مطروحا للنقاش، وإن الجانب الإيراني لم يكن مستعدا للحديث عنه بأي حال من الأحوال.وأضاف أن منع إيران من امتلاك هذه الصواريخ التي تمتلكها دول أخرى يعتبر ازدواجية معايير غير مقبولة، داعيا إلى عدم الإنصات لمن قال إنهم يريدون تخريب الاتفاق بين واشنطن وطهران، وإبقاء الأمة الإيرانية في حالة حرب مستمرة.
كما أكد شريف رغبة بلاده في مواصلة الدور الذي تقوم به بين الولايات المتحدة وإيران حتى يتحقق السلام، مشددا على أن الحرب كان يمكنها أن تدمر كل شيء.
آخر مقالات وفاء العرفاوي
- حرب إيران تستنزف ترسانة واشنطن.. هل بدأت القوة العسكرية الأمريكية تدفع تكلفة المواجهة؟
- مع تجدّد الضربات الأمريكية.. سيناريوهات تضع إيران أمام خيارات صعبة
- نفوذ بكين الاقتصادي يتوسّع.. كيف تبني الصين بوابتها الاقتصادية نحو افريقيا؟
- صراع النفوذ في هرمز يتجدّد..ترامب يدرس ''ضربات محدودة'' ضد إيران
- فيما بكين ترفض الانخراط في إستراتيجية العزل الأمريكية : ترامب يصعّد "الحرب الاقتصادية" والعسكرية على إيران..